728 x 90

ريف حماة الشرقيّ.. قوّات النظام تزرع أراضي النازحين وتستولي على مواسمهم

2290103488.jpg

 

 

نزح حكمت شادي العبد الله ( 29سنة) من قرية المضايعة في ريف محافظة حماة الشرقي مع والده وأسرته أواخر العام 2017 إلى مخيّم  الدانا  شمال إدلب، نتيجة المعارك التي دارت هناك بين قوات النظام السوريّ من جهة وفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام جبهة النصرة سابقاً من جهة أخرى، والتي انتهت بسيطرة النظام على كامل الريف الشرقي .

 

يقول حكمت  لـ مجلّة (صُوَر) "قامت قوات النظام بالاستلاء على أرضنا التي تبلغ مساحتها 200 دونم، وزرعتها بمحصول الشعير، وقد قام والدي بإجراء اتّصالات بوساطة من أحد الأقارب في الريف الشرقي، والتي انتهت بالفشل بعد طلب قوات النظام مبلغ ملوني ليرة سوريّة، مقابل التخلّي عن الأرض " الأمر الذي وجدوه صعباً للغاية، ما أجبرهم على نسيان القضية، ولاتزال الأرض في يد قوات النظام، يستفيد من إنتاجها، بالإضافة إلى قطافها لمحصول الزيتون. ويضيف حكمت " لا يمكننا دفع المبلغ المطلوب، فنحن الآن مجرّد نازحين، نعيش على ما تتبرّع به بعض المنظمات الإنسانية ".

 

تسبّبت الحملة العسكرية التي شنّتها قوات النظام، على مناطق ريف محافظة حماة الشرقي وريف محافظة إدلب الجنوبي الشرقي الواقعين شرق سكة الحجاز،  ضدّ فصائل معارضة المسلحة،  في شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام 2017، بنزوح مئات الآلاف من الأهالي باتجاه الشمال السوريّ في مخيّمات النزوح وفي معظم قرى وبلدات ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، تاركين وراءهم منازل عامرة وأراضٍ زراعية شاسعة مزروعة بشتّى أنواع المحاصيل من أشجار زيتون وفستق حلبيّ وغيرها، بالإضافة إلى أراضٍ صالحة للزراعة البعلية تقدّر بـ 400 ألف دونم، سيطرت قوات النظام وميلشيات الدفاع الوطني على معظم تلك الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، والتي  يعتمد سكانها على الزراعة وتربية المواشي من أبقار وأغنام كمصدر أساسيّ لمعيشتهم.

 

يؤكّد نشطاء ونازحون من تلك المنطقة، أن قوات النظام قامت منذ بداية شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام 2018 بزراعة ما يقارب 400 ألف دونم، من الأراضي الزراعية التي تعود ملكيّتها للنازحين الفارّين، يقطنون الآن في مخيّمات، وتتوزّع تلك الأراضي في عدد كبير من القرى يتجاوز 30 قرية وهي قرى: المضابعة، والفان الوسطاني، والفان الجنوبي، والفان الشمالي، والجنينة، وقصر المخرم، وقصر أبو سمرا، والحويجة، والبيره، والبردونة، وطيبة التركي، وذويبة، وتل الذيبة، وقنص، والسمرا، والقبارية، وكراح، وخفسين، والطامة، ورأس العين، والسماقة، وأبو القدور، ودوما، والحزم، وعرفة، وغيرها من القرى.

 

 

وبحسب الشهادات التي حصلت عليها مجلّة صُوَر من عدد من أصحاب هذه الأراضي، فإن قوات النظام، وبعد مفاوضات عن طريق الوسطاء جرت لاستعادتها، اشترطت على من يرغب بإعادة أرضه، إخراج براءة ذمّة من وزارة الزراعة التابعة لحكومة النظام السوريّ، بالإضافة إلى العودة والسكن في الريف الشرقي الحموي، كما يطالب كل من يرغب بإعادة أرضه بمبلغ مالي، يُقدّر  بين 200  ألف ليرة سوريّة و مليونَي ليرة سوريّة.


الصحفي  محمد الدبي من ريف حماة الشرقي (32 عاماً ) ويعمل ناشطاً مستقلّاً ، وهو حالياً  نازح كغيره من أبناء الريف في الشمال السوريّ، ويقطن في مخيّمات ريف  مدينة معرة النعمان، تحدّث لمجلّة صُوَر عن بعض تفاصيل هذه القضية، حيث قال: " أكثر من 30 قرية وضعت قوات النظام يدها على أراضيها واستثمارها، وهي تعود في ملكيّتها للنازحين الذين فرّوا من جحيم القصف والمعارك أواخر العام 2017 ".

 

 قريتَي الفان الوسطاني والفان الجنوبي هما الأكثر ضرراً ، إذ قامت تلك القوات بزراعة جميع الأراضي فيهما والتي تقدّر بآلاف الدونمات، إلى جانب استثمار الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون والمحلب والفستق الحلبي، والكثير من مشاريع آبار المياه الإرتوازيّة. كما سبق موضوع زراعة الأراضي شيء آخر، وهو تقطيع الأشجار المثمرة للحصول على الحطب للحواجز والنقاط العسكرية. 

 

يرى الصحفيّ محمد الدبي الشروط التي وُضعت من أجل إعادة المالك لأرضه هي في الحقيقة شروط تعجيزية بقوله: " جلب ورقة براءة ذمّة من وزارة الزراعة، هذا يحتاج لأوراق ثبوتية وسندات تمليك، كما أن عودة نازحي ريف حماة الشرقي أو جزء منهم لا يمكن إلا بعد التأكّد من عدم ملاحقة أو اعتقال من يرغب بذلك، علماً أن قوات النظام مجرّبة، وقد لاحظنا عدم مصداقية عهودها في السنوات السابقة، أمّا عن دفع مبالغ مالية تصل إلى ملونين أو ثلاثة فهذا أشبه بالمستحيل".

 

ويسرد محمد قصة أحد العائدين إلى الريف الشرقي من معارفه في 8  كانون الثاني 2019  بغية إعادة أرضه، فبعد وصوله إلى هناك واستعداده لدفع المال  فوجئ بردّ قوات النظام عليه، إن هذه الأرض لن تعود لك، وسنزرعها في كلّ عام.

 

 تفاجأ معاذ النبهان "34 عاماً" من قرية جنة الصوارنة في بداية الشهر العاشر  أثناء حديثه مع أحد أبناء قريته عبر الهاتف، بأن موالين للنظام استولوا على أرضه، وقاموا بزراعتها. يتحدّث معاذ لـ مجلّة صُوَر عن تفاصيل قصّته قائلاً :  " أملك قطعة أرض كبيرة تبلغ حوالي 200 دونم، كما يوجد لدي أيضاً 30 دونم من الأرض مزروعة كاملة بأشجار الزيتون، الأرض كانت بالنسبة لنا هي المصدر الأساسيّ للمدخول وتأمين لقمة العيش، ويضيف معاذ: الأراضي التي ورثتها عن والدي باتت الآن في يد مؤيّدي النظام ".

 

معاذ الذي يعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة حاليّاً  في "مخيّم الطلعية" في ريف مدينة معرة النعمان بسبب الأحداث، وعدم قدرته على العودة إلى قريته، فإن أرضه أصبحت الآن مرتعاً لأناس وصلتهم على طبق من ذهب. يقول معاذ "بعد متابعة القضية علمنا أنه يسمح لأيّ شخص باسترجاع أرضه، لكن يُشترط عليه العودة إلى ما يسمّونه  حضن الوطن ، ثمّ دفع مبلغ مالي كبير، والحصول على براءة ذمّة لقطعة الأرض المملوكة">

 

وفي النهاية يعتقد معاذ، إن الأمر لا يحتاج لبيان، فهو واضح جداً، كل ما في الأمر أن هذه القوات الموالية للنظام، لاتكتفي برواتبها التي تصرف لها، بل استغلّت الظروف لتضع يدها على أرزاق النازحين وممتلكاتهم، ليستفيدوا منها ما دام أصحابها غير موجودين.

 

ولم يسلم من أفعال تلك المجموعات العسكرية الموالية للنظام، حتى من تبقّوا في قراهم وعلى أراضيهم، حيث يتمّ أخذ المواسم منهم عنوة، هذا ما حدث مع عائلة وليد عبد الإله المرعي ( 26 عاماً ) من أبناء قرية سرحا في ريف محافظة حماة الشرقي، أجبرته الأحداث التي جرت في أواخر العام 2017 على النزوح مع ثلاثة من أخوته شمالاً، ويقطن وليد الآن في مخيّم " أخوة سعدة " في أطمة بعد أن رفضت والدته وشقيقته وزوجها ترك القرية، لحماية ممتلكاتهم والأرض التي تقدّر بحوالي 30 دونماً، غير أن ما حدث في نهاية موسم الصيف الماضي، لم يكن في حسبان أيٍّ منهم، حيث قامت قوات النظام بأخذ المحصول بالقوة، رغم وجود والدته وزوج شقيقته في الأرض.

 

يروي وليد تفاصيل ما حدث لـ مجلّة (صُوَر) قائلاً : "بعد أن تكلّفت والدتي الكثير من الأموال لبذار الأرض وحراثتها ورعايتها، وطلبت منّا المساهمة في التكاليف، فقمنا بأخذ مبلغ 200 ألف ليرة سوريّة من أحد الأقارب على أن نردّه له في آخر الموسم، ولكن لم تكتمل الفرحة، مع بدء الحصّادة بعملها في أرضنا، جاءت سيارة عسكرية تحمل عناصر مدجّجين بالسلاح، وطلبوا من زوج أختي الانصراف إلى منزله بالقوة، ثم تابعوا هم حصاد الأرض، ووضعوا كامل المحصول في سياراتهم وانطلقوا، وذهب معهم كل ما كنّا نأمل أن نتحصّل عليه بعد عام من العمل قامت به والدتي هناك".

 

ويطالب النشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان، بوضع حدّ لهذه التجاوزات، والنظر بشكل جدّيّ لهذه القضية التي تُعتبر انتهاكاً لممتلكات النازحين الفارّين من قراهم وبلداتهم، والتي طالت أغلب سكان تلك المناطق بعد نزوحهم، حيث تتشابه مصائرهم والانتهاكات لحقوقهم. 

 

يوضح المحامي  فهد الموسى  لـ مجلّة صُوَر أن ما تقوم به قوات النظام هو تطاول على القانون والدستور السوريّ، إذ أنه لا يوجد مسوّغ قانونيّ يسمح لهم بذلك، حيث قال  "عمد النظام السوريّ إلى سياسة التضييق على معارضيه في الداخل والخارج، من خلال تجريدهم من حقوقهم المدنية والسياسية، والحجر على أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ومنعهم من التصرّف بها، كما وضع إجراءات إدارية مخالفة للقانون والدستور السوريّ ".

 

 وتتمّ هذه العملية بعد إصدار وكالات قضائية من كاتب العدل وموافقة من إدارة المخابرات، على نقل ملكيّة بموجب هذه الوكالات، وذلك كله من باب التضييق على المواطنين، خصوصاً المعارضين منهم، وإجبارهم على اللجوء إلى الرشاوى لتيسير معاملاتهم واستعادة حقوقهم، بحسب المحامي فهد الموسى.

 

ويضيف المحامي الموسى "أمّا ما يخصّ النازحين من المحافظات التي شهدت صراعات مسلحة أجبرت سكانها على مغادرتها، والذين لم يتمّ وضع إشارات حجز على ممتلكاتهم وأموالهم المنقولة وغير المنقولة في الصحيفة العقاريّة، وبشكل رسميّ من قِبَل الحكومة السوريّة، وبموجب إجراءات رسميّة وقرارات رئاسيّة، فتقوم عناصر موالية للنظام السوريّ بالتصرّف في ممتلكاتهم التي تركوها من أراضٍ زراعية وغيرها، هو أمر غير قانونيّ، ولا يوجد ما يبرّره بأي شكل من الأشكال، ويعدّ انتهاكاً لحقوق أصحاب هذه الأراضي".

 

لم يكتفِ النظام السوريّ، بتهجير وترحيل الآلاف من المدنيين، من قراهم وبلداتهم ومدنهم في معظم المحافظات السوريّة، بل تعدّى ذلك قيامه بالتعاون مع عناصر الدفاع الوطني واللجان الشعبية، وتقاسمهم أرزاقهم وتضع يدها عليها، وتسلبهم مصدر دخلهم الوحيد، وتقوم بابتزاز أصحاب هذه الأراضي عن طريق فرض أتاوات مالية كبيرة ووضع شروط أخرى، فالخاسر الأكبر بطبيعة الحال، هو ذلك المواطن الذين انهكته سنوات الحرب وأثخنت جراحه.

 

 



13 أيار 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة