728 x 90

مسيحيّو المشرق العربيّ بين مطرقة الأصوليّة الدينيّة وسندان الأنظمة الاستبدادية والتدخّلات الخارجيّة

2632405150.png

 

 

حكمت الشريعة الإسلامية، بتفسيراتها المتعدّدة، مسيحيّي المشرق، وذلك منذ فترة مجيء الإسلام وحتى انهيار الإمبراطورية العثمانية التي اعتمدت في نهاية حقبتها إصلاحات وصلت حدّ إلغاء الجزية المفروضة على غير المسلمين إثر الفتوحات الإسلامية. ففي شهر شباط/فبراير من العام 1856، استصدر السلطان عبد المجيد  مرسوم الخطّ الهمايوني الذي لم يقتصر على إلغاء الجزية فحسب، بل وحظرَ أي تمييز أو تسمية من شأنها أن تجعل فئة ما أقلّ شأناً من غيرها بسبب الدين أو اللغة، وأتاحَ لغير المسلمين الالتحاق بالجيش . وقد تكرّس أوج هذه الإصلاحات بتبنّي الدستور العثماني في العام 1876، ليسهم في تحسين وضعية المسيحيين، لاسيّما من خلال مادته الثامنة التي تنصّ على أن "يدعى جميع رعايا الإمبراطورية ودون تمييز عثمانيون مهما كان الدين الذي يعتنقونه"، وتنصّ مادته على أن " يقبل جميع العثمانيين في الوظائف العامة بحسب كفاءاتهم ومزاياهم وقدراتهم".

 

وهكذا بدأت الإصلاحات العثمانية، التي أُطلق عليها "التنظيمات"، بالتأصيل لما يُعرف بالدولة الوطنية التي تعامل مواطنيها دون تمييز ديني، وتنفّس المسيحيون الصعداء بعد فترة طويلة من المعاملة الدونية لاعتبارات دينية. غير أنّ هذه الإصلاحات غير المكتملة قد تزامنت ومجازر بحقّ المسيحيين، لايزال لها وقع كبير في نفوسهم. فقد شهدَ مسيحيّو لبنان أحداثاً دموية سرعان ما امتدّت إلى سوريا، في العام 1860، عندما تمّت مهاجمَة المنطقة المسيحية في دمشق - حي باب توما وحي باب شرقي - حاصدين خلالها حياة الآلاف من المسيحيين. ولابدّ من التنويه إلى الدور البارز للأمير عبد القادر الجزائري في إنقاذ حياة مسيحيين كثر خلال هذه المجزرة. ولم تمرّ غير عقود قليلة قبل أن تعود حملات التطهير إلى الفتك بالأرمن والآشوريين خلال العامين 1915-1916 ولكن هذه المرة على يد الدولة العثمانية.

 

بدأت مرحلة الانتدابات الأجنبية - الفرنسية والبريطانية - في المشرق العربي إثر تفكّك الإمبرطورية العثمانية ومعها نظام الخلافة. وقد تهيّأّت آنذاك أجواءٌ وطنية تعزّزت فيها التيارات القومية-العربية والشيوعية على حساب انحسار التأثير الديني في الدولة. وتأسّست  الدول الوطنية الحديثة التي نعمَ فيها المسيحيون بنوع من الأمان، وحتى الحقوق التي لم يعهدوها سابقا كتبوّئهم لمناصب قيادية في دولهم الجديدة. فقد تمثّل أبرز أوجه التحديث القانوني في فترة الانتداب باعتماد دساتير عصرية مستمدّة بمجملها من مفهوم المواطنة، وسنّ قوانين علمانية في شتى المجالات، باستثناء الأحوال الشخصية ذات المصدر الديني، والتي كانت ولاتزال عصيّة على أية عَلْمنة. غير أنّ التدخّل الغربي في هذه المنطقة كان له أثارٌ جمّة على التعايش الإسلامي ــ المسيحي، حيث عملت قوى الانتداب على استخدام ورقة الأقليات غير المسلمة لضمان هيمنتها وتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية، بل وعملت على تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى دويلات يسهل السيطرة عليها والتحكّم بمقدّراتها.

 

ومع أنّ حقوق المواطنة ازدادت بعد استقلال هذه الدول عن سلطات الانتداب، فإنّ الديمقراطيات الوليدة لم تدم طويلاً قبل أن تتخلخل لصالح بدء مرحلة الديكتاتوريات العسكرية التي تبعتها هجرات واسعة في أوساط المسيحيين، وبخاصة من الذين احتكّوا بالغرب وأفكاره الليبرالية. وهكذا كان للقمع السياسيّ، وعدم إطلاق الحرّيات المدنية والسياسية في ظلّ الأنظمة الاستبدادية دورٌ أساسيٌّ في تعزيز أسلمة مجتمعات المشرق خلال العقود الماضية. وقد انعكس ذلك سلبياً على أطياف المجتمع كافة، وخاصة غير المسلمين، من ناحية تقويض الحياة المدنية والسياسية لصالح ازدياد التقوقع الطائفي. كما دفعت هذه الأسلمة، المترافقة وفشل الحركات القومية من النهوض بالعالم العربي وتحقيق شعاراتها في الوحدة والحرّية، إلى تزايد الضغوط على المسيحيين، ليس فقط الاجتماعية، إنما أيضاً السياسية والقانونية. كما اعتمدت العديد من الأنظمة المستبدّة على ورقة الأقليات بما يسهّل لها الاستمرار بالحكم، وتعدّ الحالة السورية نموذجية في هذا الإطار، حيث ادّعى النظام السوري حماية الأقليات، وأسهم في تعزيز التناحر الطائفي لضمان تمسّكه بالسلطة على مبدأ (فرّق تسد). كما لم تعزّز هذه الأنظمة من مواطنيّة المسيحيين، ولم ترسّخ تأصيلاً لدولة المواطنة التي تبدو أساسية على صعيد تأمين الاندماج والحماية الدائمة للمسيحيين.

 

ازدادت مخاوف مسيحيّي المشرق بشكل فعليّ خلال العقود الماضية التي تخلّلتها أحداث، أغلبها ذات خلفية دينية، هزّت أمن واستقرار هذه المنطقة الهشّ أساساً. وسبّب الاحتلال الإسرائيلي نموّ وتيرة التعصّب الإسلامي؛ وبالتالي تدهور حالة الأقليات الدينية في المشرق العربي. وتفاقمَ وضع المسيحيين سوءاً بعد هزيمة الدول العربية في حرب الأيام الستّة ضدّ إسرائيل، وذلك في العام 1967. فقد رأى الرأي العام العربي بأنّ التيارات القوميةَ عاجزةٌ عن تحقيق التحرّر العربي واستعادة الكرامة العربية المسلوبة، وتصاعدَ كبديل عنها الفكرة القائلة بأن تحرّر العرب لن يكون بدون أسلمة الدولة والمجتمع، حيث طُرح شعار "الإسلام هو الحلّ" بشكل متصاعد. وقد عَزت بعض الخطابات السياسية الدينية، ولاسيّما في منابر الجوامع في مصر، هذه الخسارة إلى "غضب الله" على الشعب لعدم تطبيقه الشريعة الإسلامية. وتصاعدَ التوتّر بين الطوائف الدينية المختلفة في هذه المنطقة بعد غزو العراق عام 2003، وفي ظلّ استمرار النزاع العربي-الإسرائيلي والاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على دول المنطقة. فترى شريحة من المسلمين هذه الحروب على أنّها ضد المسلمين والإسلام. وما يزيد من هذا التوتّر، عودة مسألة التدخّلات باسم حماية المسيحيين في المشرق بغية تحقيق مآرب سياسية، وذلك على إثر اندلاع الاقتتال في مناطق عدّة في الشرق الأوسط، واستهداف الأقليات المسيحية من طرف جماعات متطرّفة.

 

يشهد المشرق العربي اليوم تحوّلات واضطرابات ومشاهد دموية، يذهب ضحيّتها المسلمون والمسيحيون على السواء. ويجد قسم من المسيحيين أنفسهم بين بعض الخيارات الأليمة، منها مساندة الاستبداد الذين طالما ناضلوا ضدّه وتحمّلوا انتهاكاته، أو وصول تيارات دينية إلى الحكم يغدون في ظلّها ضحايا على أساس انتمائهم الديني. في المقابل يستمرّ تيّار من المسلمين والمسيحيين في مكافحة الاستبداد السياسي والديني بهدف إرساء دولة المواطنة التي يتمتّع فيها جميع الأفراد بحرّياتهم وحقوقهم دون أيّ تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس. 

 

 



10 نيسان 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة