728 x 90

الاستفتاء الكوردي.. ومخاوف المستقبل

2585540194.jpg

 

لا يمكن وصف الاستفتاء إلّا بالحدث السياسي الكبير، أقلّه على المستوى الشعبي الكوردي، هذا الاستفتاء العابر للحدود سيكون له تأثيراته بالغة الأهمّية ليس فقط على خارطة العراق الجيوسياسية والاقتصادية، بل على خارطة الشرق الأوسط؛ لعدّة اعتبارات متعلّقة ببنية هذه الدول من حيث نظامها السياسي والاقتصادي وتركيبتها الديمغرافية. فهذه الأنظمة والدول التي أوجدت بعد سايكس بيكو يبدو وكأنها أصبحت اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما إمّا أن تتغيّر حدود هذه الدول الجغرافية أمام تطوّر المجتمعات المحلّية وإرادة مكوّناتها بتأثيرات النظام العالميّ، أو أن تتغيّر طبيعة هذه الأنظمة إلى أنظمة أكثر ديمقراطية، وتتحوّل فيها إلى دول متعدّدة الثقافات بدلاً من دول أحادية الثقافة على أسس طائفية أو عرقية أو عائلية.

المواقف السياسية من الاستفتاء اختلفت من دولة إلى أخرى حسب موقعها من الصراع، فالغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة كان موقفه مبنيّ على نقطتين رئيستين، أوّلاً: توقيت الاستفتاء غير مناسب وقد يؤثّر على الجهود في محاربة الإرهاب، والثانية: إن قرار الاستفتاء كان أُحادي الجانب، وهو ما صدم المجتمع الدولي الذي يرى أربيل حليفاً قوياً وإستراتيجياً في محاربة الإرهاب، و أحد أركان إعادة الاستقرار إلى العراق والمنطقة.

المطالب بتأجيل الاستفتاء في البداية ومن ثم رفض نتائجه مع تضامنهم مع حقوق الشعب الكوردي بدون أي ضمانات، تجعل موقف المجتمع الدولي متناقضاً وغريباً بعض الشيء، وكأنهم يقولون إن الكورد فقط هم المعنيّون باستقرار المنطقة وبمراعاة مصالح الدول الكبرى على حساب مصالحهم، في حين موقف الدول الإقليمية مثل تركيا وسوريا وإيران كانت متوقّعَة وليست مستغرَبة وهي رفض الاستفتاء شكلاً ومضموناً.

هذا التفاعل الكبير من شعوب المنطقة بألوانها المختلفة، يجعلنا ندرك تماماً أن المواطنة في هذه الدول هشّة وضعيفة أمام الانتماءات العرقية والدينية، فبالرغم من أن الاستفتاء يُعَدّ ضربة موجعة للمشروع الإيراني إلا أننا نرى دولاً ذات صبغة سنّية مثل تركيا وأطراف سورية معارضة سنّية تقف بشكل قاطع ضد الاستفتاء، وهو أمر ليس بالمستغرَب، فلطالما كانت السنّية والشيعيّة هي تكريس بشكل أو بآخر للقوميات المختلفة، وهي بمثابة استثمار سياسي منذ القدم.

وبالرغم من أن الاستفتاء يمتلك مشروعيّة تامّة وكاملة لحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بعد كل خيبات الأمل من الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق، هناك مخاوف كثيرة تلوح في الأفق وقد يكون أوّلها الخشية من إقامة نظام حكم عائلي أُحادي أو ثنائي الجانب يكون تجسيداً للواقع السياسي الحالي، وعليه يجب تجاوز هذه المخاوف من خلال ضمان مشاركة جميع مكوّنات الإقليم في الحكم بشكل فعّال وحقيقي عبر إقامة  نظام حكم ديمقراطي لا مركزي، يحاكي المستقبل ويحفظ حقوق مكوّناته، ويتمتّع بالتضمين والشمول، ويمهّد لمجتمع متعدّد الثقافات. ويبقى أن نسأل أنفسنا عن الأولويّة، هل هي بناء أنظمة فقط أم بناء أنظمة حكم ديمقراطية؟.

وقد يكون واحداً من أكبر مشاكل الشرق الأوسط الانتهاكات التي لم تتوقّف يوماً واحداً في مجال  حقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف، وهو السبب الرئيس في أحادية هذه المجتمعات وعدم قدرتها على إدارة ملفّ التنوّع بشكل عادل، والكرد جزء من هذه المنظومة الشرق أوسطيّة، وإذا ما أرادوا تأسيس أي كيان سياسي مستقلّ عليهم مراعاة هذا الجانب الحقوقي  الشائك، وذلك بالالتزام بكافة الشرائع والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بدون أي تحفّظات، بحيث يتمّ ضمان هذه الحقوق للجميع بدون استثناء أو تمييز.

جلال الطالباني هو واحد من ثلاث قيادات كوردية كبيرة في العصر الحالي، وهو صاحب تاريخ نضالي كبير، ووفاته تشكّل خسارة كبيرة للجميع في هذه الظروف العصيبة بالنظر الى الحكمة والحنكة السياسية الكبيرة التي كان يتمتّع بها، ولكنه يبقى قيمة، والقِيَم لا تموت.

يوجد في كردستان عشرات الأحزاب، ولكن على ما يبدو أن الكورد ميّالون إلى نظام الحزبين، إلّا أن ما يعيب هذان الحزبان أنهما يستمدّان قوتهما وشرعيتهما من نفوذ العائلات الحاكمة، التي تحول دون ترسيخهما كمؤسّسات حزبية ذات نفوذ سياسي،  وهي بحاجة الى الكثير من الوقت لتحقيق هذه التحوّلات التي تحتاج بدورها إلى وجود مؤسّسات حقيقية مبنية على أسس دستورية  للوصول إلى مرحلة النضج السياسي، كما حدث في دول مثل أمريكا وبريطانيا، وعليه يتوجّب سنّ تشريعات وقوانين تنظّم حرية العمل السياسي وتضمنه للجميع وتحميه.

عندما نتحدّث عن غياب المؤسّسات الحقيقية، وغياب تامّ لحيادية الدول عن مكوّناتها، ونتيجة الاستبداد وانعدام الديمقراطية  في منطقة تكاد تكون أغلب أنظمتها الحاكمة متماهية مع الدول بشكل يصعب على المرء الفصل بينهما، يجب أن نتذكّر أن  بناء أنظمة حكم ديمقراطية لا يقتصر على وجود آليات لاختيار الحاكم وأعضاء البرلمان، وإنما في وجود السلطات الثلاثة منفصلة ومتوازنة في مهامّها، تضمن شفافية ونزاهة الحكم ومشاركة المواطنين و سيادة القانون والمساءلة وحرية الإعلام بدون قيود. كما أن وجود مشاركة حقيقية للنساء ووجود منظمات مجتمع مدني قوية ومتمكّنة من الدلالات على صحّة النظام الديمقراطي.

الاعتراضات على استفتاء كوردستان لم تكن فقط لأسباب جيوسياسية، بل كان العامل الاقتصادي حاضراً بقوة،  خاصة بعد ضمّ كركوك إلى الاستفتاء، وهنا لا يسعنا إلّا أن نتذكّر أن أغلب الأنظمة الاقتصادية في الشرق الأوسط هي أنظمة ريعيّة، تعتمد على النفط فقط في مواردها، وهي تعاني من غياب الحوكمة وانتشار الفساد وعدم وجود آليات لمكافحتها بغية تحقيق العدالة في توزيع الثروة، وتساهم في تنمية المجتمعات الهشّة والضعيفة.

بالنسبة إلى الكيان الكردي الذي يطمح الكرد في استقلاله هناك تحدّ كبير يكمن في  تحوّل الاقتصاد إلى أيدي  الأسر الحاكمة، تتحكّم به العائلات الكبيرة والقوية على غرار الأنظمة الاقتصادية في دول الخليج العربي.

ويجب ألّا يغيب عن أذهاننا أي تنمية اقتصادية أو تحوّل ديمقراطي يكمن في تأسيس نظام تعليمي ينهي الإرث القائم على تكريس الاستبداد لصالح فرد أو جماعة معيّنة ويتقاطع مع المفاهيم الحديثة للتنمية المجتمعية القائمة على التنوّع والتطوّر العلمي والتكنلوجي.

بعد أن أصبح الاستفتاء واقعاً لابدّ من التعامل معه، يتوجّب على جميع الأطراف التمتّع بالحكمة السياسية الكافية لعدم الانجرار إلى دوائر العنف في منطقة ترزح – بالأساس- تحت وطأتها، وعليها اللجوء إلى تحكيم لغة العقل والحوار للوصول إلى فضل الحلول للمشاكل القائمة وتحقيق العدالة لكل الشعوب بدون طغيان طرف على حساب طرف آخر.



27 أيلول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة