728 x 90

من الشموليّة إلى التكفير والإرهاب عبر الاستبداد والفساد

2138435845.jpg

 

 

الشمولية هي نظام استحواذ واستفراد بالسلطة، وهي عملياً لا تقبل بأية مشاركة حقيقية فيها مع الآخرين، ولا تثق بهم، وأقصى ما يمكن أن تسمح به هو مشاركة شكليّة فيها، بحيث يكونون لها مجرّد أتباع هزيلي القيمة أو الوجود، أو قد تسمح لهم بوجود هامشيّ خارج إطار السلطة، يكونون فيه ضعفاء بما يكفي لكي لا يكون لهم أي وزن أو دور.

 

ولتحقيق هذه الغاية يعمد كل نظام شموليّ بشتّى الوسائل إلى إضعاف منافسيه وخصومه، من الإقصاء عن مواقع السلطة والنفوذ وحتى القمع والبطش والإلغاء.

 

وهكذا، فعندما يصل حزب شموليّ إلى السلطة، وهذا ما يحصل غالباً باستخدام القوة والعنف كالانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبوية، أو عبر مسرحيات انتخابية، فهذا الحزب سيعتمد مبدأ "الولاء الحزبيّ" كقاعدة لتوزيع المسؤوليات والوظائف العامة، وهو قطعاً لن يعتمد "مبدأ الكفاءة" ولا "معيار المؤهّلات" في هذه العملية، لأن التفكير بمصلحته الخاصة كحزب والتفرّد بالسلطة يستحوذان على اهتمامه، وهذا بحدّ ذاته فساد كبير، يقدّم فيه الحزب مصلحته على مصلحة الدولة، بغية تكريس هيمنته على السلطة وقطع الطريق على منافسيه، وإغراء الناس بالانتماء إليه ليوسّع قاعدته الجماهيرية كما يظنّ.

 

وعدا عن أن الحزب الشموليّ بهذه العملية يحرم الدولة من الكفاءات الأفضل، ويهدر حقّ هذه الكفاءات، فهو عادة لا يكتفي بذلك، بل يلجأ إلى العنف في التعامل مع الآخرين، ليمتدّ هذا من الإقصاء حتى الإلغاء، فمثلاً، إن لم يكن الشخص حزبياً، يصبح احتمال شغله لمسؤولية عامة، حتى وإن كانت في أدنى هرم المسؤولية، نادراً، وحتى احتمال توظيفه في الوظائف العامة يصبح قليلاً، هذا إذا لم يُضيّق عليه ويضايَق حتى خارج نطاق العمل الرسميّ، وإن كان منتمياً إلى تنظيم آخر، فهو غالباً ما يُلاحَق ويُضطهَد.

 

وبالنسبة للنظام الشموليّ، هناك فقط أعداء وأتباع، لكن ليس هناك حلفاء، فمفهوم التحالف، الذي يقتضي درجة من الندّيّة في القوة، هو مفهوم مرفوض، فالنظام الشموليّ لا يقبل قطعاً بوجود أية قوى أخرى، وهو لا يقبل إلا أن يكون وحدَه صاحب القوة، والقوة المطلقة، ولذا في حال وجود قوى أخرى، فعليها أن تضعف بما يكفي؛ لأن تصبح خاضعة وتابعة له، وإلا فسيتمّ اعتبارها قوى معادية، ويلجأ إلى قمعها وقهرها.

 

أمّا بالنسبة للحلفاء المزعومين، فحتى معهم  تُعتمَد درجة كافية من الضغط بغية تحجيمهم وتقليص قوّتهم إلى أدنى حدّ ممكن، بحيث يصبح إخضاعهم وإبقاؤهم في موقع الخضوع لإرادة هذا النظام أمراً سهلاً، ولا يعودون في الحقيقة سوى أتباع، ويصبح محظوراً عليهم وغير ممكن بالنسبة لهم السعي لإقامة أية علاقة متوازنة مع هذا النظام، وبالتالي فعندما يكون ثمّة تحالف مزعوم بين حزب شموليّ متسلّط وأحزاب أخرى، فالعلاقة بينه وبينهم تكون عادة علاقة سيّد وأتباع، بحيث يحتفظ هو لنفسه بدور الآمر الناهي، ولا يسمح للمنتمين إلى هذه الأحزاب، إلا بمشاركة هامشيّة كمّاً وكيفاً في هرميّة الدولة ومؤسّساتها، ما يجعلهم عملياً أتباعَ درجة ثانية لا أكثر.

 

وعدا عن إقصاء أو إلغاء الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، أو الهيمنة عليها، فالحزب الشموليّ عند استحواذه على السلطة، يفعل الشيء عينه مع المنظمات المدنية والشعبية والمهنية، ويحوّلها إلى مجرّد استطالات له، تابعة وخاضعة له، وهو يتعامل أيضاً بالشكل نفسه مع كلّ من المؤسّسات الدينية، ومع الشخصيّات والوجهاء النافذين اجتماعياً، وكذلك الأمر مع أي مركز قوة آخر في المجتمع.

 

وبهذا الشكل يحكم الحزب الشموليّ قبضته على الدولة والمجتمع، ولكي يتمكّن من ذلك ويستمرّ فيه، يكون بحاجة لاستخدام القوة إمّا لإخضاع أو لتصفية الآخرين، ولذا فهو عادة يعتمد في تثبيت وترسيخ حكمه المتفرّد على مؤسّسة بوليسية شرسة، لتكون نتيجة حكمه المحتّمة هي "الديكتاتورية".

 

الفساد الناتج من اعتماد مبدأ الولاء الحزبي في التكليف بالمسؤوليات، يؤدّي إلى تهميش أو إقصاء أصحاب الكفاءات الحقيقية، واستلام قليلي أو عديمي الكفاءة، حتى وإن كانوا أشخاصاً نزيهين، ويريدون خدمة المصلحة العامة، وبالتالي إلى الفشل الإداري والتخصّصي في عمل جهاز الدولة بسبب نقص أو غياب عامل الكفاءة المهنيّة.

 

وعدا عمّا تنتجه هذه الديكتاتورية نفسها من قمع وشلّ لحركة المجتمع، وتكبيل لقدرته على العمل المستقلّ بجوانبه المختلفة خارج إطار مؤسّسة الدولة الرسمية، والذي يُفترَض بمؤسّسة الدولة أن تكون قائدة وناظمة وداعمة معزّزة له، ولكنها تتحوّل إلى العكس، فالحزب الشموليّ نفسه يتحوّل إلى بؤرة فساد.

 

فعند القيام بالتكليف بالمسؤوليات ومنح الامتيازات على أساس الولاء الحزبي، يجد الانتهازيون، وهم موجودون في كل زمان ومكان، فرصتهم الكبرى لركوب ظهر هذا الحزب، والوصول فيه أو بواسطته إلى المواقع الحسّاسة واستغلالها لصالحهم، وشيئاً فشيئاً يحوّلون الحزب إلى مطيّة لهم، ويجعلونه وسيلة لتحقيق مآربهم، وهكذا تفقد مواقع المسؤولية والمراكز الوظيفية ليس فقط عامل الكفاءة المهنيّ، بل وعامل النزاهة الأخلاقيّ.

 

إنّ السلطة هي مصدر إغراء كبير لمعظم الناس، وهي تغري الانتهازيّ أكثر من سواه بكثير، فهي بحدّ ذاتها مغرية له كسلطة بما توفّره من قوة وسلطان، وهي أيضاً وسيلة لتحقيق المكاسب والمنافع الأخرى، ولاسيّما الثروة.

 

وهكذا، يجد الانتهازيّ، الذي يكون غالباً عديم الكفاءة، ولديه إحساس بالنقص، وفرصته في الوصول إلى مراكز المسؤولية والتأثير الحسّاسة معدومة فيما لو اعتمد مبدأ التكليف على أساس الكفاءة والأهلية، في "الولاء الحزبي" ضالّته المنشودة وفرصته الذهبية للوصول إلى هذه المراكز، وهنا يتقاطر الانتهازيون على الحزب الحاكم، ويتغلغلون في صفوفه متظاهرين بأقصى درجات الولاء له، ويتسلّقون في هرميّته وهرميّة مؤسّسة الدولة، التي تتماهى عادة مع مؤسّسة الحزب في النظام الحزبي الشموليّ، فتكون النتيجة هي إفساد الحزب وإغراق الدولة والمجتمع معه في الفساد.

 

وهذه العملية يساعد على نجاحها أيضاً غياب أو ضعف مبدأ المحاسبة في مواقع ومراكز المسؤولية في النظام الشموليّ، فعندما يسود مبدأ الولاء في التكليف، يصبح الولاء هو الغاية الأهمّ في عمل المكلّف، ولا يعود يحاسَب من قبل رؤسائه على سوء أدائه، الذين يتحمّلون هم أنفسهم  مسؤوليّته، كونهم اختاروه أساسا، ولكنه يحاسَب على سوء ولائه إن أساء، وهذا المسؤول نفسه سيتعامل عندها بدوره بنفس الذهنية مع مرؤوسيه، هذا عدا عن أنه لا يمتلك الكفاءة المهنية نفسها للمحاسبة، إذا أراد أن يحاسب، لأنه من الأساس لا يمتلك الكفاءة المهنية الكافية للقيام بالمحاسبة الناجحة، كما أنه أيضاً لا يمتلك الدافع المعنويّ لمحاسبة مرؤوسيه من منطلق الضمير المهني على سوء أدائهم، فعندما يكون هو نفسه بكفاءته المتدنّية غير قادر على الأداء المهني الجيد، فهو لن يعود لديه الحافز على محاسبة الآخرين، ولن يتجرّأ على فعل ذلك، كما أن عدم محاسبته على سوء أداء مؤسّسته من قِبَل رؤسائه تغدو عاملاً إضافياً يجعله غير مبالٍ بمحاسبة مرؤوسيه ليرفع أداء مؤسّسته، فلمَ يحاسِب طالما أنه لا يحاسَب على نتائج ما سوف يحاسِب من أجله؟ هذا إضافة إلى التعقيدات السلطوية والبيروقراطية التي يخلقها أسلوب العمل الشموليّ نفسه بسلطويّة وفوقيّة قراره وتحويل المرؤوس إلى أداة بيد الرئيس فيه، ما يلعب أيضاً دوراً كبيراً في عرقلة العمل في جانبيه المهنيّ والرقابيّ، وهذا كلّه يسهّل انتشار الانتهازية، التي كلما انتشرت أكثر، ساءت الرقابة والمحاسبة أكثر، وهكذا دواليك...

 

بعد سيطرة الانتهازيين على الحزب الشموليّ الحاكم، وتحويله إلى بؤرة فساد يبقى الانتهازيون أكثر الناس تظاهراً بالولاء لهذا الحزب ولمبادئه وأهدافه، وأكثر الناس مزوادة بشعاراته، وحقيقة، هم فعلاً من أكثر الناس تشبّثاً بالحزب، ولكنه تمسّك الخبيث بوسيلة خبثه، فهم يتمسّكون بهذا الحزب، وببقائه مهيمناً وفاسداً، لكي تستمرّ لهم من خلاله إمكانية ممارسة الفساد والانتهازية، وهكذا يتحوّل الحزب الحاكم إلى عصابة، ويتحوّل معه كل النظام الحاكم إلى عصابة، شغلها الشاغل التسلّط على الشعب والمجتمع والدولة والبلاد، واستغلالهم وتسخيرهم لمآربها، وبأقصى ما تستطع، ومهما اقتضى ذلك من إفساد ومن قمع وبطش، ومهما كانت العواقب وخيمة على المستغـَلّين.

 

وفي المحصلة تكون الشمولية قد أنتجت، ليس الديكتاتورية فقط، بل والفساد أيضاً، وبدلاً من أن تكون القيادة والإدارة في أيدي الشرفاء والكفوئين، تصبح في أيدي الفاشلين الانتهازيين، الذين يتحوّلون إلى طغمة فاسدة، متسلّطة متحكّمة مستغِلّة وقامعة.

 

وفي مثل هذه الأجواء التي يسيطر عليها القمع والفساد، تصبح ممارسة الفساد أمراً شائعاً، بل سائداً، فيما تصبح محاربته شعاراً فارغاً تماماً كغيره من الشعارات التجميلية الأخرى، الجميلة شكلاً والفارغة مضموناً، وتصبح كل المبادئ الوطنية والقِيَم الاجتماعية والمعتقدات الدينية وما ماثلها جميعها مجرّد دعايات إعلامية لتجميل صورة الديكتاتورية الفاسدة من ناحية، ولتخدير وعي الناس من ناحية ثانية، ولاستخدامها ذرائعَ للقمع والاستغلال من ناحية ثالثة.

 

أمّا إصلاح هذه المنظومة فيغدو أمراً مستحيلاً، فهذا يقتضي قبل كل شيء تخليصها من فسادها، وبما أنها تكون صاحبة القوة الوحيدة في بلادها، فلا يمكن لمحاربة الفساد أن تتمّ من خارجها، حيث لا توجد أيّة قوى أخرى قادرة على فعل ذلك، ولكن من غير الممكن أيضاً أن تتمّ هذه المحاربة من داخلها، فالفاسد لن يحارب فساده، ولن ينقلب على نفسه، وسيعمل جلّ مسؤولي هذه المنظومة الفاسدة من قاعدتها وحتى قمّتها بذهنيّة العصابة المتماسكة حفاظاً على مصالحها، فكل هؤلاء المسؤولين يَعون وحدتهم المشتركة في الفساد ومصلحتهم المشتركة فيه، ولذلك سيدافع كل منهم عن الفساد وعن المنظومة الفاسدة وعن شركائه في الفساد، لأن هذا ما تقتضيه مصلحة الفاسدين، وما يعود عليهم جميعاً بالفائدة، فيضمن مصالحهم ويحميهم، ولن يكون هناك إلا حالات نادرة، يعاقب فيها بعض الفاسدين، إمّا لأن الضرورة تقتضي التضحية ببعض أكباش الفساد لإتمام الإخراج المسرحيّ لمهزلة محاربة الفساد، بما لا يؤثر على مصلحة القطيع الفاسد ككلّ، أو لأن هذا يكون نتيجة لعملية تصفية الحسابات الفاسدة بين الأكباش أنفسهم.

 

أمّا المسؤولون الشرفاء في هذه المنظومة، الذين لن يكونوا إلا قلّة قليلة، وموجودة غالباً بالصدفة، فلن يستطيعوا فعل شيء حقيقيّ ضدّ الفساد في هذه الهرميّة الفاسدة.

 

فالمسؤول الشريف سيكون، غالباً، محاطاً بالمسؤولين الفاسدين من كل الجهات، ويكون، غالباً، مرؤوساً أيضاً لفاسدين، وعندها لن يكون قادراً على محاسبة رؤسائه، الذين يتحكّمون بمصيره، ولن يكون لديه العضد والمساندة ممّن هم حوله، فكل محاربة لفساد تقتضي رئاسة حاضنة وزمالة داعمة وشراكة متعاونة، وهذا مستحيل عندما تكون المنظومة نفسها فاسدة، فيصبح أيّ مسعى لمحاربة الفساد من داخل هذه المنظومة أو من خارجها عملاً عدائياً ضدّه المنظومة، وصاحبه عدواً لها، وتكون النتيجة إنزال أقسى العقاب بكل من تسوّل له نفسه الأمّارة بالوهم  تحدّي هذه المنظومة في محاولة التصدّي لفسادها، وأساليب هذا العقاب كثيرة، من تدبير المكائد، أو تلفيق التُّهَم الجنائية، إلى الاتّهام بالعمالة والخيانة، وحتى التصفية المباشرة أو غير المباشرة، وهلّم جرّاً...

 

بهذا الشكل تتحوّل الشموليات إلى ديكتاتوريات فاسدة تجثم كالكوابيس على صدور شعوبها وأوطانها، وتخرّب مجتمعاتها، وفي المجتمعات التقليدية، التي تنتشر فيها البنى الاجتماعية الدنيا من طوائف وعشائر وعوائل وما شابه، وتتدنّى فيها مستويات الوعي والثقافة العامة، تتضاعف شراسة القمع وحِدّة الفساد ومخاطرهما، إذ تتداخل عندها الطائفية والعرقية والعشائرية وما ماثلها مع الفساد السياسيّ، لتنتج غالباً ديكتاتوريات ذات طابع عرقي أو قبلي أو طائفي، فلا تشلّ حركة وتقدّم مجتمعاتها فحسب، بل تجعلها شديدة القابلية للتقسيم والشرذمة والصراع الداخلي، ولإنتاج أسوأ أشكال التطرّف والتعصّب والعنصرية، ولاسيّما إن اقترن الوضع الداخلي المتردّي مع التدخّلات الخارجية المغرِضة، التي تستغلّ تدهور الأوضاع والفساد المستشري في الداخل لإثارة الفتن والصراعات، التي تكون نتيجتها هي العنف الطائفي والإرهاب التكفيريّ والعنصريّ.

 

فالديكتاتورية الفاسدة التي تفسد معيشة الناس واقتصادهم وأمنهم، تفسد أيضاً عقولهم وثقافاتهم وأخلاقهم، ونتيجة تدهور الوضع المعيشي والمستوى الثقافي، تدفع الناس دفعاً إلى أسوأ أشكال التديُّن والولاء الهويَّوي الأعميين، وبوجود القوى الطامعة داخلياً وجوارياً ودولياً، يصبح هؤلاء خامات جاهزة لإنتاج المنتجات التكفيرية والإرهابية.

 

 وهكذا تمضي مسيرة الانهيار الإنسانيّ من الشموليّة إلى الديكتاتوريّة الفاسدة إلى التكفير والإرهاب.

 

 



22 أيار 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة