728 x 90

في أنواع الجهل..

2865989442.jpg

 

ممّا ذُكر على لسان الأقدمين قولهم: أعمى بصر ولا أعمى بصيرة. لكنَّ المحدَثين أخذوا بعكس ذلك فكان البصر بالنسبة لهم أوّلاً ولا مكان للبصيرة في مدارسنا وجامعاتنا، فالعلم الحديث، بفروعه المختلفة، لم يأخذ بتلك الحِكَم القديمة باستثناء واحد وضيّق هو مدرسة التحليل النفسي التي أوْلَت الحدس والإحساس جلَّ اهتمامها وفضّلتهما على العقل ومسائل القياس والكمّ. ولإعطائك دليلاً على وجود البصيرة يكفي أنْ تعرف بأي عينٍ ترى الأشياء في الحلم وتدرك شكلها وحجمها أثناء نومك حيث بصرك مُغمَض وحسّك الواعي غافل تماماً، فمن الذي يهرب من النمر المفترس أو الأفعى السوداء وهو نائم ليستيقظ مرعوباً بجسد متعرّق وقلب مرتجف؟ وإنَّ لم يكن النمر أو الأفعى حقيقيّين، في تلك اللحظة، فعلامَ تهرب وتخاف؟.

إنَّ أسوء أنواع الجهل ذلك المدموغ بختم العلم لأنَّ الجاهل، في هذه الحال، من شدّة تكبّره واعتداده لن يرى جهله بتاتاً، بل سينطبق عليه المثل القائل "القرد في عين أمّه غزال" ولذلك أتحفنا العديد من أولئك "الغزلان" وخصوصاً في القرنين الماضيين بمئات الآلاف من الكتب والمخطوطات، التي تقدّم لنا أجوبة ونظريات وعقائد، قاصدين من ورائها تنويرنا ورفع مستوى وعينا، فهل ما نراه في زمننا هذا يشير إلى حصول تنوير وارتفاع في مستوى وعي البشَر أمْ ماذا؟.

 

في الجاهلية الحديثة..

 

يستخدم الإنسان، عادةً، عبارات من قبيل غابتْ الشمس وذاب الثلج ومات الشخص الفلاني، ولكن ما الذي يغيب عندما يحلّ الظلام؟ الشمس أمْ نحن الذين نغيب عنها بسبب دوران الكرة الأرضية؟ وعندما يذوب الثلج ما الذي يختفي؟ الماء أمْ الصورة المؤقّتة له؟ وعندما يموت الإنسان ما الذي يتحلّل جسده أمْ روحه؟.

ويرى الإنسان كذلك أنَّ اليوم ينقسم الى ليلٍ ونهار، والانتماء الى يسارٍ ويمين، والموقف الى حقٍّ وباطل، فهل يعني ذلك أنَّ الإنسان نفسه ينقسم الى جسدٍ وروح؟ ثم ماذا؟ أليس هذا هو حال عقلنا المستند الى القياس الصوري وهو قياس وقعنا في فخّه مراراً وتكراراً، فما السبب وراء ذلك؟.

إنَّ لدى الإنسان يقينٌ راسخ مضمونه أنَّ الوعي يتأرجح بين حدّين فقط، هما العقل والجنون، في حين يشير البعض إلى وجود حدّ ثالث يقع بينهما، أي بين العقل والجنون، وهو حدّ الحُمْق الذي قد يندرج تحته معظم البشر، والمقصود بالحُمْق هو أنْ تكون جاهلاً بجهلك، وليس عكس الجهل العلمُ، فالعلم جهلٌ من نوع آخر؛ لأنه يقوم على احتقار معرفة الذات. وعكس الجهل الحكمة، فهل تشير سيرتنا، نحن البشر المتحضّرون، إلى بلوغنا أمْ إلى جهلنا؟.

 



17 تشرين ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة