728 x 90

مجلة صور تحاور المخرج السينمائي محمد ملص

2194212185.jpg

 

 

 

الكاميرا كائن حي يمسك "الزمن" من عنقه

لن تكون السينما "سينما" إذا كانت الكاميرا أداة مأمورة..

 

 

 *حاورته: أميرة سلام      

                           

 

محمد ملص.. الظاهرة السينمائية بحق، لا تستطيع أن تتحدث عن السينما لعقودٍ أربعة مضت دون أن تشاهد بصمة محمد ملص والتوقف أمام تجربته السينمائية.. التقيته للحوار فوجدت نفسي أمام قامةٍ كبيرة، أمام موهبة إبداعية جعلته من كبار المبدعين السينمائيين..

 

ارتبط بالأرض ورفض الخروج من سوريا رغم كل المآسي الموجودة فيها ورغم العروض المقدمة له للخروج، وعلى الرغم أيضاً من تعرضه لضغوط نتيجة مواقفه.. الشآم مكانه وعشقه التي رافقته في معظم أعماله من أحلام المدينة إلى سلّم دمشق.. وبينهما أعمال عديدة حازت على جوائز عالمية..

 

 

كيف يفكر محمد ملص أن يعكس الحياة السورية الراهنة في أعماله؟! .

 

مع انجذابي للوهلة الأولى لكلمة "صور" تسمية لمجلة لا أعرفها، وإجراء لقاء معي كسينمائي يعشق الصور، اصطادني هذا السؤال الأول الذي طرحته. وتوقفت طويلا أمامه، فخطر لي أن أسأل نفسي: ترى هل يكفي العمر كله أو ما تبقى منه، كي أستطيع كسينمائي، أن أعكس بصدق الأبعاد المتعددة التي أحدثتها هذه الكارثة التي حلت بنا، والتي أصابت الحياة السورية بأحوال لا حدود لها؟!.        

 

 

وتساءلت أيضا، ترى لو قرر السينمائيون السوريون كلهم أن يفعلوا ذلك، فهل بمقدورهم أن يعكسوا هولها وأثرها علينا وعلى بلدنا، مهما بلغت الموهبة والخبرة والمعرفة لديهم، ومهما توفرت لهم الفرص والإمكانيات.

 

يبدو أن السؤال الأهم ليس كيف نفكر فقط،  بل هل من المسموح أن يقوم أي سينمائي بذلك؟

 

ومن هو الذي يريدنا أن نفعل ذلك؟ ومن هو الذي لا يريد!

 

نحن؟ .. نعم نحن كسينمائيين نريد أن نقوم بذلك، لأن هذا الوطن وطننا، وهذه هي بلدنا، وهذا واجبنا، وصرخة ضميرنا تنادينا.

 

بالتأكيد ثمة البعض من السينمائيين السوريين، قد أنجزوا أفلاماً حاولت أن تلامس أو أن تغوص، أو أن تدور حول الأحداث الجارية في بلدنا، وهي  عبرت لدى كل منهم، وفق فهمه وتصوره للسينما عن هذه الأحداث، وعن موقفه مما يحدث.. لكن هل هذا يكفي؟

 

أعتقد أن السينما بذاتها، والتي اخترناها وسيلة للتعبير عن أنفسنا وعن ما نرى وعن ما نفكر به، تفرض أن يسأل كل منا نفسه، ترى إلى أي حد كانت هذه الأفلام سواء الوثائقية أو الروائية، وسواءً حققها سينمائيون سوريون في بلدهم أو خارجه.. هل كانت هذه الأفلام، سينما حرة ومعنية بالإنسان السوري، وهل تعبر عن الإنسان في هذا البلد تحت وطأة هذه الظروف؟   

                                                                  

وهل كانت هذه الأفلام "وفية للسينما" التي تقوم على البصيرة والصدق الفني؟!

 

الجواب على هذا السؤال، ليس ملك فرد سينمائي أو غير سينمائي، وليس ملك رأي مجموعة من المشاهدين... الجواب ملك الأثـر الوجداني والعميق الذي يمكن أن تتركه هذه الأفلام في داخلنا، وفي داخل أي متفرج يشاهدها في البلد أو خارجه، أو الذي يشاهدها اليوم أو في الغد أو في ما يأتي من الأيام. ذلك الأثر الذي يجب أن تتركه وهو الذي نغفو ونصحو دون أن نكون قادرين على التخلص منه.

 

إن الجواب لمدى أهمية هذه الأفلام ملك للزمن وحده، وهو الذي يمنحها ديمومتها وألقها في حياة الناس. فالذي يقيّم الأفلام ليس الجمهور المغيب و المصنّع، خاصة وأن السينما السورية كانت وما تزال بعيدة عن أن تطرح نفسها كسينما "تجارية"، أو أسيرة للسوق الذي لم يعد موجوداً أصلاً.      

                                                                        

لذلك لابد من السؤال لماذا ؟!      

                                                      

لماذا يراد لنا أن نغيًب عن السينما قضية "السؤال" الإنساني والاجتماعي والوطٍني، والذي هو عصب السينما وجوهر المهمة التي يجب أن نتصدى لها كثقافة وإبداع؟!!

       

وطأة الزمن على محمد ملص.. وكيف تعيش الوقت؟

 

الكاميرا كائن حي يمسك "الزمن" من عنقه، فلا بد لك أن تستدرجه بحب، وتسترق منه زمنك السينمائي الخاص.  لن تكون السينما "سينما" إذا كانت الكاميرا أداة مأمورة..    

 

    

 

ولن تكون أيضا، عبداً "لسيّد"، يهدف لخيانتها وترويضها.. إن أي سينمائي يعرف أي نوع من السينما يمكن أن تعطيه الكاميرا، إذا رواها بروحه كحبيبة وأطعمها بوعيه وبصيرته.  

  

لذلك يمكننا أن نتخيل نوع السينما التي ستعطي الكاميرا إذا كان الواقع قد أصبح عدواً لها، بحيث ما أن تمد رأسها لترى، حتى يتناهى لمسامعها على الفور طقطقة سلاح ما.                         

                                

أما فيما يخص الوقت وكيف يعاش، فقد غدا الزمن وقتاً يصيبنا بسكاكينه، ويبددنا قطعاً متناثرة، ثم يغرقنا في مستنقع من التشظي إلى حد الاختناق.

 

 

لقد فقد الوقت سماكته وتجسده، ولم يعد له أيام أو صباح أو مساء، وصار وطأة.. يطأني الوقت لأني لا أستطيع أن أحمل الكاميرا وأمضي  معها إلى الشوارع والمدن. ولأني لا أستطيع أن أخرج معها (وبدونها أيضا) لنزور معا مسقط الرأس مثلاً، أو أن أستعيد بها ومعها، شيئاً كنا قد فقدناه وغفلنا أن نبحث عنه، أو أن أستكمل تصوري عن دمشق اليوم، لمشروع يشغل وجداني وعالمي منذ سنوات... أو أن أزور مع الكاميرا قرية صديقي الذي رحل لأواسي أمه الثكـلى، أو مدينة ذاك الذي غادر لأكون مع أبية الذي  يعيش الانتظار...      

                                                  

علمت أن في مخزونك مشاريع عديدة الآن.. كيف سيكون مصير هذه المشاريع؟

 

هو حال السينما في بلد يجعلك تصرف حياتك، وأنت تحاول دائما أن تكتب سيناريوهات تحلم بتحقيقها فلا تصير أفلاماً. لندع جانباً الحديث عن ما كنت قد حققته من أفلام، خلال الأربعين سنة الماضية فهي  صارت ورائي ولم تعد ملكي اليوم...ففي أي شروط نحن نعيش، وأي ظروف نواجه، وما هي الاعتبارات والقيم التي تتحكم بنا؟!                       

                                                                                                                                                                   

بالأساس أنا سينمائي، لا لأقص على الناس الأفلام التي أريد، بل لأحقق هذه الأفلام. فالأفلام تُرى ولا تُحكى.. مشروعي السينمائي ليس مهنتي فقط، بل هو حياتي التي أعيش من أجلها...أنا لا أكتب السيناريوهات لتبقى حبيسة الأدراج (ففي خزانتي أربعة)...لكني أؤمن أن تحقيق ذلك يجب أن يقوم دون المس بالكرامة، فأنا حين شعرت قبل سنوات طويلة أن تحقيق أي فيلم لي من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، قد بدأ يتطلب مني المزيد من التنازلات الفكرية والرقابية والمساس  بــ "الكرامة" المهنية، فقد اتخذت لنفسي مساراً آخر لتحقيق أفلامي بعيداً عن المؤسسة كمنتج، والسعي لتحقيق "سينما مستقلة".. صحيح أنه مسار أكثر صعوبة، خاصة بغياب القطاع الخاص، لكنه مسار يجنبني المساس بمشروعي وفيلمي.

 

 

السينما المستقلة تقوم على تحقيق أفلامها بفريق عمل صغير وبميزانيات منخفضة، وتستند إلى الدعم الخاص وتعاضد ومحبة فريق العمل.. وهذا يشبه ما حاوله صناع السينما المستقلة في مصر، وفي غيرها من البلدان الأخرى، في مواجهة الظروف الصعبة لديهم.. كل هذه الصعوبة تهدف لتحقيق أفلام حرة تعبر عن رؤية وتصور السينمائي لأحوال بلده ومجتمعه، وليس التعبير عن رؤية المنتج أو السلطة التي تمول الفيلم لخدمتها.              

                                                                     

أصدرت مؤخراً مفكرة سينمائية بعنوان "وحشة الأبيض والأسود" وهي  أرشفة لمشاريعك السينمائية المجهضة.. ما هي هذه المشاريع ولماذا اجهضت؟

 

كتاب "وحشة الأبيض والأسود" كما العديد من الكتب التي نشرتها من قبل،  هو يوميات سينمائية، ألجأ إلى كتابتها كلما كنت في حالة من "العطالة" أو الانتظار، تعويضاً عن كتابتي بالكاميرا، فاستعين الكتابة بالقلم..  بهدف رصد وتوثيق التجربة، وعرض المشاريع التي سعيت لتحقيقها بصيغة تنتمي لعالم الأدب، وكشكل من أشكال الأدب البصري.   

               

"وحشة الأبيض والأسود" رصد لتجربة العمل خلال عشر سنوات، لسينمائيين عادوا من الدراسة الأكاديمية (1973) وأفرزوا للعمل في التلفزيون، فوقعوا في وهم أن وجودهم في التلفزيون تعبير عن حاجة "حضارية" كما هو سائد في الكثير من التلفزيونات في العالم،  بقصد المساهمة في إغناء الإنتاج التلفزيوني بتصورات سينمائية، وفي دفع التلفزيون للمشاركة والمساهمة في الإنتاج السينمائي الوطني - خاصة وأن التلفزيون السوري في تلك الفترة، ربما بسبب إدارات شجاعة ومتحررة من البيروقراطية، كان صاحب السبق وليس مؤسسة السينما، بإنتاج الأفلام الوثائقية، التي أسست للسينما التسجيلية في سوريا وحظيت بالكثير من الاهتمام في مهرجانات دولية هامة.

   

                                                          

 

توثيق هذه التجربة في تلك المرحلة، هي الفترة التي عدت فيها من الدراسة والتي تزامنت لسوء الحظ مع ضبط المبادرات الإدارية الفردية، وإعادة الإمساك بآلية العمل في التلفزيون...                                                      

 كما يتضمن الكتاب النصوص الأدبية  للمحاولات والمشاريع التي سعينا لتحقيقها، والحوارات العديدة مع الإدارات المتبدلة، وكيف يتم إجهاض المشاريع والحيلولة دون تحققها.                                                     

  إن نشرها في هذه الأيام، لا يكمن في أهميتها أو قيمتها الفنية، وليسللقول بأننا كسينمائيين لم نكن غائبين. إنما للتأكيد على أنه  بلا حرية  لا يمكن للسينما أن تقوم بدورها. لكن وعلى الرغم مما حل بنا، أن يكون المطلوب منك كسينمائي ليس أن تكون صاحب "السؤال". وهو الأساس الذي تنتمي له كمثقف أو كمبدع، بل  صاحب "الجواب". وأن تنحاز لفريق ما لكي تُصنف في خندق مع أو ضد، ولكي لا يكون أمامك إلا أن تطلق "الأفلام" رشاً ودراكاً.

 

يصطادك السؤال، فلا تجد إلا أن تتجرعه بألم، وترفض أن تصطاده أنت  لتستعرض مهارتك في أن تحوم حوله دون أن تقوم بمكاشفة حقيقية وصادقة..  فالسؤال دون الحرية مع نفسك لا قيمة له. فالسينما التي أعرفها والتي اخترتها لا يمكن تحقيقها "تحت الأرض"، ولا بد من أن تكون علنية، وبلا مال لا تتحقق...

 

أنت تخرجت من روسيا وعلى أيدي صناع السينما العالمية أو ما يمكن تسميته بـــ " كبار القامات" السينمائية.. من هم تلاميذك؟

 

بمناسبة الحديث عن "التلُمذة" وعن "المعلّم" دعيني أروي الدرس الأهم الذي تلقيته في حياتي واتخذته لنفسي، وحدث لي في اللحظة التالية والمباشرة لعرض فيلم التخرج والدفاع عنه، والذي منحني شهادتي من معهد السينما في موسكو... حيث خرجت من الصالة مع معلمي الذي أعدّني سينمائياً خلال السنوات الخمس من دراستي في هذا المعهد، وعند باب الصالة، وضع يده الدافئة على كتفي لمباركتي متسائلا: "هل تظن يا محمد، بأني في هذه السنوات علمتك السينما؟! "    

              

ثم ابتسم وهو ينظر إلي بنظراته الحنونة، ودفع بحركة من رأسه بمعنى:"تسه"..

 

وأضاف قائلاً:

 

" أنا لم أعلمًك، إلا كيف تنظر وتتأمل ذاتك، علمتك أن تتعرف على نفسك، وأن تكتشف كيف عليك أن تعبر عن ما تراه وتحسه، هذا ما حاولت أن أحفره  في وعيك".. كم اشتهيت لحظتها أن أمسك بيده وأقبلها، لكنه سبقني مغادراً وهو يقول: أراك مع فيلمك القادم!.

 

بعد أحد عشر عاماً وللمشاركة في مهرجان موسكو السينمائي، حملت فيلم أحلام المدينة لألتقي بمعلمي للمرة الأولى بعد ذاك اللقاء. في اليوم التالي شاهد الفيلم، وقرر أنه هو سيقدم الفيلم ويقدمني في عرضه  في المهرجان..  

 

بهذا المعنى أحاول أن أبني علاقتي مع السينمائيين الشباب أو مع هواة السينما .

 

وبهذا المعنى أيضا أسعى في الورشات التي شاركت بها، والتي أسعى لإقامتها أحيانا، أن يكون منهجها الأساسي الدعوة لـــ "الكتابة بالكاميرا". 

 

ما هي المحطة الأساسية التي يمكن ان تشكل حياة "محمد ملص" ؟

 

المحطة التي تشكل حياتي، بل شكلتها فعلا، هي لحظة استعادة "الأم" إثر وفاة "الأب" الباكرة.  

                                              

   هذه الاستعادة هي التي أسّست في داخلي "الصور" التي لا حدود لها بإغناء عالمي الجمالي والتاريخي والأخلاقي. 

 

ما هو السؤال الذي لم تٌسأل عنه وترغب في الإجابة عليه؟

 

ليس لدي سؤال. وليس لدي جواب على أسئلة أخرى طرحتها، تحفظت أن أجيب عليها لأنها فكرياً أو سياسياً، تجعلني رقماً لا نكهة له ولا طعم..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



17 أيار 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة