728 x 90

صراع الهويات

3245883488.jpg

 

 

 

حاولت في مقالاتي السابقة تسليط الضوء على الأسباب الاقتصادية والجيوسياسية للصراع في سورية، وفي هذه المقالة سوف أتحدّث عن السبب الثالث، وهو ذلك الذي يتمّ به تجميل الأسباب الأخرى؛ لجعلها قابلة للتصدير، وهو الهوية سواء كانت هوية دينية أم قومية يلتفّ حولها المواطنون من كل الفئات، ويقدّمون التضحيات تلو الأخرى في سبيل قضية يؤمنون بها حتى النخاع، وبذات الوقت قد تتشكّل بمرور الزمن طبقة سياسية متحكّمة ومسيطرة، ومع تغيُّر هذه الطبقات تختلف تفسيرات القضية، وتتعدّد أدوات النضال والكفاح..

 

 معنى الكلام لا يعني أنه لا توجد هوية تحمل قضية عادلة، بالعكس تماماً، حيث لا يمكن بناء أي قضية صراع متعلّق بالهوية دون وجود قضية عادلة أو على الأقلّ وجود الاضطهاد بحقّ أبناء تلك الهوية، ولكن سبل الحلّ دائماً تتعارض مع مصالح فئات وجماعات متنفّذة، وخاصة المتحكّمين الكبار بالاقتصاد.

 

بعد انتهاء الحرب الباردة في تسعينيّات القرن الماضي برز شكل من أشكال صراع الهويّات، ولكن سرعان ما تلاشى بحكم سطوة النظام الرأسمالي القائم على النظرية الليبرالية، حيث حرّية الفرد وتمكينه هو الأساس في دفع الاقتصاد إلى الأمام، يضاف إليها العولَمة والتطوّر التكنولوجي الذي جعل العالم صغيراً جداً، ممّا ساهم في زيادة وتطوّر ظاهرة التعدّد الثقافي، كما ساهم في زيادة التبادل الثقافي والحضاري، ولكن ربيع التعدّدية الذي سعى إليه النظام الرأسمالي -الليبرالي سرعان ما انكشفت عيوبه، وظهر هشّاً وضعيفاً بعد أوّل انتكاسة اقتصادية في عام ٢٠٠٨.

 

فبعد الأزمة الاقتصادية العالمية شهدنا صعود للخطاب الشعبوي الداعي إلى اتّباع سياسات انعزالية، والانكفاء داخل المجتمعات الوطنية، والتركيز على مصالح المواطنين الأصليين، وفي ظلّ تصاعد وتيرة خطاب الكراهية أصبحنا نشهد خطاب الهوية أساساً وجوهراً للحشد والتعبئة المجتمعية، فالتركيز على الهويات الوطنية فتح الأبواب أمام الصراعات المبنية على أساس الهوية، إذ شهدنا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وشهدنا انتصار خطاب ترامب الشعبوي في أمريكا على خطاب كلينتون الديمقراطي، وتعاظم قوة اليمين في فرنسا رغم خسارتها الانتخابات، والحال نفسه في ألمانيا والنمسا، وفي إيطاليا تسلّق اليمين دفّة الحكم، أمّا بوتين فهو الآخر يجسّد قمة صراع الهويّات، فهمّه الأوحد إعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي بهويته القومية والبروتستانتية.

 

ولم يكن الشرق الأوسط أفضل حالاً، بل أسوأ بكثير، وخاصة أنه لا توجد فيه حكومات بالمعنى الحقيقي، بل هي أنظمة تحكم بقبضة من فساد موغل في العنف، كما أن مجتمعاتها الداخلية ممزّقة، فهي تعاني بالأساس من صراع داخلي على أساس الهويّات المحلّية المتعدّدة، أمّا شعارات المقاومة والتحرّر الخارجي، فما هي إلا جزء من سياسة هذه الأنظمة لإبقاء الرأي العامّ مشغولاً بقضايا هويّاتيّة .

 

الصراع السعودي الإيراني السنّي الشيعي له حوامله وأدواته في كل من سورية واليمن والعراق وغيرها من الدول، ونظام الملالي يتقاطع مع المسألة السورية من منظور هوية النظام، ونفس الشيء في اليمن والعراق، ومشروعه يتعدّى الهلال الشيعي، فهو يعيش -كما غيره- في الماضي، ويرَى أنه الأحقّ في إدارة المنطقة، كما كان أيام الإمبراطورية الساسانية والإخمينية، ولم يكن هناك أفضل من الهوية الدينية أداة وآليّة لإعادة أمجاد الإمبراطورية، ونفس الحال بالنسبة لنظام الحكم في السعودية، فهو يعتقد  بحكم مكانته الدينية، عليه تسيّد العالمين الإسلامي والعربي في آن واحد.

 

 أمّا نظام الحكم في تركيا، فهو الآخر منخرط بشكل عميق في الصراع الهوياتيّ، فذريعة الأمن القومي التركي أفضل الأدوات فاعلية لإعادة أمجاد الدولة العثمانية من خلال مزج الخطاب الديني مع القومي في سابقة جديدة في تاريخه السياسي، بعد رفض الاتحاد الأوربي عضويّة تركيا، وكان أحد أسباب الرفض هويّتها الدينية، وليس فقط الملفّات الاقتصادية والحقوق، ورفض الأوربيين لتركيا هو ما دفع أروغان الى إعادة حسابته الجيوسياسية، وإعادة إنتاج خطاب قومي-ديني بعدما كان عرّاباً لسياسات إدارة بوش بعد عام ٢٠٠٠.

 

أمّا المكوّن العربي في الدول المتعدّدة، وبقيادة الجامعة العربية، فهو لا يمتلك مشروعاً متكاملاً لإعادة إنتاج هوية محدّدة تتواءم وتتكيّف مع تطوّر العالم، فهو يعيش بين هويّتين، الهوية العربية كتاريخ وحضارة، والهوية الإسلامية بتعدّدها وتنوّعها، فتارةً تستهويهم المشاريع القومية، وتارة أخرى المشاريع الدينية.

 

أمّا الكورد فيخوضون منذ مئات السنين صراعاً لإثبات هويتهم على أرضهم، وحالهم في ذلك حال العرب، مازالوا حالمين بوطن واحد يجمعهم، بحدود سياسية واحدة، بدون أي اكتراث للتغيّرات والتطوّرات في البيئة الاقتصادية والمجتمعية والسياسية.

 

وعند الحديث عن الشرق الأوسط فلا يمكن أبداً نسيان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي القادم من عمق التاريخ.

 

هذا جزء من صراعات الهويات التي لها التأثير الأكبر على مسار الأزمة السورية، مدركون تماماً انه يوجد صراعات أخرى في سورية، ويوجد العديد من الهويات الأصيلة في سورية، وهي أيضاً تمتلك تاريخاً وقضية عادلة، ولا يمكن تحقيق العدالة للجميع بدون وجود مجتمع متعدّد الثقافات تتشكّل من خلاله هوية سورية الحقيقة المبنية على مبدأ العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان.

 

 

 



17 تموز 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة