728 x 90

هل نحن بحاجة لمنتحرين أيديولوجيّين؟

2748738593.png


                            
ثمّة أناس ينتحرون في كل زمن، أيّاً تكن الأسباب، هناك من يقرّر في لحظة ما بأن الحياة لا تستحقّ العناء وغير ذات قيمة، ويحكم على نفسه بالموت.
الانتحار ظاهرة اجتماعية ذات حساسيّة عالية، إلا أنها  تحدث بشكل فردي، تبدأ الفكرة في عقل الشخص، وتكبر على حساب أية فكرة تحاول الوجود غيرها، لتصل في النهاية هذه الذات المفكّرة إلى لحظة إفناء ذاتها.


قد يبدو الانتحار الفردي الذي يحدث بقرار شخصي معقّداً ويحتاج إلى معالجة نفسية وفلسفية عميقة، إلا أن هناك نوعاً آخر من الانتحار أكثر غرابة وإثارة للجدل، وهو الذي لا يحدث بقرار وداخل عقل  المنتحر وإنما في عقول مَن حوله، يزرعون البذرة في رأسه ويدعمونها بخلق حالة وهميّة بالخلاص في عقل الهدف ويدفعونه ليكون الضحية.


"المنتحر الأيديولوجيّ" حالة ماثلة في مجتمعاتنا حتى اللحظة، ومن المهم أن نفهم تلك البنية النفسية الهشّة، التي من الممكن في لحظة ما أن تقبل أن تنهي وجودها من أجل فكرة أو إيمان ما..


مسرحيّة " المنتحر" تصوّر  هذه الظاهرة من وجهة نظر مختلفة وخاصة، وهي مسرحيّة تم عرضها مؤخّراً على خشبة مسرح الحمراء في دمشق، للكاتب الروسي نيكولاي إيردمن، وقد قام بترجمة النصّ الدكتور سمير عثمان الباش، كما أنه أخرج العمل، وكان قد كتب النصّ عام 1928 في بدايات الحكم الشيوعي في روسيا ، وتمّ منع عرض هذه المسرحيّة بأمر من الحكومة الستالينينة ، ولم يُعرض إلا بعد وفاة كاتبه في عام 1980، قام بتمثيل الشخصيات ممثّلون يقفون لأول مرة على خشبة مسرح رسمي، وهم خريجو مدرسة الفنّ لهذا العام(عبد الله وفائي، تاتيانا أبو عسلي، يزن دخل الله، لميس محمد،كرم حنون، شادي درويش، ليث مغربي، غيث الأدهمي، يزن مرتجى، ياسمين الجباوي، باسل دعبول، فايز أبو الشكر، منيار الحيناني، خالد حمزة).

 

العرض الذي يستمرّ لساعتين ونصف الساعة يعالج هذه الظاهرة ضمن مضامين فردية واجتماعية وسياسية وثقافية، ويلقي في وجه المتلقّي مجموعة من الأسئلة الوجودية والأيديولوجية، التي لا زالت إشكالية ومثيرة للجدل حتى يومنا هذا، فالمنتحر (سيميون سيميونوفيتش) شابّ عاطل عن العمل، ويعيش على حساب زوجته التي تعمل طوال النهار، يسعى سيميون في محاولة منه لكسب المال إلى التعلّم على آلة البوق، إلا أنه يفشل؛ لأنه لا يملك المال الكافي لتحقيق ذلك، تبدأ المسرحية بصراع بين الزوجين من أجل قطعة سجق، ثم تظهر فجأة فكرة الانتحار كومضة، في ذهن الزوجة، ليبدأ بعدها جار سيميون سيميونوفيتش بإنماء هذه الفكرة في رأسه، وهو كالابوشكين شخص يحمل صفة عسكرية، مهووس بالمال، تتّسم حياته بأنها فضائحية بسبب كثرة علاقاته الجنسية، يجد كالابوشكين في شخص سيميون صفقة رابحة ، فيبدأ بنشر خبر انتحاره ضمن الأوساط الثقافية والاجتماعية الروسية والمتاجرة بها، يأخذ المال مقابل وعود بتجيير انتحار سيميون لممثّلي الفئات المختلفة من فنّانين ومثقّفين ورومانسيين وتجّار، يرى البطل في الانتحار فكرة قابلة للتنفيذ، تضيء حياته وتشعره ببهجة نادرة، فيما يتوافد إليه رجال ونساء من مختلف أنحاء روسيا ليطلبوا منه الانتحار لمصلحة الفئة أو الطبقة التي ينتمون إليها، فيفتتن سيميون بالشهرة التي حصل عليها باعتباره شخص بسيط ومهمّش لا يمتلك مكانة اجتماعية، فيقبل بالانتحار والتوقيع على رسالة يكتب فيها أسباب انتحاره كما طُلب منه، مرضياً الجميع.

 

 

تحمل المسرحيّة في مشاهدها صراعاً واضحاً بين الطبقات والأيديولوجيّات المختلفة، فالكل يسعى لإظهار الطبقة أو الفئة المنتمي اليها على أنها الحامل الوحيد للحقيقة والممتلكة لمفاتيح النجاة والخلاص للمجتمع الروسي، تحدث مشادّات وعراك بين رجل الدين والمثقّف والفنّان والتاجر والرومانسيين الحالمين بالحبّ، وفي الوقت نفسه التي تبالغ هذه الشخصيّات فيه بالدفاع عن أفكارها ومعتقداتها، تظهر سلوكيّاتها على النقيض تماماً من ذلك، فرجل الدين ليس متديّناً، والمتحدّث باسم المثقّفين شخص محدود المعرفة، والرومانسي والفنّان والتاجر، كل منهم مصاب بلوثة الفكرة، دون القدرة على مجاراتها سلوكاً وعملاً. واختار المخرج شابّين لتمثيل شخصيّتين نسائيّتين لتوكيد هذا التناقض الداخلي الذي تعيشه الشخصيّات. يكشف العرض عن مدى تشوّه الإنسان الروسي في تلك المرحلة، مرحلة ما بعد الحرب، وضياعه ضمن مفاهيم فلسفية وثقافية وسياسية لا تتناسب مع طبيعة حياته ونمط معيشته، وعمق الفجوة بين السلطة  والمواطن، في الوقت الذي لا ينسى فيه الكاتب شخصيّة الرجل "المُخبِر" الذي يبقى على تماسّ مباشر بين الشعب والسلطة، لتتّضح مساحة الحرّية في التعبير ككوّة صغيرة لا تخرج منها رأسك حتى تعود وتدخله ثانية خوفاً من بطش الخارج.

 

تنتهي المسرحية بعزوف سيميون عن فكرة الانتحار بعد أن ظهر في أكثر من مشهد طارحاً أسئلة وجودية عن الموت والحياة، وطبيعة الحياة بعد القبر، موقناً في النهاية أنه يرغب في العيش أكثر من أي وقت مضى، ليس مستعدّاً للموت في سبيل أية فكرة كانت، أو أيديولوجيا أو شعور، يحاول الجميع منعه وإنزاله في التابوت بالرغم عنه، ويقترح البعض رميه بالرصاص إلا أنه يفلت نفسه وينهض صارخاً " عندما يقطعون رأس الدجاجة تركض في الفناء دون رأس، وأنا أريد أن أعيش حتى لو مثل الدجاجة من دون رأس" في هذه الأثناء ينتحر فيديا بيتونن، وهو شخص وصف بأنه هدف سهل لفكرة الانتحار الأيديولوجي، يمتلك الدودة في داخله ويحمل كآبة من نوع ما. تنتهي المسرحيّة بغضب جماعي من سيميون وخروج الجميع، فيما يبقى سيميون وزوجته وحماته، في مشهد بكاء صامت ترافقه موسيقى جنائزية.

 

 

تميّز العرض بتركيز شديد من قِبَل المخرج، على البنية الداخلية للمشهد،  والعمل على خاصيّة الممثّل وإظهار الجانب النفسي العميق للشخصيّات، حركة الممثّلين كانت تتميّز بجمالية خاصة، فيما تنوّع الأداء بين الواقعي والغروتسك.

 

استخدم المخرج ديكوراً بسيطاً متمثّلاً بغرف تشبه أقفاص الدجاج، وكان واضحاً اعتماد الباش  على قوة النصّ بالدرجة الأولى، وكمّية الدلالات والرموز التي يحملها، فصوت البوق هو إنذار بالخطر وتحذير للسلطة بأن المجتمع بدأ بالتفكّك والانهيار، الجريدة التي استخدمها سيميون في تعلّم العزف وبصقها، دلالة على مكانة الإعلام، وبعده عن الناس، وفي مشهد المقبرة، تظهر صور الممثّلين معلّقة على أحد الجدران مع تاريخ موتهم، وهي ربط بصري مع جملة جاءت على لسان أحد الشخصيّات " الموتى فقط يستطيعون قول ما يعجز الأحياء عن قوله".



10 كانون ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة