728 x 90

فيلم منظر في السديم: (Landscape in the Mist)

1662662853.jpg

 

 حكاية مخاض من الألم والعتمة إلى نهارات الضوء والحقيقة..

 

هكذا.. كحكاية كل الأشياء التي تبدأ دائماً من الظلمة وتنتهي بلقاء الضوء، وإن كان الطريق إليه لا مرئياً، عبر اجتياز اختبارات عدة توصل إلى النتيجة المبتغاة مانحة الحكمة للمتعلم الذي اختبر العبور به، وإن لم تكن بالشكل المرغوب ذاته، فتنطلق من هنا مسيرة السرد لقصة المشهد الذي يختزل الكلام والعبارات، ليتحدث لنا عن المشاعر ببلاغة حالمة وبكل احترافية، مغدقة هي الأخرى توصيفاً تكاملياً لفحوى العبر التي تستنبط هذه المرة، وبكل خصوصية من الأفكار البريئة لدى أطفال بسطاء، همهم الوحيد إيجاد النصف المفقود من حياتهم وهو الأب، للفوز بشعور الحنان الأبوي الذي يحقق التوازن العاطفي والفكري، وذلك  في منظر سينمائي بالغ الإتقان، قدمه المخرج  اليوناني (ثيو انجيلوبولس ) في فيلمه ( (منظر في السديم))، والذي يشكل الجزء الثالث من ثلاثية  أفلامه: رحلة إلى كيثيرا و مربّي النحل، التي تتصف بالتفرد السينمائي في الطرح لمواضيع شتى تجعل الوصول إلى الضوء هو كل هاجسها وغايتها والتي حظيت على إثر وقعها في النفوس جوائز عدة، فنال جائرة مهرجان فينيسيا كأفضل فيلم وإلى جائزة النقاد العالميين، وجائزة مهرجان شيكاغو كأفضل فيلم، وأفضل تصوير وأفضل فيلم أوروبي لعام 1988.

 فيلم منظر في السديم يروي قصة واقعية خرافية تبتدع الأسطورة وتشق طريقها في   الضباب لتجتاز سديمه بحثاً عن الجذور في رحلة أقرب ما تكون إلى سفر طويل تغدو   محاوره دروساً عميقة مكتسبة من الحياة بأوجهها التي شكلتها دهشة الاكتشاف     والبحث، البحث عن مجهول أقرب ما يكون  إلى الخيال، الرمز فيه هو النور، نور  الخلاص المنبثق من كينونة الظلمة وصلبها، الذي يعلم بتفاصيله وحيثيات تجاربه أهمية   الإيمان بذوات الباحثين عنه، وعن بصائر عوالمـهم الخاصة التي تصنع مقدرة على رؤية   الأشياء اللا مرئية الغير ظاهرة للناظر من الوهلة الأولى، والتي تستدعي الوقوف عند   أضداد الأشياء والمعاني المتناقضة  في تشكلها، الحياة والموت، الفرح والانكسار،   الأكاذيب والحقائق، الجمال والتدمير .

 يحكي الفيلم  عن صبية في الحادية عشرة من عمرها تدعى (فاولا) وشقيقها وهو طفل   في الخامسة يدعى (ألكسندر) يعلمان من أمهما بأن أبيهما الغائب، الذي لم يرياه ولا   يعرفانه أبداً، يعمل في ألمانيا، فيقرران السفر إليه دون علم أمهما، الأب  الذي كان محض   اختلاق من الأم التي لم ترد أن تخبرهما بأنهما غير شرعيين من خلال ما يبوح به خال   الطفلين لشخص آخر يؤكد على عدم وجود هذا الأب الافتراضي لا بالمانيا ولا خارجها.

 يفتتح الفيلم بمشهد في محطة القطار- نرى الشاشة مظلمة تماماً، ثم نتتقل لنسمع   صوت الصبية، وهي تروي لأخيها أسطورة الكون وحقيقة وجوده بمفردات بسيطة   تندرج خلفها رمزية المعنى وأهميته، وهي القصة التي روتها له مراراً بناء على طلبه: (في البدء كان الظلام، ثم كان هناك الضوء، وانفصل الضوء عن الظلام، وانفصلت  الأرض  عن البحر، وخُلقت الأنهار، والبحيرات، والجبال، ثم الزهور والأشجار، والحيوانات والطيور.. إنها أمي).

هذا المشهد يدور في الظلام، ثم يتسلل الضوء مع انفتاح الباب، وشعورنا بحضور الأم التي لا نراها.. الصغيران يتظاهران بالنوم.. ينغلق الباب وتبتعد الأم..

الأم التي لانراها ولانسمعها على الإطلاق، فالأم رمزت إلى العتمة من خلال ابتعاد الطفلين عنها عاطفياً وجسدياً في محاولتهم المستمرة حتى في خيالهم لقاء الأب الذي شكل الضوء المنشود.

تدور حوارات مقتضبة بين الطفلين توغل في العمق من خلال ثلاث رسائل صوتية يقصّهما البطلين رسائل مفعمة بالحنين والخيبة، الأمل واليأس، الوجع والتفاؤل. والتي كانت وسيلة المخرج لإيصال مشاعر الأطفال إلى الجمهور ببراعة.
ينطلق الصغيران في رحلة نحو إيجاد الأب، ويتنقلان من مكان إلى آخر بالقطارات، بالسيارات، بالشاحنات. إنهما لايعرفان طبيعة ما يشاهدانه وما يلتقيانه أمامهما فالأشياء والمشاهدات غير مألوفة لهما وأمور تحتاج الكثير من الشرح والتوضيح.

تقول الصبية في رسالتها الصوتية: ‹يا له من عالم غريب. كلمات وإيماءات لا نفهمها. والليل الذي يخيفنا. مع ذلك فنحن سعيدان لأننا نتحرك إلى الأمام››.

وفي بعد خاص للصورة أشبه بالسريالي يضعنا المخرج ثيو أمام عدة مشاهد رمزية بمدة لا تتجاوز عشر دقائق كإسقاط لحالة الطفلين اللذين تحكمهما عدة مشاعر وانفعالات تصور البنية النفسية، وتداعياتها في عالم غامض يخوضان به تجربة الحياة باكراً ومنها: ثلج يتساقط فجأة كظاهرة إعجازية خارقة، حالة انتحار في مخفر، عروس تبكي ليلة زفافها، حصان ميت متروك في الساحة، فرقة من الممثلين الجوالين الذين يبحثون عن مسرح وعن جمهور، يد ضخمة من الرخام  مقطوعة السبابة تُنتشل من البحر، وكأنها واقع تم تشويهه.

 يتابع الطفلان مسيرهما ويتعرضان لكثير من الجوع والحرمان، إلى أن يلتقيا أوريستي الذي يقلهما في شاحنته موحياً لهما بالأمان بقوله (أنا لا آكل الأطفال ) إلا انه كان ذئباً مفترساً عمد على اغتصاب الفتاة  في الجزء الخلفي من سيارته بمشهد صامت  يعتبر من أكثر المشاهد قساوة ، يغدق وجه "فولا بالدمع الذي يعبر عن فقدان برائتها، ونظرة الثقة العذرية بالعالم من حولها، ينتابها اليأس، حيث تمر بتحولات غريبة من مشاعر الحب الأبوي والطفولي بلقاء أوريستي إلى عذابات المصير والخذلان".

يستمر المخرج في طرحه ليصل إلى مشهد مفتوح ختامي يوحي بأن الضباب زائل شأنه شأن الواقع المرير المؤلم بتفاصيله المختلفة من حروب وتداعياتها، والتي لابدّ من خلاصها والقائمين عليها والموحين بسديمها، فنجد الطفلين من عمق السديم يعانقان شجرة ينبثق منها الضوء، فهما بالحقيقة لا يجدان الأب إلا أنهما اكتسبا تجربة الرحلة، مؤكداً بذلك على بداية لمرحلة جديدة كلفت الكثير لوصولها، إلا أنه وفي النهاية سينبثق النور بعد المخاض، مؤكداً بفيلمه ((منظر في السديم)) في عبقريته في الإفلات من مطبات السرد الساذج، والاعتماد على استخلاص المعاني من خلال الصورة والرمز اللذين يشكلان طريقة فريدة في المزج بين المفردات والواقع، وإسقاطات الأسطورة.

 



02 تشرين أول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة