728 x 90

من التفاوض إلى الحوار

3238796382.jpg

 

 

*جاد الكريم الجباعي

 

 

لا يكون عنفٌ إلا حينما تنعدم إمكانية الحوار

وعلينا أن نختار: إما إقامة المتاريس وإما بناء الجسور

 

 

أشرنا في مقاربةٍ سابقةٍ إلى أن ما يوجب الحوار اجتماعياً وإنسانياً ووطنياً تعدّد الحقيقة في ذاتها، وتعدّدها في أحكام الناس فيها، على اعتبار الحقيقة هي الظاهرة المُدرَكة والحادثة المعيَّنة في الواقع المعيش، لذلك تجدنا إزاء جملةٍ من الحقائق أو جملةٍ من أشكال الحقيقة الواقعية، وجملةٍ من تأويلاتها وأحكام الناس فيها. وليس بوسع الفرد وحده، مهما أوتي من قدرةٍ عقليةٍ وعملية، أن يحيط بجميع وجوه الواقعة، ويدرك جميع أبعادها، ويقف على جميع أسبابها، ويتبين جميع علاقاتها بغيرها، ويقدِّر جميع آثارها، بحكم ديناميتها الذاتية وتعارضاتها الملازمة وتغيرها المستمر.. ولنا في تعدد الوقائع (الحقائق) السورية واختلاف أحكام السوريات والسوريين فيها دليلٌ يصعب دحضه. ومن ثم، فإن إحدى غايات الحوار هي التوصل إلى "حقيقةٍ تواصليةٍ" وإدراك نسبيتها وشروط انبثاقها وتشكلها وعوامل تغيّرها، وما تنطوي عليه من ممكنات، تتأسّس عليها البدائل الممكنة والمرغوب فيها.

 

فلا يكون حوارٌ إلا حيثما وحينما وبقدر ما يكون اختلاف، لا في الآراء والأحكام والمواقف فقط، بل في طرائق التفكير وكيفيات الإدراك والتمثل والتقدير، أي في ما يؤسّس الآراء والأحكام والمواقف ويعيِّن أنماط السلوك، بدلالة المصالح المختلفة. "ليس هنالك طريقٌ ملكيةٌ إلى الحقيقة"، بل ثمة طرقٌ مختلفةٌ اختلافَ الأفراد واختلاف شروط حياتهم، إذ لا ينفصل التفكير عن مبادئه المعرفية (الإبستمية) وشروطه النفسية والاجتماعية والإنسانية. وما دامت هذه الطرائق والكيفيات مجذَّرةً في الأفراد الأصحاء جميعاً، إناثاً وذكوراً، فالحوار ماثلٌ فيها بالقوة، ويمكن أن يتحقق بالفعل. "للحقيقة مدخلٌ مزدوج: يتصل بالمعطيات الواقعية، أي غير الوهمية وغير المدركة إدراكاً سيئاً، أو غير المتلقاة بصورة مغلوطة، ويتصل الثاني بالنظرية، أو المعتقد، بصفتها أو صفته بناء ذهنياً، لا انعكاساً للأشياء[1].

 

ولا تتحقق الغاية من الحوار والمناقشة العمومية إلا بإدراك المنخرطات والمنخرطين فيهما بسموّ الرابطة الاجتماعية، وسموّ الرابطة الإنسانية، وسموّ القانون. في هذه الحال فقط، تمارس الرابطة الاجتماعية – الإنسانية تأثيرها في المتحاورين الذين يحوز كلٌّ منهم سلطةً معرفيةً (إبستمية)، بصيغة المتكلم، أو "حرية تواصلية"[2] يمكن أن تتجه نحو البحث عن توافقٍ عقلانيٍّ يترجَم إلى اتفاق.

 

 

يذهب فتحي المسكيني إلى أن "الحوار بين الهويات غير ممكن"، لأن الأفق الوحيد للحوار هو الحوار بين ذواتٍ حرة. ويرى أن الفرق بين حوار الهويات وحوار الذوات لا يتضح إلا بقدر ما يتضح الفاصل بين الهويات والذوات، وفي ما يخصّنا: "بين تدبيرنا المحموم لهموم الهوية وبين عجزنا حتى الآن عن تطوير تجربةٍ ذاتيةٍ ومدنيةٍ خاصةٍ بأفقنا الروحيّ". ويضيف: "نحن نعاني من فائض هويةٍ لم يجد بعد الأفق الملائم لتجربة الذات التي تؤسّسه. ويبدو أن العائق الأكبر أمام التحول من نموذج الهوية إلى نموذج الذات هو غياب الإمكانية الجذرية للحوار"[3].

 

فلما كان مفهوم الهوية إشكالياً وملتبساً، ولكن يصعب الاستغناء عنه، نذهب إلى أن الحوار بين الهويات ممكن، ولكنه قد لا يكون مجدياً حين يكون بين هوياتٍ كلٌّ منها مغلقةٌ على ثوابتها ويقينياتها ومطلقاتها، أي أن الحوار بين متعصّبين ومتطرّفين قد يكون صعباً، ولا يفضي إلى أيّ نتيجة، غير تلك التي تقررها نسبة القوى، في عملية التفاوض، وهذا الأخير غير الحوار.

 

التفاوض هو إعادة إنتاج مبدأ الغلبة والمغلوبية، وعدم الاعتراف بجدارة الآخر المختلف واستحقاقه حرياتٍ وحقوقاً مساويةً لحريات المتكلم وحقوقه، إلا بقدر ما يحوز من القوة المادية أو المعنوية.

 

كما أن الفرق بين الهوية والذات ليس حدياً، كما يتصوره المسكيني، وفي ذهنه صورةٌ نمطيةٌ عن الهوية، أو عما سمّاه أمين معلوف الهويات القاتلة. ولا نحبذ قوله: "إن حوار الهويات غير ممكن"، لما فيه من إطلاقٍ ونفيٍ للممكن. لذلك نقترح صيغةً مختلفةً وفرضيةً مختلفةً قوامها: إن الحوار بين محمولات بلا ذواتٍ غير مجدٍ. المجدي هو الحوار بين ذواتٍ حرةٍ ومستقلة، تعي نسبية محمولاتها وتاريخيتها وقابليتها للنقد والدحض أيضاً. تتسق فرضيتنا مع قسمة العلاقات الاجتماعية قسمين؛ علاقات شاقولية بين محمولاتٍ بلا ذوات، أو هوياتٍ بلا ذوات، هي عصبياتٌ مغلقةٌ ومتطرفة، لا تستمر إلا بقدر ما تلغي شخصيات أفرادها وتصادر حرياتهم، وتهدر إنساينتهم، حسب مصطفى حجازي. وعلاقاتٌ أفقيةٌ ونديةٌ بين ذواتٍ حرةٍ ومستقلة، وهذه ليست ممكنةً فحسب، بل قائمة، هنا والآن، وإن تكن لا تزال جنينية وهامشية. ولا نميل إلى افتراض أيّ نموذجٍ نقيٍّ كلياً، سواء للعلاقات الشاقولية أم للعلاقات الأفقية والشبكية، لأن الواقع المعيش يعرض لنا صوراً متداخلةً ومعقدةً بين هذه وتلك.

 

وإلى ذلك، نتفق مع قول المسكيني: "ليس الحوار فسحة أخلاقية معطاة، بل معركة روحية ووجودية ومدنية، (غير مضمونة النتائج). لأن الإنسان لا يمكن أن يتحرر على مستوى مدني من دون أن يتحرر على مستوى وجودي"، مع تحفظنا على صيغة "لا يمكن". لأننا نذهب في هذه المسألة مذهب كارل ماركس، في اعتبار "الانعتاق السياسيّ" أي التحرّر المدنيّ، مقدمةً لازمةً لـ"الانعتاق الإنسانيّ"، أي للتحرر الوجوديّ. وأضفنا عبارة "غير مضمونة النتائج"، لأن سيرورة التحرر المدنيّ قابلةٌ للانعكاس، كما تبيّن التجربة السورية وتجارب أخرى كثيرة.

 

"الحوار مجال لممارسة القوة الاستدلالية للإنسان، فعن طريقه تستطيع أن تظهر قوتك العقلية وقدرتك الاستدلالية"[4]. ولما كان الفرد الإنسانيّ أنا وآخر في الوقت نفسه، ولا قوام لفرديته خارج نطاق الجماعة والمجتمع، فإن الحوار الذي يدخل فيه مع الآخرين، والذي يعطيه فرصةً لتقوية القدرة على الاستدلال، هو في جوهره ممارسةٌ لمعرفة الذات نفسها؛ "فحواري مع الآخرين هو حوارٌ لمعرفة الذات". ولا تكون معرفة الذات ممكنةً إلا بمعرفة الآخر المختلف الذي يؤسّسها، والأخرى المختلفة التي تؤسّسها، بصفته وصفتها تجلي ماهيتها الإنسانية.

 

"الحوار واجب إنساني، ينبغي أن يعم جميع الفئات، أيا كانت، وجميع الموضوعات، كيفما كانت، على شرط التزام قواعده وأخلاقياته. لأن في تحقيق الحوار وتوسيعه مع جميع الأطراف وفي جميع المجالات زيادة في معرفة الذات، فضلاً عن معرفة الآخر، وزيادة في تحقيق إنسانية الإنسان".

 

ولعل مما يوجب الحوار اجتماعياً وإنسانياً تعدّد الحقيقة في ذاتها، وتعدّدها في أحكام الناس فيها، على اعتبار الحقيقة هي الظاهرة المُدرَكة والحادثة المعيَّنة في الواقع المعيش، لذلك تجدنا إزاء جملةٍ من الحقائق أو جملةٍ من أشكال الحقيقة الواقعية، وجملةٍ من تأويلاتها وأحكام الناس فيها. وليس بوسع الفرد وحده، مهما أوتي من قدرة عقلية وعملية، أن يحيط بجميع وجوه الواقعة، ويدرك جميع أبعادها، ويقف على جميع أسبابها، ويتبين جميع علاقاتها بغيرها، ويقدِّر جميع آثارها.. ولنا في تعدد الوقائع (الحقائق) السورية واختلاف أحكام السوريات والسوريين فيها دليل يصعب دحضه. ومن ثم فإن إحدى غايات الحوار هي التوصل إلى "حقيقة تواصلية" وإدراك نسبيتها وشروط انبثاقها وتشكلها وعوامل تغيرها، وما تنطوي عليه من ممكنات، تتأسس عليها البدائل الممكنة والمرغوب فيها.

 

فلا يكون حوار إلا حيثما وحينما وبقدر ما يكون اختلاف، لا في الآراء والأحكام والمواقف فقط، بل في طرائق التفكير وكيفيات الإدراك والتمثل والتقدير، أي في ما يؤسس الآراء والأحكام والمواقف ويعيِّن أنماط السلوك. "ليس هنالك طريق ملكية إلى الحقيقة"، بل ثمة طرق مختلفة اختلافَ الأفراد واختلاف شروط حياتهم، إذ لا ينفصل التفكير عن مبادئه المعرفية (الإبستمية) وشروطه النفسية والاجتماعية والإنسانية. وما دامت هذه الطرائق والكيفيات مجذَّرة في الأفراد الأصحاء جميعاً، إناثاً وذكوراً، فالحوار ماثل فيها بالقوة، ويمكن أن يتحقق بالفعل. "للحقيقة مدخل مزدوج: يتصل بالمعطيات الواقعية، أي غير الوهمية وغير المدركة إدراكاً سيئاً، أو غير المتلقاة بصورة مغلوطة، ويتصل الثاني بالنظرية، أو المعتقد، بصفتها أو صفته بناء ذهنياً، لا انعكاساً للأشياء[5].

 

هنا، تغدو المسألة مسألة شروط إمكان الحوار، لا مجرد إمكانه. الحوار ممكن دوماً، بحكم الطبيعة التواصلية والتبادلية للكائن الإنساني، ولكن شروط تحققه لا تكون متاحة دوماً، ولا سيما في أوقات النزاعات والحروب، مع أن الحاجة إلى الحوار تصبح أشد وأكثر راهنية. لكن الميل الطبيعي إلى التغلُّب يكفُّ الحاجة إلى الحوار أو يعلِّقها. ولا يمكن استبعاد هذا الميل من الحوار ذاته، فما أكثر ما يتحول الحوار إلى مساجلة ومبارزة كلامية وجدال عقيم، خاصة حينما تتماهى الذات ومحمولاتها، فيغدو الدفاع عن الرأي أو العقيدة دفاعاً وهمياً عن الذات، لأن الذات نفسها تكون أسيرة أوهامها عن نفسها وعن العالم. لذلك يعد "انقطاع التنافس بين الأفكار كارثة عقلية، وحذف التنافس بين الأفكار جريمة سياسية"[6]. فنحن في حاجة إلى آراء من نختلف معهم كلياً، من الهامشيين والمستبعدين، أكثر مما نحن في حاجة إلى أفكار من نتفق معهم أو نختلف معهم إلى هذا الحد أو ذاك.

 

إن ما هو أساسي في نموذج التفاهم هو الاتجاه الأدائي، الذي يتبناه هؤلاء الذين يشتركون في تعامل، الذين ينسقون مشاريعهم بالاتفاق فيما بينهم على أمر ما موجود في العالم. الأنا (المتكلم) والآخر الذي يتخذ موقفاً إزاء هذا العمل الكلامي (المخاطَب)، يعقدان الواحد مع الآخر علاقة بين شخصين تستجيب هذه العلاقة لبنية تتعرف من خلال النظام الذي تشكله، في تلاقيهما المتبادل منطورات المتحدثين والمستمعين والأشخاص الحاضرين الذين لم يشتركوا بعد في عملية التبادل: يقابل هذا النظام النظام القائم على قواعد ضمير الفاعل. إن أي شخص يستعمل هذا النظام يعرف كيف يتبنى منظورات ضمير المتكلم وضمير المخاطب وضمير الغائب وكيف يحول الواحد منها إلى الأخر في اتجاه أدائي[7]. استعمال الضمائر (المنفصلة والمتصلة) في حالاتها الوجودية الثلاث (المتكلم/ــة والمخاطب/ــة والغائب/ــة) وحالاتها الإعرابية الثلاث (الرفع والنصب والجر) وإحالاتها العددية الثلاث (المفرد والمثنى والجمع) ودلالاتها الجنسية (التذكير والتأنيث) هي التي تقود المناثشة والحوار، ولعبة الحضور والغياب والصواب والخطأ والتذكر والنسيان والتوق والحنين والحقيقة والوهم.. وتعيِّن الحدود بين الذوات ومحمولاتها، بتعاشقها مع الأفعال ومفعولاتها، فيغدو الكلام فعلاً تواصليا أو تفاصلياً.

 

وللحديث صلة..

 

 


[1] - إدغار موران، مقدمات للخروج من القرن العشرين، ترجمة أنطون حمصي، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1992، ص 183، بتصرف.

[2] - راجع/ي، يورغن هابرماس، إيتيقا المناقشة ومسألة الحقيقة، ترجمة عمر مهيبل، الجزائر العاصمة، الدار العربية للعلوم، ناشرون، 2010، ص 26 وما بعدها.

[3] - فتحي المسكيني، الهوية والحرية، نحو أنوار جديدة، بيروت، جداول للنشر والتوزيع، 2011، ص 15.

[4] - طه عبد الرحمن، الحوار أفقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013، ص 28.

[5] - ادغار موران، مقدمات للخروج من القرن العشرين، ترجمة أنطون حمصي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1992، ص 183، بتصرف.

[6] - موران، ص 190.

[7] - يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطنة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1995، ص 455.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب..

 

 

 

 

 

 

 



28 تشرين أول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة