728 x 90

واقع منظّمات حقوق الإنسان في سورية، وصفات الناشط الحقوقيّ

3036890231.jpg

 

 

*عاصم الزعبي

 

 

نشأت غالبيّة المنظّمات الحقوقية في سورية بعد اندلاع الثورة السوريّة في العام 2011، نتيجة اليقين من القائمين عليها بضرورة العمل على توثيق الانتهاكات التي بدأت منذ اليوم الأول بحقّ الشعب السوري على يد الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، ووجوب جمع الأدلّة المتعلّقة فيها لتكون هناك ملفّات قضائية جاهزة لمحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات .

 

المنظّمات الحقوقية تعريفاً: هي المنظّمات المسجّلة أو غير المسجّلة، والتي تعلن أنها مهتمّة بالشأن الحقوقي والدفاع عن حقوق الإنسان، ويكون الحدث الحقوقيّ بشكل عام موضع اهتمامها .

 

 

ولكن رغم نشوء العديد من المنظمات الحقوقية في سورية، فإن القليل منها تعتمد القانون الدوليّ الإنسانيّ، مرجعاً رئيسياً لها بشكل دقيق، وتقوم بعملها بشكل موضوعيّ وحياديّ .

 

أسباب عديدة تقف وراء ذلك، فمفهوم حقوق الإنسان في سورية كان من المحرّمات في ظل استبداد النظام، وبعد الثورة تمّ إنشاء هذه المنظّمات دون وجود الخبرة المطلوبة لنجاحها، ودون تلقّي تدريبات لقسم كبير من كوادرها، من قبل منظّمات دولية ذات خبرة، إضافة إلى اعتمادها على ناشطين على جهل كبير بماهيّة العمل الحقوقيّ وأسسه، ممّا تسبّب بعدم مطابقة عملها في الكثير من الأوقات للمعايير الدولية، وذلك يتسبّب بالضعف الكبير للتقارير الحقوقية المقدّمة للمنظّمات الدولية ذات الصلة .

 

كما رافق نشوء هذه المنظّمات جدل حول مفهوم المجتمع المدنيّ، والتي تشكّل هذه المنظمات جزءاً منه، نتيجة العديد من الإشكاليّات الناتجة عن قيود سياسية أو تشريعية وأمنيّة خصوصاً أن غالبية هذه المنظمات مسجّلة في دول مختلفة أو غير مسجّلة، وبالتالي تخضع لتشريعات وقوانين الدول المسجّلة فيها .

 

مختلف هذه الأسباب أثّرت بشكل سلبيّ على عمل هذه المنظّمات في نواحي عديدة جعل من عمل قسم كبير منها لا يتطابق إلى حدّ ما مع المعايير الدولية للعمل في مجال حقوق الإنسان .

 

التحدّيات التي تواجه عمل منظّمات حقوق الإنسان

 

تعاني المنظّمات الحقوقية السوريّة من بعض التحدّيات والعقبات في عملها، منها قانونية وسياسية وأمنيّة في البلدان التي تعمل فيها، إضافة إلى معوّقات مؤسّساتيّة واقتصادية تتمثّل في النقص في الموارد البشريّة والمالية .

 

يُضاف إلى ذلك التحدّيات التي فرضتها المتغيّرات الكثيرة في سورية، وبشكل خاصّ بعد دخول العديد من الفصائل الدخيلة على الثورة السورية، والميليشيات العابرة للحدود المساندة لنظام الأسد، وتنامي الأعمال الإرهابية نتيجة ذلك، ممّا أدّى لتعدّد الجهات التي تقوم بارتكاب الانتهاكات، ممّا استدعى توسيع نطاق العمل واعتماد آليّات جديدة في العمل الحقوقيّ التوثيقيّ، للتوفيق بين توثيق الانتهاكات التي يرتكبها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون والميليشيات، وفصائل المعارضة المسلّحة والتنظيمات الإسلامية والقومية من جهة أخرى .

 

كذلك تُعَدّ المحاكم الاستثنائية في سورية وبشكل خاصّ المحكمة الميدانية وآلاف الأشخاص التي قامت بمحاكمتهم وأُعدم الكثير منهم، من هذه التحديات، لأن هذه المحاكم تشكّل من الناحية القانونية خروجاً على مبدأ التقاضي أمام القضاء العادي أو الطبيعي، إضافة إلى العديد من أنماط الانتهاكات التي بات رصدها وتوثيقها يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين .

 

الناشط الحقوقيّ، وصفاته

 

الناشط الحقوقي: كل شخص يعمل في مجال حقوق الإنسان، مدافعاً عن جميع الناس مهما كانت انتماءاتهم، العرقية، الدينية، الجنسية، المذهبية، والسياسية، ويتمتّع بالقدرة والكفاءة المهنيّة والقانونية التي تجعله قادراً على التعامل مع القضايا التي تدور حول انتهاكات حقوق الإنسان من رصد وتوثيق وإجراء مقابلات وتكييف للوقائع من الناحية القانونية .

 

فلا بدّ أن يكون الناشط الحقوقيّ على معرفة جيدة بالمعايير القانونية التي تنتهجها الأمم المتّحدة في حقوق الإنسان، والالتزام بها، بما في ذلك مبادىء ميثاق الأمم المتّحدة، والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومعاهدات حقوق الإنسان،وصكوك حقوق الإنسان، إضافة إلى الدساتير الوطنية وقوانين العقوبات وأصول المحاكمات، حتى يتمكّن من الموازنة خلال عمليّة الرصد الحقوقيّ بين ما هو وطني وما هو دوليّ في القضايا الحقوقيّة التي يعمل بها .

 

إضافة إلى أنه لا بدّ من عدم الاقتصار على جميع المعلومات فقط، بل لا بدّ من العمل على تحديد المشاكل وتشخيص أسبابها من قبل الناشط الحقوقيّ، واقتراح الحلول الممكنة .

 

لذلك لا بدّ من أن يتمتّع الناشط الحقوقيّ بصفات ومبادىء للنجاح في هذ العمل من أهمّها :

 

1: اعتبار الرصد والتوثيق وسيلة يؤمن بها الناشط الحقوقيّ لتحسين حماية حقوق الإنسان .

 

2: التأكّد من عدم التسبّب بالضرر للغير خلال العمل .

 

3: المعرفة بالمعايير الخاصّة بعمليّات الرصد والتوثيق من خلال الورشات التي تُعقد من أجل ذلك، إضافة إلى الاطّلاع على الأبحاث المتّصلة بذلك .

 

4: لا بدّ للناشط الحقوقيّ من التحلّي بالصبر خلال عمليّات الرصد والتوثيق .

 

5: المصداقيّة : وهذه الصفة حاسمة في نجاح الناشط في عمله التوثيقيّ، فيجب عليه عدم تقديم وعود من غير المرجّح أنه لن يستطيع الوفاء بها، والتعامل مع الضحايا وزملائه وبقيّة المنظّمات بشكل صريح معتمداً على الشفافية والصدقيّة .

 

6: السرّية: فاحترام السرّية بالنسبة للمعلومات أمر أساسيّ في العمل الحقوقيّ، وأي خرق للسرّية من الممكن أن يسبّب عواقب وخيمة ونتائج سلبية على الناشط والضحية وعلى مصداقية الناشط أيضاً .

 

7: اتّخاذ تدابير أمنيّة مناسبة من قِبل الناشط خلال عمله من أجل حماية نفسه .

 

8: الدقّة : وهي صفة لا بدّ من توافرها في الناشط خلال جمع المعلومات واعتمادها من خلال الدقّة في البحث وتوجيه الأسئلة للضحايا والشهود .

 

9: عدم التحيّز، والموضوعيّة : وتُعدُّ من الصفات الأساسية التي تؤثّر على الصدقيّة والتعبير عن مدى التزام الناشط بالمعايير الحقوقية الدولية للعمل الحقوقيّ .

 

10: احترام المجتمع المحلّي الذي يمارس فيه الناشط عمله، فيما يتعلّق بالعادات والتقاليد واحترام كل المعتقدات الدينية والاجتماعية .

 

رغم حداثة المنظمات الحقوقية السوريّة، أثبتت في قسم منها قدرتها على العمل الحقوقيّ، رغم الأخطاء والعقبات والتحدّيات، كما برز العديد من الناشطين الحقوقيّين، الذين تمكّنوا من إيصال ما يجري في سورية من انتهاكات إلى المجتمع الدولي، ولكن لا بدّ من التشجيع على التفاعل بين المنظمات الحقوقية وبقيّة منظمات المجتمع المدني، من أجل تعزيز القدرات والخبرات بشكل متبادل فيما بينها، لأهمّية ذلك في تطوير آليات عمل جديدة وموثوقة لحماية حقوق الإنسان في ظلّ أوضاع متغيّرة تفرض العديد من التحدّيات الآنيّة والمستقبلية للعمل الحقوقيّ . 

.

.

اقرأ المزيد للكاتب ..

 

 



25 كانون ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة