728 x 90

الثقب الذي يحجب خلفه كلّ مُعضلاتنا

1867366826.jpg

 

 

ربّما، والشكّ ضرورة عقلية لازمة تذهب باتّجاه الوجود بمعناه حسب ديكارت، فحين يهيمن "اللايقين" ويصبح الواقع أسير شبهة "اللامقعول" غارقٌ في الضباب والسواد المفعم، قد يتأخّر القول في المعنى ذاته عن مجريات الحدث الضخم الذي يهزّ المنطقة برمّتها. فمنذ أن أعلن البوعزيزي اشتعال النار في نفسه احتجاجاً على قهره التاريخي في تونس، منذ سبعة أعوام ونيف، والمنطقة ذات الدول "الجملوكية" (الجمهوريات الملكية) كما أسماها واسيني الأعرج في روايته "رمل الماية"، تستعر فيها نار التغيير، نار الثورات، وربما يسمّيها البعض نار الحرب الأهلية، وآخرون بالمؤامرة الكونية! وليكن، فأي من هذه التسميات ليست سوى تلك الأسئلة المتكرّرة عن سؤال أيهما وُجِد أولاً البيضة أم الدجاجة؟ كما هو حال اللسان الذي يكرّر أيهما أولاً: التغيير في السلطة السياسية أولاً أم في الثقافة المجتمعية؟ ويبدو أنه سؤال الأمة في التكوّن والتشكيل بِغَضّ النظر عن اللحظة الحالية وآلامها الجسام، فلم تزل لليوم رائحة القهر والهدر التاريخي للإنسان الفرد، تنبعث من رائحة النموذج الفريد الذي كتبه بوعزيزي على جسده في لحظات التغيير الكبرى، إنها نقشٌ على جسد يحترق. 

 

حسب هيغل في سؤال "المعقول" كان لابدّ للواقع أن يتغيّر، أو يصبح معقولاً حسب جدل ماركس، فلو كانت المسألة العربية بعمومها والسورية خاصة، سياسية محضّ، تتعلّق بالنزاع على سلطة أو البحث عن مكسب سياسي أو سلطوي وفقط، لما كانت الإعاقات المليون والنصف، حسب منظمة الصحّة الدولية WHO،  نقوشاً مدوّنة على أجساد طلاب الحرّية، ولما كانت إمكانات الشباب السوري تتفتّق بكل الاتجاهات في دول الشتات، وتفوّقهم كإمكانات فردية في دول تحترم المواطن كفرد يمتلك مقوّمات وجوده ضمن موطن عام هو الأمة. الأمة التي نفتقر لتحقّقها - بعد - سياسياً واجتماعياً وثقافياً، الأمة كعقل جماعي هي تجريد الشعب وكثافة خلاصة "أناته" المفردة وقد استوطنت أرضاً بات وطناً؛ فحين خرج السوري من جلده، من موته المعلن في نُظُم الاستبداد الشرقي بات مواطناً، وليس فقط بل خلّاقاً ومبدعاً ويرتقب وطناً!

 

وحيث لم تزل المسألة السورية لليوم، موقعة موت كبرى، ومفصل من مفاصل التاريخ البشري على مستويي النزاع العالمي بكبرى دوله، وعلى مستوى التغيير الممكن في المجتمع، لم يزل الاجتهاد والقياس لأصحاب النظريات التاريخية السياسية "القومجية" و"الماركسوية" و"الدينية" وما بينها من سياسات "ممانعة" زائفة أو "ثوروية" متعنّتة، تعبث بمجريات الحدث السوري الضخم، وتُذكي نيران الموت اليومي حتى بات مشهداً مألوفاً يقلب مسار التاريخ البشري، وينحدر به نحو الهمجية والغرائزية. فلم يبقَ مواطن سوري لم يطرح أو يجتهد في تقديم تشخيص أو حلّ سياسي لها! حتى بتَّ تعدّ من "الجنيفات" و"الأستانات" و"القاهرات" و"الموسكوفات" والبلدات والمدن الأوربية والسورية بمنصّاتها وأحزابها ولقاءاتها ومجالسها كمّاً، لا يقف سوى على العدد والتعداد والكمية دون النوعية والولوج لصلب المسألة وروحها. فالقضية ليست ملفّاً سياسياً للتفاوض على جملة نصوص في دستور أو رئيس وفقط، على أهمّيته السياسية، بل هي في العمق ثورة تجتاح البنى المجتمعية على كافة أوتارها، حرّية الرأي وحقّ التظاهر والاجتماع، وحقّ العمل السياسي المعارض خارج بوتقة المنظومة والأيديولوجية الواحدة، والمواطنة وحقوق الفرد الفكرية والنفسية والجسدية، ولنقل هي تلوينات في حرّية شعب يريد أن يصبح أمة دون أصنامه الدينية والسياسية، يكسر كل أطواق أسره التاريخي وعفنه المتراكم.

 

كان من الممكن لفيلم "الصرخة المكتومة" أن يبقى ملفّاً سياسياً للمعتقلين وفقط، لو بقي بين أيدي السياسيين، لكنه تحوّل لقضية رأي عام عالمي، وفرنسي خاصة، حين اتّخذ مساره الفعلي في البحث عن الإنسانية المفقودة. لا لأنه طرح علنياً مصير آلاف المعتقلات السوريات وما يتعرّضْنَ له من كل صنوف القهر والعذاب والإكراه النفسي والجسدي وفقط، بل لأنه أضاء  الكثير من الزوايا المعتمة والمتكلّسة فينا كمجتمع. التعذيب الجسدي والنفسي، والاغتصاب ((الفعل بالإكراه)) دون الإرادة والقبول، وأيضا النبذ المجتمعي والتعنيف المحلّي من آل الضحية المعتقلة، حتى وإن كانوا من حواضن الثورة وحَمَلة لوائها! هي مأساة جيل وشباب اندفع نحو الحرّية بكل عنفوانه لتحقيق طموحاته العصرية، متحدّياً كل معوّقات تقدّمه وكوابح كسبه معركتي الحياة والثورة المجتمعية؛ الثورة التي وضعت الحرّية والكرامة عنواناً لها تتنكّر لسلب إرادة معتقلة، وتقف ضدها نفسياً وإنسانياً واجتماعياً لتجتثّ به، ومن الجذر، موضوعة الحرّية والكرامة اجتماعياً ونفسياً وسلوكياً وثقافياً، لتبقي على حيّزه السياسي فقط!

 

 

هي ثقافة التأخّر التي، وبينما تقاوم بتأخّرها منظومة الاستبداد السياسي، تدافع عن نفسها بكل تعنّت أمام الحداثة والعصرية وثقافة الحرّيات العامة والشخصية، فتصبح نابذة لها وتستبدل الاستبداد بمثله. هي تلك الثقافة بموروثها الغارق في الشرقية وخاصّيّتي "التملّك" و"الشرف المُصان"، نافياً بكل عجزه التاريخي مقوّمات الثورة الأولى وتوضّعاتها النفسية والسلوكية التي تبحث عن تشكيل حيّزٍ ثقافيّ عامّ لا يمكن التنازل عنه أو ابتزازه سياسياً، كما يجري في كواليس السياسة ومصالحها الضيقة. فالفكر السياسي الذي يذهب عن مكر مقصود مرة، وعن محض رغبة أو أمنية ذات نزعة خلاصّية في أخرى، لجلد المجتمع جلداً ذاتياً يعيده لحاضنة تقوقعه الأول في الاتّكاء على موروثه التاريخي دون مقارنة فيما حوله، وبالأصحّ دون رؤية كونية، عقلانية، تضع مقاييس للنقد وطرق الإفصاح العلنيّ عمّا يكتنف مجتمعنا من حواضن متأخّرة في النهوض والتقدّم - كما سمّاها ياسين الحافظ وإلياس مرقص- لم يرتقِ بعد لطرح يخترق البنية الصمّاء للمجتمع، ويعمل على تفتيت مقدّساتها ومسلّماتها التاريخية في سياق ومجرى النهر الجارف من ثورة الحرّيات، حيث لا يمكن الاكتفاء بالنقد السياسي لسلطة الاستبداد السياسي، فهي قائمة ما دام المجتمع غارقاً في تأخّره وثقافة انزوائه الحضاري ومعاداته للإنسان/الفرد، فكل من الثقافة المتأخرة مجتمعياً والقائمة على أصنام موروثها التقليدي والاستبداد الشرقي السياسي وجهان لعملة واحدة، هي عنوان للموت والفناء كما هو حاضر هذه الأقوام لليوم القائمة بين ماءَين، بحر العرب شرقاً والأطلسي غرباً.

 

ذات يوم، كتب الروائي العالمي سلمان رشدي، في روايته "أطفال منتصف الليل"، أنه حينما أراد أحد أغنياء الهند علاج ابنته ((نسيم)) لدى الطبيب ((عزيز)) القادم من أوربا بعلمه المحمول في حقيبة، وضعها خلف ستارة مثقوبة على قدر مكان الفحص المقصود، حيث أن ابنته، على قوله: " محتشمة شريفة بلا جدال، لا تعرض جسدها على رجال غرباء ومن غير المسموح لك أن تراها". إنه الثقب الذي يحجب خلفه كل معضلات التاريخ القابع في النفس والعقل أيضاً، هو وحده الذي يمكن من خلاله معاينة مرض جسد، مرض أمّة أصيبت في كل موضع منها بدائي التأخّر والاستبداد، لدرجة تتساءل: أيهما كان المولّد للآخر؟ فتحار فيهما كما تحتار في قصة البيضة والدجاجة!

 

فرشدي الذي حُكِم بالإعدام يوماً من المرجعية الدينية الإيرانية لخروجه عمّا يُفترض أنه نصّ ديني مقدّس عن روايته ((آيات شيطانية))، هو ذاته المواطن السوري اليوم الذي يبحث عن كل سُبُل الحرّية والانعتاق ويقع بين مطرقتي الأنظمة السلطوية والثقافة المجتمعية القهرية، ليبقى يكتب ميلاد حرّيته وتاريخه على جسده المحترق.

 



14 آذار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة