728 x 90

مذكرات الفتى.. أيضاً وأيضاً

1689357678.jpg

                              

ملاذ الزعبي

 

كان منصور هو اسم أستاذ مادة التربية الإسلامية في المرحلة الإعدادية، وكان من سوء حظ الأستاذ، وحسن حظنا نحن الطلاب، أن الإعلان التلفزيوني الشهير "معكرونة دانة" للمخرج الرائد عمر سيف ظهر في تلك الفترة (أطلق سيف مع زميليه فواز جابر ومحمد خير مانيفستو "نحو إشهار تلفزيوني وطني" الذي شكل محاولة للتمرد على القوالب الغربية- الأمريكية خصوصاً- في أساليب الإعلان)، وفي الوقت اللي ركزت فيه جماهير شعبنا على نجمة الإعلان الصاعدة هيفاء وهبي، ركزنا نحن معشر الطلاب الأبرياء على أغنية الإعلان التي كانت من إبداع شاعر مجهول وتقول كلماتها "منصور، الحقني، سباغيتي دانة جيبلي.. أنا هلأ هلأ هلأ.. بدي دانة هلأ هلأ.. حبّوا دانة كتير.." الخ.

 

ما هي إلا أيام حتى سار أحد الطلاب على خطى محمود سامي البارودي وأحمد شوقي في محاكاتهم للشعراء العرب الكلاسيكيين ووضع نسخة موازية للأغنية كان مطلعها "منصور، درّسني، درس الديانة علّمني، أنا هلأ هلأ هلأ.. بدي ديانة هلأ.. حبّوا الله كتير.." الخ. ولقت النسخة الجديدة رواجاً ونجاحاً شعبياً ونقدياً على حد سواء، ويبدو أنها أدت إلى ضغط نفسي كبير على أستاذ الديانة الذي لم يتحمل هذا القدر من النجومية المفاجئة دفعة واحدة. ذلك أنه في العطلة الصيفية ولدى توقف الأستاذ منصور ذكره الله بالخير في حارتنا لزيارة أحد الأقارب، بدأ أحد أطفال الحي بترديد الأغنية الشهيرة فما كان من الأستاذ الجليل إلا أن ترجل من سيارته السكودا البيضاء عملاً بالحديث النبوي الشريف: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. ووجه للطفل المسكين صفعة من يده اليمنى أتبعها بصفعة من يده اليسرى، أما أنا الذي كنت أرى ما أراه فأطلقت ساقي للريح خشية أن تصلني لطشة ما، وما فتئت أركض لغاية اليوم.

---

من الاختلافات "الثقافية" الغريبة فعلاً بين "الشرق" و"الغرب" مسألة إرضاع الأم لطفلها علناً، ففيما تتجنب العديد من الأمهات في عالمنا إرضاع أطفالهن في أماكن عامة كوسائل النقل العامة أو الحدائق خفراً وتحفظاً، تتجنب العديد من الأمهات فعل ذلك في دول غربية لأن كثيرين يعتبرون هذا الفعل مقرفاً ومثيراً للغثيان! وكثيراً ما يحدث أن تتعرض أم ترضع طفلها في مكان عام في دولة غربية إلى تعليقات نابية وشتائم وطلب صريح بأن تتوقف عن فعل ذلك فوراً وفي الحال.

 

الدهشة التي أصابتني لدى معرفتي بهذا الاختلاف الثقافي كانت مضاعفة بالنسبة لي شخصياً، إذ كان المشفى الوطني في درعا مسرحاً خلال المرحلة الإعدادية لرحلات سياحة جنسية كنّا نقوم بها زرافات زرافات بهدف اختراق قسم التوليد لمشاهدة السيدات المرضعات معتبرين ذلك خرقاً بورنوغرافياً في تلك الأيام العصيبة. وفيما كان الدخول إلى المشفى الوطني في أوقات الزيارة سهلاً نوعاً ما حين يختلط حابل الزوار بنابل المتطفلين والمتسولين والباعة المتجولين فإن اقتحام قسم التوليد كان يتطلب حذاقة وبراعة، إذ كنا نستغل الطفولة التي ما زالت طاغية على ملامحنا على حساب أوّل الشباب وندعي أننا إنما نريد الدخول لزيارة أستاذة مادة الموسيقى أو الرسم لا فرق التي أنجبت طفلاً جميلاً اسمه وسام أو وسيم لا فرق، ونحن هنا كطلاب مجتهدين لقول الحمد لله على السلامة لأستاذتنا التي نشتاقها كثيراً.

.

.

.

المزيد للكاتب ..

 

 

 



10 آذار 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة