728 x 90

نحو دستور لجميع السوريين

3478210633.jpg

تشهد سوريا حالياً تحوّلات كبيرة تعصف بوجهها السياسي والقانوني الذي خطّه بشكل أساسي نظام الأسد الممسِك بزمام السُّلطة منذ وصوله إلى الحكم في بداية الستينات. غير أنّ الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في آذار/مارس 2011 والتي زعزعت حكم الأسد ستؤدّي حتماً إلى تغيّرات سياسية وتشريعية مهمّة ستترك آثارها على وجه سوريا الجديد، وبالتالي على كافة أطياف ومكوّنات الشعب السوري. تبقى هذه التغيّرات محفوفة بالمخاطر، حيث أنّ التظاهرات السلمية التي طالبت بدايةً بالحرية قد  تحوّلت تدريجياً إلى صراعات مسلحة تغلب عليها الاقتتالات الطائفية والإثنية، وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.  

ومن الواضح بأنّ المشهد السوري الحالي يتخلّله صراع بين أطراف مختلفة تسعى أغلبها إلى تحقيق مصالحها السياسية وفرض أيدلوجيّتها في وجه سوريا المقبل. بالمقابل تعمل أطراف وطنية على إرساء دعائم دولة المواطنة التي ستمهّد إلى سلام واستقرار مستدام وضمان تمتّع جميع أفرادها بحقوقهم وحرياتهم دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس. وستبدو انعكاسات هذا الصراع بشكل أساسي على الواقع التشريعي الجديد لسوريا والذي سيشهد خلافات بين دعاة الدولة المدنية الديمقراطية، من ناحية، ودعاة الأيدلوجيّات الدينية والقومية والمصالح السياسية الضيّقة، من ناحية أخرى.  

سيمثّل الدستور السوري المقبل، الذي كثر مؤخراً الحديث عنه، أبرز أوجه التغيير القانوني والسياسي في سوريا، لاسيّما في ظلّ أهمّيته في التأسيس لشكل الحكم الجديد وصلته المباشرة بحقوق المواطنين وحرياتهم ودوره في خلق هوية وطنية جامعة أو مفرّقة لمكوّنات الشعب السوري. ويعدّ مبدأ المساواة أحد أهم دعائم إرساء هذه الهوية الجامعة؛ فيشكّل ضرورة حتميّة لإنهاء مظاهر التمييز بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية والإثنية، وبالتالي تعزيز الوحدة الوطنية وتماسك الدولة والمجتمع. كما تسهم المساواة في ضمان احترام حقوق الإنسان وتأمين اندماج الأقليّات بمجتمعاتها واستئصال التمييز الذي أسهم في تأجيج وحتى اندلاع الصراع في سوريا.

يقتضى الحق بالمساواة ضرورة احترام مجموعة من الحقوق الأخرى وإدراجها دستورياً مثل عدم التمييز في تقلّد المناصب السياسية وفي الحقوق والواجبات وأمام القانون والقضاء والمحاكم. ويعدّ إدراج مبدأ المساواة كحق دستوري ذو أهمّية بالغة للمنتمين للأقلّيات الدينية والعرقية، ولاسيّما في ظل تضمين المنظومة الدستورية التي عرفتها سوريا على نصوص مستلهمة من أيدلوجيا دينية، من ناحية، وقومية عروبية، من ناحية أخرى. فقد عانى غير العرب وغير المسلمين من أوجه تمييز عديدة نظراً لإدارج مثل هذه النصوص الدستورية الأيدلوجيّة التي امتدّ تأثيرها إلى مختلف مناحي الحياة التشريعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. فاعتبار دين الدولة أو رئيسها الإسلام واعتبار الفقه الإسلامي مصدر رئيسي أو أحد مصادر التشريعات، يؤثّر على مدنية وحيادية الدولة، ويؤدّي إلى معاملة غير المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية. فالشريعة، أو بعض التفسيرات الدينية لها، تتضمن على انتهاك لمبدأ المساواة بين المُسلمين وغير المسلمين، بالإضافة إلى التمييز بين المرأة والرجل.  كما أنّ استمرار إدراج نصوص دستورية ذات صلة بأيدلوجيا العروبة سيؤدّي حتماً إلى التمييز ضدّ غير العرب، كما حدث خلال العقود الماضية من حرمان الأكراد والسريان من تعلّم لغتهم وأحياناً التخاطب بها.

تبرز الصبغة الدينية في دستور سوريا الحالي لعام 2012، مثل سابقه لعام 1973، في نصّ المادة الثالثة التي تعدّ دين رئيس الدولة الإسلام. وكلا الدستورين ينصّان، في نفس هذه المادة، على أنّ "الفقه الإسلامي هو أحد المصادر الرئيسية للتشريع". ويتأتّى عن هذا النصّ الدستوري الأخير انتهاكات للحق في الحرّيّة الدينية ومبدأ المساواة بين المُسلمين وغير المسلمين، وذلك في الكثير من القوانين الداخلية، ولاسيما قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (59) في أيلول/سبتمبر 1953. ويتجاهل الدستور السوري الحالي أيضاً المكوّنات السورية غير العربية ويفرض عليها أيدلوجيا العروبة، فقد جاء في مقدّمته : "تعتزّ الجمهورية العربية السورية بانتمائها العربي، وبكون شعبها جزءاً لا يتجزّأ من الأمة العربية مجسّدة هذا الانتماء في مشروعها الوطني والقومي، وفي العمل على دعم التعاون العربي بهدف تعزيز التكامل وتحقيق وحدة الأمة العربية". فيكرّر الدستور السوري المصطلحات العروبية الواردة في دستور عام 1973، بل ويضيف عليها مصطلحات أخرى مثل "الحضارة العربية"، "الدور العربي السوري"، "قلب العروبة"، الخ. وتؤكّد المادة الرابعة من هذا الدستور الجديد على أن "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة"، دون الإشارة إلى اللغات الأخرى والحقوق الثقافية للناطقين بها. أمّا المادة السابعة المتعلقة بالقسم الدستوري فقد استمدّت صياغتها أيضاً من الدستور السابق في إشارة إلى ضرورة العمل من أجل تحقيق "وحدة الأمة العربية"، التي لا يؤمن بها ولا يسعى إلى تحقيقها الكثيرين من عرب وغير عرب.

إن الدولة المأمول الوصول إليها في سوريا هي دولة المواطنة التي تقدّم خدماتها للمواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم المختلفة بما فيها الدينية والإثنية.  فلا يمكن لأية دولة أن تكون ديمقراطية وأن تحمل أيدلوجيا أو هوية معينة سواء أكانت دينية أو عرقية؛ لأن ذلك سيؤدّي إلى هدم مبدأ أساسي ألا وهو المواطنة وبالتالي التمييز ضد فئة من مواطني هذه الدولة. من هنا لابدّ من الاستعاضة عن هذه الأيدلوجيات السائدة من إسلاموية وقومجية وغيرها، ليست فقط في سوريا وإنما في منطقة الشرق الأوسط، بمبادئ جديدة قائمة على الأنسنة. هذا يعني تعزيز مبدأ المواطنة واحترام حقوق الإنسان للجميع، بما يضمن التعدّدية الدينية والعرقية واستئصال كافةً أنواع التمييز وحتى تجريمها بقوانين، بالإضافة إلى تطوير التعاون المشترك بين شعوب هذه المنطقة. فيمكن أن تكون الهوية الوطنية الجامعة قائمة على تعزيز النزعة القومية الإنسانية والمستندة لمبدأ المواطنة، أي الانتماء إلى الدول الوطنية - الانتماء الوطني- مع تعزيز التكافل الإنساني وأطر التضامن بين شعوب المنطقة كحال ما وصلت إليه دول الاتحاد الأوروبي.

 

 

 

 



08 أيلول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة