728 x 90

من نبيل الملحم إلى محمد ملص

3112646689.jpg

 

 

عزيزي محمد ملص:

 

لا نعرف من سيرحل فينا قبل الآخر.. نحن في زمن الرحلات، الرحلات القسرية التي لا نشتهيها.. لا أظنك تشتهي رحلة "العدم"، رحلة الإغماض الأبدي وأنت العين التي تحكي.

 

مع ذلك، ما لابد منه، لابد منه.. وقد:

 

 يتبقى منا ما يحفظه الورق.

 

ليس من أجل التاريخ، لا، ليس التاريخ من يسعفنا، أو يسعنا، التاريخ صندوق أسود، وسيبقى كذلك، ولا أظنك تحتفل بالصناديق السوداء، أو تنتعش لفتحها.

 

قبل خطوة ليست ببعيدة عن اللحظة، كنا نشتهي سلطة الخضار، ربما أجدنا صنعها، لهوًاً رائعًا كانت تلك اللحظات، وكان علينا أن نلهو بتشكيل الخضار في طبق، فيما كانت البلاد تلهو بالقتل، والقتل المضاد.. بالدفن، بمراسم او بلا مراسم، بصلوات الجنازة أو بلا صلاة جنازة، وكنت أنت راغبًا في تأريخ اللحظة، لحظة تمتد في بشر من لحم ودم.. بشر كتبوا، أو أنجزوا، أو احتضروا، كأبعد من صانع فلم، وكأعمق من مؤرخ لحظة.

 

أنت.. لست تكنسيان سينما، مهمته أن يُجلس جمهوره في المقعد، وانت لست مؤرخاً وبحيادية المؤرخ.. أنت ككل أصحاب الرؤى، يرون أبعد مما يجب، ويحتضرون أكثر مما يتطلب احتضار الحيوات الداجنة، لك احتضارك الخاص بك، احتضار رجل يعبث بدمه، وكنت أنا من بين اختياراتك، لأكون "نجم" فيلمك.

 

أفشِل المشروع، لا لشيء، سوى لأنه "ينبغي" أن يفشل.

وحسناً أنه فشل.

 

أتعرف ما الذي يدعوني لقول ذلك؟

 

لأنني قرأت ما كسرني، وها أنذا أعيد إليك ما قرأته.. قرأته، وأعني (عمر الخيام):

 

- فكّرت لاثنتين وسبعين سنة، ليلاً نهاراً، حتى اتضح لي أن لا شيء يمكن قوله.

 

وكأن الرجل يقول:

 

- لم كل هذا العناء؟

 

سبق وسمعت شيئاً من عاصي الرحباني، لست حريصاً أن أنقل ما قاله كما قاله.. سأنقله كما يحلو لي أن أسمعه:

 

- ألّفت مئات الأغاني والألحان والأوبريتات وأضأت المسارح.. ما الجدوى من كل ذلك.

 

وأتابع اليوم، وبعين لا تخلو من خبث الصحفي مسيرة عاصم الباشا، هو اللحظة يرفع الصلصال من أجل "نصب المعرّي"، ليفوز بكمشة من الوقت.. نعم، الوقت يا محمد.. ليؤجل موته.. ليس موت المعرّي، لا، موت النحّات الذي يبحث في الصلصال عما تبقّى منه، في خواء عالم يتسع للسوشيال ميديا، لسباقات التسلح ومطاردات الرغيف والحروب طويلة المدى او تلك الحروب التي لا ترى بالعين المجرّدة.

 

أخاف على عاصم، ولا أرجو له موتاً، ففي اللحظة التي سيموت فيها، ستضغط على روحي مشاعر الوحدة، لا لأننا نتعانق صباحاً، مساء، فجراً، وليس لأننا نصلّي لمحراب واحد، فلكل منا إلهه، أخاف موته ووحدتي، لأنه سؤالي، ولا أرغب لسؤالي أن يكتمل، ففي اللحظة التي سيكون فيها سؤالاً مجاباً عنه، سأعود إلى الفراغ، ومثلنا، تميته الإجابة ويحييه السؤال، فتخيل أن يموت سؤالك فتهيل عليه التراب، أو توقده في فرن وتنثره رماداً في قاع البحيرات والأنهار.

 

- أخاف على عاصم.. لأنه سؤالي، وأظن أنك تخاف عليّ لأنني سؤالك.

 

عاصم يحييني، ولا بد أنني أحيي شيئاً فيك، فإن أجبتك سأكون ذلك الرماد الذي يبحث عن نهر، أو ذاك المسجّى في حفرة بانتظار حفنة تراب.. و:

 

- كلما أجبت أنت عن سؤال، ستنتقص الإجابة من رصيدك في الحياة.

 

عزيزي محمد:

 

اليوم، ليس كما كل الأيام، بطبيعة الحال، ما من يوم كما بقية الأيام، فمياه النهر لا تتكرر في مجرى النهر مرتين، غير أنه اليوم الذي ربما يكون المنعطف، ولو كنت أنت من هواة قيادة السيارات مثلي، أو من هواة قيادة الدرّاجات النارية مثلي أيضاً، لسهّلت عليّ توصيل الفكرة.

 

حين يكون السائق على الطريق المستقيم، وبالسرعة القصوى، لا يرى أشجار الطريق، نعم، يستغرق في تداعيات، ربما موسيقى الراديو، تداعيات المنشدين، يراقص المقود، ويضغط أكثر وأكثر وأكثر على دعسة الوقود، وعند المنعطف، يعرف أن مصيره ليس كما حال تلك الموسيقى المنسابة، ببورتريهاتها، إيقاعاتها، وبالأصوات التي يرسمها خيال البزق أو نقرات الدربكة أو أقدام الراقصين.. هنا، سيحدث أمر آخر، هو سؤال محدّد بالتمام والكمال:

 

- لم كل ذلك؟

 

أعني:

 

- لم دوّاسة الوقود؟ لم محرك السرعات؟ بل، لم صناعة السيارات من أصلها؟ وقد يتساءل:

 

- ولم الموسيقى؟

 

واليوم كان المنعطف، أظن أنه ليس أمراً جللاً بالنسبة للكثيرين، كل ما في الأمر، أنه خبر يتصل بموت شاب تحت التعذيب.. ما يعني أنه خبر عابر عن وقائع يومية تحدث في بلاد مانحة للقتل.. القتل ببندقية صيد، بمفخخة، بصاروخ، بقذيفة مدفع، اما القتل بالسأم، فهو خارج كل حسابات القتل، مع انه الأكثر حضوراً والأقل تعبيراً عن نفسه.

 

- موت شاب "تحت التعذيب"؟!!

 

سيختلف الأمر كثيراً عن الموت في الحروب.. جندي يقتل جنديًا، أمر مختلف، فقبل إماتته بالتعذيب، أماتوا إرادته، وأماتوا رجاءاته، ومع أنني لم اختبر الموت، لكنني سأفترض أن الإنسان في لحظة الاحتضار، سيحمل الكثير من الرجاء، اقلّه، أن ينطق كلمة كان قد خبّاها في حلقه عمراً طويلاً، كأن يسأل عشيقته المخادعة:

 

_ لم حدث ما حدث؟

 

أو يسأل الطاغية:

 

- دلّني على متعتك.. وهل يتسع جوفك لكل هذا الوحش الذي تحمله؟

 

كأن يسأل:

 

-  هل الله موجود؟ وهل يعلي من قيمة العدالة في محكمته؟

 

ربما تكون أسئلته، أقل مثاقفة من أسئلتنا نحن الذين انسحبنا من الحياة البريّة واختبأنا وراء اللغة لتكون ساتراً لعيوبنا، أسئلة من نوع:

 

- هل العنب متوفر في الفصل الأخير من الجنّة؟ هل العناق متاح، مسترسل، متصل، ليس فيه ندب من ندوب الذاكرة؟

 

سيكون أمراً بالغ الإعجاز إذا ما حدث وأتيح للمقتول تحت التعذيب ان يرجو.

 

تحت وقع اللكمات، خبطات القدم، تمزيق الجسد بالأسلاك الشائكة، لا فسحة للرجاء، سيموت الإنسان بلا رجاء، بلا كلمة أخيرة، بلا خاتمة لرواية حياته، وبلا نقطة في آخر السطر.. سيكون نقاطاً ممتدة ليست حتماً كما نقاط ماء المغاور التي تتشكل على هيئة ساقية.

 

- أي قسوة في مثل هذا الموت؟

 

خبر عاجل، أعرف، تظاهرة سوشيال ميديا، كلام ينطفئ قبل أن يوقَد، موت لا قيمة له، ولكنه وبقليل من التأمل، يدفعنا لإعادة النظر بكل ما يحيطنا.. بما نكتب، وما نرى، وما نهدف إليه، ومن نهتف له.. خبر يستدعي الكثير من الخلوة، من تداعيات تاريخ الإنسان ربما، فما يحدث في عاصمتنا، ليس فريداً في عالم الإنسان وقد اختار التوحش، لا، هو أقدم من نظام حكم يمكن نعته بـ (السافل)، غير أن ما لا يستدعي النكران هو أن هذا السافل، قد ورث  وحشية أجدادنا الوحوش، فأضاف، وأثرى، وطوّر حتى بات الموت بالتعذيب أمراً عادياً، مألوفاً، وكان صديقنا العبقري برتولد بريشت قد نبهنا من خطورة أن يتحول الغريب إلى مألوف في حياتنا، وقد بات كل ما هو غريب مألوفاً بما فيه القتل بالإيهام بالغرق، القتل على الكرسي الألماني، القتل بانحسار الهواء عن الزنازين المفردة، القتل بالأحذية، ولكل قتيل قاتل يمارس لذة القتل باعتباره "مالوفاً"، والقاتل وقد ألف القتل، استدعانا لنرى الغريب مألوفاً، فألفناه، وها نحن ننحدر لحظة بعد لحظة من مقتولين إلى قتلة، أقله وقد بات القتل بالنسبة إلينا هو مجرد شريط إخباري، أو خبر كامل بالمقدمة والنص والهامش ومتعلقات الخبر، تذيعه بنت تدلق مؤخرتها ومساحيقها في وجوهنا لتنال مما تبقى لنا من إشراقة وجع تُنبئنا بأننا كنا بشراً.

 

حدث عابر، أعرف ذلك، خبر لايستحق مغامرة ولوج المنعطف، خبر أقل شأناً من غرق يصيب البورصة، من ارتفاع أو انخفاض أسعار الذهب والعملة، من لقاء الكوريتين أو فضيحة جنسية.. لا بل أقل قيمة من فتحة فستان بنت استعراض منتجات دور الأزياء العادية، العادية جداً، تلك التي يديرها مصممو ملابس بؤساء لا يعرفون حقيقة الاحتمالات اللانهائية لانحناءات جسد المرأة.

 

يحدث.. ويعلن الخبر:

 

-موت تحت التعذيب.

 

وبعدها يتم إنكار الموت، وإنكار الجثة.

 

وبعدها يأتي السؤال:

 

- ماذا وراء متعة الاحتفاظ بالجثث.. تخزين القتلى؟ ما الذي يدفع حاكماً ليخزّن الجثث في خزانة حكمه؟

 

وبعدها سيكون السؤال الشخصي جداً:

 

- من أيّ سؤال ستبدأ؟

 

عزيزي محمد:

 

أدرك انني متداخل، ومضطرب، وأعرف أنني شتات من الصعب جمعه.. ولكن هل تعرف متعة ما أنا فيه؟

 

متعة أنني لست صيغة نهائية.. يعني متعة أنني لم أمت بعد.

 

الحياة رائعة يا صاحبي.. الموت فعل إهانة، كل الموت فعل إهانة، ما بالك بالموت تحت التعذيب، يعني بلا رجاء؟

 

مشتاق إليك، ولطبق سلطة خضار وللعزيزة انتصار.. وأشعر بالحزن القتّال لأنني فقدت حنيني إلى دمشق التي دللتني.

 

ربما خرجت منها وأنا أحمل كسوراً في عظامي، كسوراً لا أظن أن ثمة شفاء منها.

 

اسلم وعش ولا تنسى ما قال عمر الخيام:

 

- فكّرت لاثنتين وسبعين سنة، ليلاً نهاراً، حتى اتضح لي أن لا شيء يمكن قوله.

 

نبيل الملحم

 

 

 



07 أيار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة