728 x 90

هل انتهت الثورة؟ العنف بديلاً للحلّ السياسي

2811802949.jpg

 

لا يمكننا أن ننكر أن النظام السوري وحلفاءه حقّقوا في الأعوام الأخيرة انتصارات عسكرية، مكّنتهم من استعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية التي استولت عليها الفصائل المعارضة والتنظيمات الإسلامية المتطرّفة قبل العام 2016. ولكن هزيمة المعارضة المسلحة في الحرب لا تعني بالضرورة نهاية الثورة السورية وهزيمتها.

 

ولعلّ الأحداث الأخيرة في الداخل السوري تثبت أن الحراك الثوري مازال مستمرّاً، حتى في شوارع المدن التي قام النظام بـ"تحريرها من الإرهاب"، ففي يومي الجمعة والسبت 25- 2682018، نظّم عشرات المدنيين احتجاجاً وتظاهرة متنقّلة في أحياء درعا البلد، التي أصبحت تحت سيطرة قوات النظام نتيجة "اتّفاق التسوية" الأخير الذي أُبرم بين الفصائل والنظام برعاية روسية، ورُفع في المظاهرات شعار إسقاط النظام، وعبّر المشاركون عن تمسّكهم بمبادئ الثورة، لتنسف تلك الهتافات كل ما يروّج له إعلام النظام عن نهاية معاكسة للحراك الشعبي في البلاد.  وكذلك، فإن ما حدث في ساحة الأمويين في دمشق من احتجاجات طلابية، على خلفية إلغاء المرسوم الرئاسي المتعلّق بالدورة التكميلية لطلاب الجامعات، يوحي بأن النظام لم يعد قادراً على ضبط تحرّكات الشعب السوري في مناطق سيطرته، كما يريد، وخصوصاً أن هذه المظاهرة تمّت بعد أن قامت صفحات إعلامية موالية للنظام السوري بتهديد المشاركين بشكل مباشر باتّخاذ الإجراءات اللازمة، والتي يُقصد بها الاعتقال.

 

وصحيح أن الحديث عن انتصار الثورة وإنجازاتها في الوقت الحالي، يبقى رومانسياً ولا يمتّ للواقع بصلة؛ لكن وجود عدد كبير من السوريين الذين ما زالوا يؤمنون بوجود الثورة، ويوثّقون جرائم النظام ويفضحونها، ويتداولون عبر صفحاتهم الافتراضية منشورات لا تتوافق مع الخطاب الإعلامي للنظام الشمولي، دليلٌ على أن الثورة مستمرّة حتى اللحظة، وأن ممارسات النظام القمعية وانتصاراته العسكرية لم تُفلح بإخماد شعلة الثورة، خصوصاً أن الحراك لم يعد يقتصر على شكل محدّد كما يظنّ البعض، فهو لا يقتصر على ممارسات الناشطين في العالم الافتراضي، أو ما يقوم به السوريون في منافيهم بالخارج من مؤتمرات ووقفات احتجاجية، بل مازال المعارضون نشطين حتى في الداخل السوري، وضمن مناطق سيطرة النظام.

 

 

والحال أن الثورة بدأت سلميّة، فلم يلجأ المتظاهرون إلى حمل السلاح، ولكن إعلام النظام السوري عمد منذ البداية إلى ربط مفهوم الثورة بمفهوم الإرهاب والتخريب، ضمن ما يتوافق مع روايته الإعلامية القائمة على فكر المؤامرة؛ وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من الناشطين كانوا ضد رفع السلاح منذ البداية، وأن التنظيمات الإرهابية مثل داعش لم تكن جزءاً من الثورة يوماً، إلا أن النظام لم يحاول أن يروّج مع كل انتصار عسكري حقّقه بأنه تمكّن من القضاء على الثورة، بل روّج لفكرة عدم وجود ثورة من الأساس.

 

ومع مرور الوقت بدأت فكرة الهزيمة تتسرّب إلى الناشطين، بسبب هيمنة النظام العسكرية، وقتله واعتقاله لمئات آلاف المدنيين في المدن المعارضة له، وتهجيره لملايين المعارضين؛ فهذه الأسباب جميعها تضافرت لتخلق حالة من اليأس والاستسلام، ولاسيما بعد أن تكفّلت روسيا بالإطاحة بأي جهود دولية قد تؤدّي إلى إنقاذ الموقف؛ فالمعطيات والوقائع كلها لا توحي بالتفاؤل، ولا تبشّر بأن النظام السوري سيسقط بالمرحلة القادمة، ولا تنذر برحيل بشار الأسد أو محاكمته؛ ولكن التفكير بهذه الواقعية لا يعني بدوره الاستسلام لفكرة أن الثورة انتهت، إذ أنه من غير المنطقي اعتبار الهزائم العسكرية للفصائل المعارضة المسلحة، وانتصار النظام وحلفائه على الجهاديين الإسلاميين هزيمةً للثورة، التي لم تكن يوماً حكراً على الجماعات المسلحة!

 

ويبدو واضحاً أن حالة التشاؤم والانكسار التي بدأت تسود في صفوف المعارضة، هي بالضبط ما يسعى النظام إلى خلقه، ويتجلّى ذلك بوضوح من خلال البرامج والنشرات التي يبثّها إعلام النظام السوري بشكل يومي، والتي تتمحور برمّتها حول فكرة انتصار الأسد وجيشه. ويتزامن ذلك مع تسليم النظام أهالي المعتقلين أوراق أبنائهم، الذين قضوا نحبهم تحت التعذيب في سجونه، وسعي النظام لإغلاق ملفّ معتقلي الرأي والمغيّبين قسرياً، في ظلّ فرض سيطرته العسكرية على محافظات الجنوب السوري، ليحاول من خلال هذه الخطوات رسم معالم النهاية لمسرحيّته الإعلامية، والتي يعزّز بها الانهزامية لدى معارضيه.

 

لكن النهاية التي يحاول النظام السوري أن يرسمها لأزمته، تبدو غير مقنعة، ولا تتوافق مع الرواية التي تبنّاها وروّج لها؛ فالثورة السورية بوصفها حراك شعبي، نادت بمطالب، أقرّ بشار الأسد بأن بعضها كانت محقّة، يحاول النظام السوري أن يسدل الستار عليها دون أن يحقّق ما سمّاه بالمطالب المحقّة، ليكتفي النظام بالإعلان عن مخططاته للعودة بسورية إلى ما قبل 2011، ويسعى بشكل جادّ إلى إعادة سورية إلى حقبة الثمانينات، من خلال الترسانة الأمنية التي أطبقت أفواه جميع المحتجّين، لتترك للزمن مهمّة طيّ الملفّات المعلّقة، لتنشأ أجيال جديدة في سورية مطهّرة من أفكار الثورة؛ ويبدو أن نظام الأسد يؤمن بقدرته على تشويه التاريخ والعودة إلى عهد الانغلاق، إذا ما سار على نفس خُطا حافظ الأسد في الثمانينات؛ وذلك ما يفسّر العمل المكثّف الذي يقوم به النظام السوري لإغلاق المنافذ المفتوحة على العالم الخارجي، أو ضبطها على الأقلّ، فمنذ بداية العام حجبت العديد من المواقع الإلكترونية في الداخل السوري، وشُرعت قرارات لتلغي "الستالايت"، والاستعاضة عنه بنظام "الكابل" للبثّ التلفزيوني، الذي سيضمن عدم مرور قنوات تقدّم روايات مخالفة لرواية النظام الإعلامية في البيوت السورية.  

 

ويبدو واضحاً أن النظام السوري لا يسعى إلى إيجاد حلّ سياسي في الوقت الحالي، فعلى الرغم من تفويض روسيا بملفّ إعادة اللاجئين، إلا أن مسار المفاوضات لا يسير إلا نحو نهايات مسدودة في ما تبقّى من ملفّات على طاولة المفاوضات؛ فالنظام يؤمن بأن أساليبه القمعية قادرة على إنهاء الأزمة. لكن عدم الوصول لحلّ سياسي سيؤدّي بالضرورة إلى العنف، وقد يؤدّي لولادة المزيد من المجموعات والتنظيمات المتطرّفة في الأعوام المقبلة.

 



06 تشرين ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة