728 x 90

"موسم الكركدن" صرخة مكتومة لاغتصاب وطن

2519898441.jpg

 

 

إن الصراخ الذي تطلقه الحناجر ما هو إلا ردّة فعل دفاعية طبيعية عن حجم الألم المخبّأ بين حنايا الصدور، وكناية عن حجم المعاناة التي تعتري خلجات الإنسان نتيجة حيازة الظلم والقهر الممارس عليه ، وما بالك إن كان هذا الوجع يعتري جسد الأوطان، ويكبّدها المآسي ويجترع فيها جرائم الاغتصاب للأرواح قبل الأجساد، والحجّة الوحيدة هي تحكم أصابع السياسة بغاياتها الطائفية لاستعباد الأرض قبل البشر، ليتحوّل بعده الصراخ المنادى به إلى نداءات مكتومة، تستثير الإغاثة حيثما يبقى الجميع متفرّجاً أمام المشاهد الدامية للعيون والقلوب، ليستحوذ الجبروت على سطوة جديدة من التمرّد، و في إلغاء حق الغير والآخر في التعبير والحياة لوجوده كلون مختلف بعقائده وتفكيره.

 

هذه مقدمة لحكاية فيلم "موسم الكركدن" للمخرج الإيراني الكردي  "بهمان قوبادي"، الذي استطاع الولوج عميقاً في  المآسي الإنسانية عبر فيلمه هذا وأفلامه السابقة، والتي تتراوح  بين السينما النضالية، والسينما الواقعية الشعرية، والتي تأخذ طابعاً قومياً إنسانياً بدءاً من (لا أحد يعرف القطط الفارسية)، وصولاً إلى "موسم الكركدن"،  والتي تحدّث فيها عن آلام الكرد ومعاناتهم، متوغّلاً بعمق الثقافة الكردية، والضيم الذي اعتراها عبر مرور السنوات بفعل أصابع السياسة، وخاصة في فيلمه الأخير، متضمّناً موقفه السياسي الهجومي على الثورة الإيرانية ومجرياتها، ليتمّ تصوير الفيلم في تركيا، مسنداً الأدوار لممثّلين أتراك و إيرانيّين، أهمّهم الممثّل الإيراني الكبير (بهروز فوسو). الذي خرج من إيران قبل قيام الثورة فيها معتزلاً الفن السابع إلى أن قرّر العودة بفيلم "موسم الكركدن" لتكون المفاجأة، جنباً إلى جنب الممثّلة الايطالية (مونيكا بيلوتشي)، التي استطاعت بجمالها وجرأتها  الفائقة أداء دور الزوجة الإيرانية بكل براعة وخاصة في المشاهد المثيرة .

 

يبدأ الشريط السينمائي لموسم الكردن بإهداء المخرج "قوبادي" فيلمه إلى (فرزاد كمانغر) الذي أعدمته السلطات الإيرانية بتهمة الإخلال بالأمن القومي في العام 2010، و (صانعي جالا) طالب المسرح في جامعة طهران الذي فقد حياته خلال مظاهرات عام 2011، وإلى كل المعتقلين السياسيين الذين ما زالوا في السجون الإيرانية. ثم يعلن بشكل صريح أنه مستند إلى حياة الشاعر والمؤلف الإيراني الكردي (صادق كمانغر) الذي اعتقل 27 عاماً في سجون الجمهورية الإسلامية، بينما أخبرت الحكومة عائلته أنه مات.

 

قصة الفيلم تدور حول ذكريات عن قصة العاشقين، تبدأ بخريف عام 2010 مع إطلاق سراح الشاعر "ساحل" الذي أمضى قرابة الثلاثين عاماً في السجن بتهمة كتابة قصائد سياسية معادية للثورة الإسلامية، وذلك في احتفالية  الشاعر بإطلاق آخر دواوينه المسمّى (الكركدن) , والذي يبحث عن زوجته (منة)، وعائلته الهاربة إلى تركيا.

 

ليبدأ بعودة الفيلم بمشاهده الاستذكارية للشاعر وزوجته العاشقين، وهما في نزهة إلى أحد أهمّ الأماكن المحبّبة على قلب الشاعر، حيث نشاهدهما تحت أنظار حادّة وحاقدة من قِبَل أكبر رضاي سائق سيارة الزوجة (مِنة)، الذي يعمل عند والدها عقيدا مع  نظام الشاه الإيراني, ناقلاً مشهدية  للأماكن اعتراها بعض من الضبابية التي تتراوح بين الواقع والخيال، وتحمل في طيّاتها حجم الكابوس الذي تعرّضا له، وذلك  باستذكار لا زماني للأشياء واللحظات المرافقة، أقساها وأجملها لكليهما.

 

ينقلنا المخرج إلى مشهد الذي  يعترف به السائق "أكبر رضاي" لـ "مِنة" بحبّه، وبعدها تخبر والدها فيوسعه ضرباً، ولكن  إثر قيام الثورة الإسلامية، يتمّ اعتقال والد الزوجة "منة" بصورة انتقامية، ويتحوّل السائق "أكبر رضاي" لأحد العناصر الهامة في الحرس الثوري، والذي قرّر أن يستغلّ مكانته السياسية في تحقيق مآربه الشخصية، ليلفّق التهمة لـ"ساحل" في خطّته، ليختلي بالزوجة، ثم يسارع إلى إتّهام الزوجة نفسها لمساعدة زوجها (الكردي الإسلامي)، فيتمّ الحكم عليه بثلاثين عاماً وعلى الزوجة بخمس سنوات.

 

 

بعدها يتظاهر أنه سيساعد الزوجين على اللقاء داخل السجن، فيهيّئ لهما مكاناً ليلتقي الزوج بالزوجة عارية، لكنهما مغطيا الرأس بـ "كيس" أسود,، ثم يقتحم عليهما تلك الخلوة، ليشعل غريزته في جسد الزوجة مغتصباً إيّاها.

 

تحمل منة  تَوْءَماً من البنات بحالة فيها كثير من المشاعر المتناقضة والموجعة والجدلية  لصور الديكتاتورية البشعة، وبصراخ مكتوم تحوّل لكابوس يرافقه احتماليّات تتجسّد بصور للمعاناة لاحقة بأن يكون التوءَم بالفعل من صلب الشاعر "ساحل"، مترافقة برتم من الاضطراب الروحي والنفسي، والذي تجلّى عبر الموسيقى والمقاطع الشعرية التي كانت مرافقة للفيلم في مراحله اللاحقة.

 

وفي رحلة بحثه عن عائلته تقود "ساحل" قدماه إلى حيث تقطن زوجته، ليكتشف أن البنتين المولودتين قد كبرتا، و قد امتهنتا العُهر، يعتريه الصمت الموجع من رؤية البنتين، فيقرّر أن يبقى غريباً، ويعمل كسائق سيارة  فيوصل الفتاتين فيما بعد إلى مقرّ عملهما.

 

لكنه تأخّر في أحد المرّات عن موعده لإيصال إحدى الشابّتين، حيث وجدها قد فقدت نقود زبونها،, واشتبكت معه فتدخّل "ساحل" عند وصوله بعراك بالأيدي نجم عنه جروح أصابته وأصابت الفتاة، ليقوم الجميع، الفتاتان وساحل، بالانتقال إلى داخل المنزل، ويعيشوا جميعا حالة من السكر والثمالة التي انتهت به إلى معاشرة إحدى الفتاتين. وفي حالة من القهر الحسي والاختلال العاطفي بصورة ضبابية مجدّداً،  يصحو "ساحل" على هول ما جرى، لينتقل بنا المخرج نقلة ذكيّة نوعيّة شعوريّة إلى حلم يقظة كردّ فعل حقيقي لما جرى.   

 

فحلم أنه يقود سيارته بين قطيع من "الكركدن"، فيصدم أحدها سعيداً بمقتله ومقررا ومصرا بداخله على الانتقام من غريمه "أكبر رضاي".

 

فاستغل لاحقاً فرصة اختلائه في السيارة مع غريمه ليتوجّه به إلى البحر مباشرة, ليغرق وهو ينظر إليه متشفّياً منتقماً بصرخات انتصار مكتومة, دعمتها حالة غرافيك مميّزة  استخدمها المخرج في إضافة الرمزية الفنتازية التي ترافقت مع سيل الأشعار المتدفّقة، والتي جعلتنا في حيرة من أمرنا، إن كان ما حصل حقيقة أم حلماً، وذلك حين رأينا أن الكركدن الذي صدمه "ساحل" في حلمه، عاد للظهور داخل الماء, كتأكيد على نشوة النصر ولرمزية الكركدن في الفيلم لهيئة الظالم والوحش المتبجّح بصورة بشريّ.

 

وفي نهاية الفيلم يخرج الصمت عن صمته، وتعزف النهاية أغنية رثائية مبكية للقلوب، تصوّر كمّية الألم والاختناق المرافق عبر عمر هُدِر بلا نفع.

 

وبالتالي استطاع "قوبادي" أن يقدّم ذاكرة سينمائية فلسفية وجدلية أبعد ما تكون فقط عن  حكاية معتقل، والحديث عن عذاباته  داخل السجن. فالمسألة تتعدّى ذلك إلى ما وراء الإسقاطات الصورية والقصصية، وذلك عبر اكتشافه أسباب انكسار الروح واختيار الانتقام الهادئ. بأحداث متتالية أجاد نقلها للجمهور، ليصل به إلى حالة التشكيك ببين الواقع والخيال والتصديق للمجريات بطريقة مشوّقة جذّابة بصرياً وفكرياً، مستخدماً موسيقى حادّة معتمداً على صوت الطبيعة والشعر، متفنّناً بقطعات المونتاج والماكس الإخراجي، وفق ما تقضيه الصورة ورمزيّتها.

 

"موسم الكركدن" قصّة حبّ مأساوية ومرثية سينمائية، تغصّ برؤى شاعرية لصورة الوطن المغتصب والمكسور بأدلجة سياسية ودينية .

 



24 كانون ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة