728 x 90

فيلم حافة الجنة عقد مصالحة تحت راية التسامح

2409924705.jpg

 

 

 فيلم حافة الجنة عقد مصالحة تحت راية التسامح

اعتراف بالآخر ، إلغاء لصراعات الهجرة والثقافات، ونبذ للاضطهاد

 

 

لم تكن هي التجربة السينمائية الأولى التي يخوضها المخرج الألماني التركي الأصل فاتح آكين التي تطرق فيها لعرض قضية إنسانية وعلاقاتها المتداخلة والشائكة مع السياسة، وأثرها على مصائر الأشخاص والمجتمعات وأحلامهم وتفاعلهم فيما بينهم، بل تعداها لتجارب سينمائية روائية سياسية غلب عليها الطابع الواقعي والتي رصدت برؤية فنية سينمائية إشكالية العلاقة بين الغرب والشرق مازجاً بموضوعاته أصالة الشرق وسيره وعاداته، والرؤية المعاصرة للغرب بتقنياتها وشخصياتها وتآلف حضاراتها وتمازجها وذلك بتبعياتها التي تولد صراعات للهوية وللثقافات المختلفة نتيجة الهجرات المتبادلة وما ينتج عنها من تغيرات ثقافية ومجتمعية تتجاوز حدود البلد الواحد، فبدءاً من فيلمه القصير (أهوانت) وفيلمه الروائي الطويل عام 1979 (موجز وبدون ألم) الذي تطرق به لشؤون المهاجرين، مروراً بفيلم (في تموز)، و(غفلنا عن العودة)، (سيلينو)، وفيلم (ضد الجدار) عام 2004 انتقالاً لفيلمه الوثائقي (عبور الجسر) عام 2005 وفيلمه (على الجانب الآخر) 2006 مركزاً بها جميعاً على موضوع الهجرة بين ألمانيا وتركيا والآثار الإنسانية الثقافية الديمغرافية لها، وصولا بمسيرته الحافلة بالإنجازات والجوائز السينمائية لفيلمه حافة الجنة عام 2007 الذي استطاع بجدارة أن يحوز على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي بدورته الستين، ليكون أقوى الأفلام الروائية السياسية المعروضة والتي أضيفت للذاكرة السينمائية.

 

يبدع فاتح آكين في صيرورة فكرته التي أضاء إليها في فيلمه حافة الجنة، حيث يتكلم عن العلاقة بين بلدين مختلفين ألمانيا وتركيا سياسياً واجتماعياً واقتصادياً طارحاً موضوع المهاجرين الترك المغتربين المنفيين في ألمانيا، وخاصة الجيل الثاني من المهاجرين القاطنين هناك، حيث يصور المعاملة الاضطهادية التي يتعرضون إليها من قبل الإدارة السياسية، وكيف يتصرف بعض أفراد الشعب الألماني حيالهم بكراهية وعنصرية وسادية، ويأخذ بذات الوقت الجانب الآخر للدولة التركية وتصرفها تجاه الأشخاص غير الأتراك والعداء والعنف الممارس عليهم وخاصة للقومية الكردية (الناشطون السياسيون الكرد) منهم مستعرضا حالات الاعتقال ومحاكمة الأكراد وإيداعهم السجون التركية بمسمى (الإرهابين الأكراد) الذين يهددون أمن الشارع والسلطة.

 

منتقداً السياسة القمعية التركية، كاشفاً نضالات الشعب الكردي والمهاجرين الآخرين في الدفاع لنيل حقوقهم الطبيعية الإنسانية للمواطنة وحرية التعبير، مشيراً بذات الوقت لوعي الجيل اليافع الألماني والتركي لتلك الصراعات وتجاوزها عبر تصويره لها بعملية التزاوج والتفاعل الاجتماعي بين المقيمين والمهاجرين، بطريقة ذكية رصدت بمهارة كل الانفعالات لشخصياته بتعاط روائي سينمائي مليء بدفء الصورة وهواجسها مظهراً عوالم مختلفة متنقلاً بها ببراعة من عوالم الموت إلى الحياة، ومن الرحيل إلى الاستقرار، ومن الاضطهاد إلى التسامح. من تجربة الألم إلى التآخي والعبور إنسانياً إلى التعاضد والنجاة.

 

يروي فيلم حافة الجنة حكاية عامل تركي عجوز متقاعد في السبعين من عمره يقيم في ألمانيا، يتعرف على شابة تركية تعمل مومس في بيت دعارة ألمانية حيث تتعرض لكثير من التحرش والإهانة من قبل الأتراك المتطرفين هناك، فيعجب بها العجوز ويحبها، ويعرض عليها أن تهجر مهنتها، كونها تركية ومسلمة تسيء للمسلمين برأيه، فتقبل عرضه، مقابل أن يدفع لها ثلاثة آلاف يورو كل شهر شرط الإقامة معه في بيته، وممارسة الجنس وحده معها كأنها زوجته.

 

يظهر بعد فترة من إقامتها معه ابن الرجل العجوز التركي، والذي يشكل الجيل الثاني من المهاجرين الأتراك إلى ألمانيا، يتعرف الابن الذي يعمل أستاذاً جامعياً له مكانته الاجتماعية والعلمية، على خليلة أبيه المقيم معه، والتي تصرح له بأن عملها كان مومساً، وأن لها بنتاً في السابعة والعشرين من عمرها تعيش في تركيا، وترسل إليها كل شهر مبلغاً كبيراً من المال لكي تعينها على الدراسة، لكنها لم تخبر ابنتها أن مصدر أموالها من عملها في الدعارة بل أخبرتها أنها تعمل في محل لبيع الأحذية بألمانيا، يتعاطف الأستاذ الجامعي مع زوجة أبيه، وتقابله هي بالمحبة والعطف، ليتشكل في الجزء الأول من الفيلم علاقة إنسانية بين الأب والابن والخليلة.

 

بعد موت الخليلة فجأة يُقتاد الأب إلى السجن كونه سكير وعليه من الديون والمشاكل الكثيرة، ثم يسافر الابن الأستاذ إلى اسطنبول لكي يدفن خليلة أبيه، ويبحث عن ابنتها لكي يساعدها على تكملة دراستها، فيلجئ إلى الشرطة للبحث عن عنوان الابنة المفقودة، التي يتضح لنا في ما بعد أنها تناضل في صف مجموعة مسلحة من الكرد، وتخرج في مظاهرات تطالب الحكومة بمنحهم حقوقهم المشروعة، وتندد بالقمع الذي يتعرضون له في البلاد، وإنها لا تدرس في الجامعة كما تحسب الأم المتوفاة، حيث تختبئ الفتاة من مطاردة الشرطة لها في بيت إحدى صديقاتها الألمانيات التي تتعرف عليها حين تهرب من محاكمتها إلى ألمانية لتبحث بدورها عن امها ومحل الأحذية الذي تعمل فيه، وهي لا تعرف أن أمها قد ماتت، والأستاذ الشاب التركي يبحث عنها، فتُخبئ عند بيت صديقتها الألمانية سلاحاً تخفيه من وجه الشرطة التي تطاردها.

 

 

يتشكل في الجزء الثاني من الفيلم علاقة إنسانية ثلاثية بين البنت التركية المناضلة، والفتاة ألمانية صديقتها الجامعية وأم هذه الفتاة، وهي عجوز ألمانية عنصرية تكره الأتراك والغرباء، تغضب من ابنتها لأنها اصطحبت تلك الفتاة التركية لتقيم معهما في بيت واحد، وتنكد عليها عيشتها، وبعدها يكون السلاح المخبأ من قبل الفتاة التركية سبباً في مصرع وموت الفتاة الألمانية لتعاني الأم والصديقة مرارة الموت.

 

بينما يعود الأب العجوز في نهاية حياته ليستقر في بلدته على شاطئ إحدى المدن التركية، وابنه كان يبحث عن الفتاة التي علم فيما بعد أنها تنتسب لإحدى الجماعات الكردية المناضلة، ليرفع بذلك راية التصالح بين جيلين مختلفين مجتازاً كل الصراعات النفسية والعقائدية والانتماءات الثقافية لكلا البلديين، واستطاع تعدي حدودها بوقع سينمائي أظهرت تفاصيله عبر سطوة تفاصيل المكان وإظهار تفاصيل بيئتين طبيعيتين مختلفتين التركية والألمانية بدقة، صورت للمشاهد كأنها واقع حقيقي انعكست حيثياته على طبيعة الشخصيات أيضاً.

 

يصل المخرج فاتح أكين بفيلمه وحلقاته المفرغة سينمائياً بلغة بصرية إبداعية جمالية ممسكاً بكل الأدوات والمقاييس التي تستنبط طاقات الممثلين وتركزها بجرعة طافحة من الأحاسيس الإنسانية والمشاعر التي تجلت بلقطات أخذت المشاهد لحد التعاطف مع الصورة والحدث على الرغم من إظهاره تفاصيل البئية المتناقضة والمتنافرة والمتعاكسة في التفاصيل والأحداث.

 

جامحاً بجرأته في ظل الظروف السياسية المحيطة مشكلاً نهضة سينمائية توعوية تنبذ صراعات الثقافات وتدعو إلى الاعتراف بالهويات المضطهدة، معلنا راية التسامح شعاراً بعقد مصالحة إنسانية شكلت بصمة سينمائية استحقت لأجلها الفيلم المتابعة والتكريم في المحافل الدولية.

 



22 آذار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة