728 x 90

محادثات دمشق بين مَسَد والنظام .. بداية تفاهم أم شرارة صراع؟

3653451007.jpg

 

 

 

ساد المشهد السياسي والإعلامي خلال اليومين الماضيين كثير من النقاشات والتساؤلات حول الاجتماع الذي عُقد في دمشق الخميس الماضي بين كل من مجلس سوريا الديمقراطية والنظام السوري، بهدف وضع الأسس التي تمهّد لحوارات أوسع وأشمل بين الطرفين، ولحل كافة المشاكل العالقة وتسوية الأزمة على مختلف الصُّعد، وفق بيان المجلس.

 

انقسمت الآراء في المناطق الكردية حول هذه المحادثات بين مؤيّد ومعارض، حيث اعتبرها البعض مفاوضات مباشرة، يمكن أن تسفر عن نتائج إيجابية، وبين مَن اعتبرها مجرّد بداية تسليم المنطقة للنظام. 

مجلّة (صُوَر) استطلعت آراء مجموعة من السياسيين والمثقّفين من أبناء المنطقة حول هذه المحادثات التي جرت في دمشق، في محاولة لاستشراف آفاق المفاوضات التي تمّ الاتفاق على بدئها، وما يمكن أن تؤول إليه من نتائج .

 

الدكتور أحمد يوسف أستاذ جامعي: 

 

تثبت الحقائق التاريخية أنه مهما كانت شدة الوطأة التي تقع على الأطراف المتنازعة، فإن الجلوس إلى طاولة المفاوضات هي الحالة المثلى لإنهاء الأزمات، وهي بلا شكّ تحتاج إلى المزيد من الجهود، خاصةً إذا كان أحد الأطراف كردياً، وذلك لأن الأكراد دائماً خسروا أمام الطاولة ما كسبوه في المعارك. لذلك نرى من حيث المبدأ بأن دعوة الحكومة السورية لمجلس سوريا الديمقراطية وتلبية الأخيرة للدعوة هي خطوة إيجابية، خاصةً جاءت في مرحلة توحي بأنها من نتائج قمة هلسنكي التي عُقدت لترتيب البيت السوري وفق أجندة تبعد التطرّف الإسلامي عن كونها أحد الأطراف في المعادلة السورية بعد فشلها الذريع في كل تجاربها الشرق الأوسطية، وهي بذلك تمثّل بداية لإستراتيجية أمريكية- روسية في الشرق الأوسط تقوم على التحوّل المرن من الحالة الجيوسياسية القائمة في المنطقة إلى حالة جيوسياسية جديدة، يكون للكرد فيها دور محدّد.

 

ما دمنا نرجح كفّة النجاح في هذه المفاوضات، فلا شكّ أننا ننظر بإيجابية إلى نتائجها على المنطقة الكردية، وإن لم تكن بمستوى الطموح الكردي في إقامة نظام فيدرالي في سوريا، وستنهي الكثير من الحالات الاستثنائية التي سادت فيها لعقود، وستتحوّل إلى منطقة جاذبة في مختلف المجالات.

 

 

الكاتب والصحفي فاروق حج مصطفى المدير التنفيذي لمنظمة برجاف للحرّيات:

 

اُسلوب الحوار أو المفاوضات وحتى الاتصالات السرّية أو العلنية، هي أساليب ناجعة في السياسة، ومن هناك لا يمكن لأي شخص يعمل أو يهتمّ بالسياسة أن يقيّم سلبياً ما يجري بين مَسَد وبين النظام، خاصة وأن الأوضاع في سوريا كلها متّجهة نحو التطبيع، لكن ما يثير التساؤل هنا على أي مسار يتمّ التفاوض؟ هل لأجل الوصول الى الاتفاق بين الكرد والنظام أم بين الإقليم الشمالي المعروف بمنطقة قَسَد؟ وخاصة أن الوفد مركّب من العرب والكرد، بمعنى أن التفاوض هو بين تعبيرات جغرافية والنظام، وليس بين الكرد والنظام ! في الحقيقة إن قطع الطريق أمام من يتربّص في المنطقة الكردية، وإيجاد آلية وطنية دفاعية، أمر مهمّ في ظلّ الهيمنة الإقليمية والتهديدات التركية، لكن ما هو مفاجئ أن هناك طرفاً كردياً فقط يفاوض أو يتحاور، وهو ما يشكّل نقطة الضعف في الآلية التفاوضية، فالمسائل المعلّقة أو ذات البعد المصيري تحتاج إلى دور الناس والقوى السياسية-الحزبية والمدنية في رسم المصير، وهنا المأخذ على الوفد المتواجد في دمشق.

 

نحن لا نتحدّث عن مسائل خدمية أو الإدارات المدنية للدولة، بقدر ما ننظر إلى المسألة من منظور له بعد سياسي، فلا يمكن حصر قضية كبيرة كالقضية الكردية في إطار تطبيع الأوضاع خدمياً بقدر ما إن مثل هذه القضية تحتاج إلى اتفاق بين الكرد ككتلة واحدة ومتّسقة مع النظام؛ لكي  يشكل هذا الاتفاق أحد المرجعيّات الأساسية  لصياغة الدستور الذي يدور الحديث عنه حالياً.

 

  هناك عدد من العوامل يمكنها أن تلعب دوراً، وأن تشكّل رافعة لنجاح أي اتفاق في منطقتنا، أولاً وجود إرادة شاملة لدى القوى الحزبية والمدنية والمجتمعية بالإضافة إلى  وجود سند أو غطاء إقليمي أو دولي أو حتى وطني، مثل المؤتمرات الوطنية،  ووجود إرادة حقيقية لدى النظام في إيجاد حلّ لمسألة حقوق المكوّنات، والمشاركة السياسية في الحياة العامة.

 

النقاط أعلاه لا تحقّق شرط النجاح لأي اتفاق فحسب، إنما تخلق بيئة مسؤولة لصياغة دستور قوي معبّر عن الكلّ، وينظّم مستقبلاً سعيداً للناس، غير ذلك فإن أي اتفاق معرّض للانهيار فور تغيير الشروط الموضوعية للاتفاق.

 

كرم دولي عضو المكتب السياسي في المنظمة الآثورية الديمقراطية:

 

لا أعتقد بأن تعبير "مفاوضات" يمكن أن يصف حقيقة ما يجري بين مجلس سوريا الديمقراطية والنظام السوري، فهي لا تملك اليوم الكثير من الخيارات في ظل ما تشهده الساحة السورية من توافقات دولية تمنح نظام الأسد القدرة على بسط سيطرته العسكرية بدعم روسي على كامل الجغرافيا السورية، وفي ظل موقف أمريكي يعرّف وجوده العسكري واهتمامه الأساسي فقط بقضيتي محاربة داعش ومنع التمدّد الإيراني، مع تفهّم للمصالح التركية حتى على حساب حليفه الكردي، وهو لم يعبّر على الأقل عن اعتراضه على الحوارات مع النظام. كما أنها أي "المفاوضات" لا تأتي ضمن مسار سوري شامل وبضمانات دولية، وكنتيجة لاتفاق سياسي شامل، بل تأتي في سياق طالما رغب به النظام، يتجلّى بالتعامل "بالقطعة" مع كل منطقة على حِدَة تهرّباً من عملية سياسية شاملة وفق قرارات الشرعية الدولية، والتي من دونها لا يمكن الحديث عن أي نتائج إيجابية لا بالمعنى الوطني ولا بدلالة الرؤية والأهداف التي أعلنتها مراراً الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية.

 

إن ما يجري الحديث عنه يقع في مستوى الصلاحيات الإدارية وضمن وعود بتعديلات لقانون الإدارة المحلية رقم 107، تتخلّى بموجبه السلطة المركزية، عن بعض الصلاحيات التنفيذية "غير السيادية"، بعيداً عن أي ضمانة دستورية. وهذا ما يمثّل مخاطرة حقيقية. وعلى سلطة الأمر الواقع أن تسعى للتقليل من تداعياتها، بالسعي لأن تضمن أطراف دولية، منع عودة تغوّل النظام الأمني وقيامه بعمليات انتقامية، والنظر للاتفاق على أنه جزئي ومرحلي تمهيداً لتسوية سياسية شاملة كفيلة بتحقيق انتقال سياسي حقيقي إلى طور الحرّية والديمقراطية وأن تتسلّح بموقف يستند إلى قاعدة من التوافق الوطني بين جميع المكوّنات والقوى السياسية في مناطق سيطرتها يساعد في حماية الأمن والسلم في المنطقة، ويمهّد المناخات لإنجاز التغيير الديمقراطي المنشود.

 

 

 

 مصطفى أوسو سياسي مستقل وناشط حقوقي يعمل في مركز "عدل" لحقوق الإنسان:

 

عموماً الحوار/التفاوض، هو الطريق الصحيح والأمثل لحلّ كافة القضايا والمشاكل القائمة/العالقة في المجتمعات البشرية متى كان ذلك ممكناً ومتاحاً. ولكن في حالتنا السورية أثبت "النظام" وخلال مسيرته الطويلة الممتدة منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن - خاصة في سنوات الأزمة القائمة في البلاد التي بدأت عام 2011 - عدم إيمانه بالحوار/التفاوض المفضي إلى تحقيق نتائج ترضي المجتمع السوري على اختلاف مكوّناته القومية والسياسية والدينية والمذهبية - مفاوضات جنيف التي بدأت عام 2014 لم تتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام - وهو كان ولا يزال يرى في الحوار/التفاوض، وسيلة من الوسائل للعودة بالبلاد إلى ما قبل 2011، بعد فرض ما يشبه "صكوك إذعان" على جميع الأطراف السورية المعارضة. كردياً، الحركة السياسية الكردية في سوريا تطالب منذ بداية الأزمة القائمة في البلاد وحتى الآن، بالحلّ السياسي المستند إلى القرارات الدولية، والذي يحقّق الحرّية والديمقراطية والكرامة لعموم الشعب السوري، ويزيل عن كاهله جميع أنواع الظلم والاضطهاد والاستبداد والديكتاتورية، وهذا طريقه يمرّ عبر الحوار والتفاوض، ولكن باعتقادي إن هذا يجب أن يستند إلى مرجعية سياسية كردية موحّدة، لها إستراتيجيتها المبنية على الثوابت القومية الكردية التي لا يمكن لأحد التنازل عنها مهما كانت الأسباب والمبرّرات، لأنها تخصّ الشعب الكردي عموماً بغضّ النظر عن وضع هذا الحزب أو ذاك المجلس أو تلك الإطارات السياسية، طبعاً مع عدم تجاهل وجود أطراف دولية ضامنة لتطبيق ما يمكن أن تسفر عنه تلك الحوارات/المفاوضات. في الحوارات/المفاوضات الجارية منذ أيام بين "مجلس سوريا الديمقراطية" و "النظام السوري"، هناك تجاهل تامّ لـ بقية الأحزاب والفعاليات السياسية والمدنية والثقافية والاجتماعية الكردية - بما فيها أحزاب الإدارة الذاتية - بمعنى غياب المرجعية السياسية الكردية الموحّدة، إضافة إلى عدم الوضوح في التمسّك بالثوابت القومية الكردية، مثل: اعتبار القضية الكردية في سوريا قضية أرض وشعب، ومحاولة تمييعها باستخدام بعض المصطلحات العامة والفضفاضة التي تغطي على الخصوصية القومية الكردية، وكذلك عدم وجود ضمانات دولية بتطبيق الاتفاقات الناجمة عنها. وفي الحقيقة أنا لا أرى في هذه الحوارات/المفاوضات، إلا محاولة للعب بالوقت، وإرسال رسائل متبادلة يريد الطرفان توجيهها إلى هذه الجهة الدولية والإقليمية والمحلية أو تلك.

 

 

داريوس درويش كاتب وناشط مدني:

 

المفاوضات بين مجلس سوريا الديمقراطي والنظام السوري كان لا بد منها، فالصراع السياسي بين الطرفين للسيطرة على المنطقة لم يتحوّل إلى صراع عسكري، إلا في حالات معدودة، ومن المنطقي أن يحلّ الصراع بطرق سياسية تمثّل المفاوضات المباشرة ذروتها. ولكن هذا لا يعني أنه ليس ثمة خطر من تدهور الصراع إلى حرب بين الطرفين، وفيما يبدو أن النظام المنتشي بانتصاراته في معظم مناطق المعارضة السورية، لن يقدّم تنازلات كبيرة لمَسَد التي تعاني بدورها من افتقاد تام للدعم الإقليمي، فيما يقتصر الدعم الدولي عسكرياً (الأمريكي بشكل رئيسي) على محاربة داعش. عدم تقديم النظام لتنازلات "محترمة" تعترف فيها على الأقل بنتائج الوضع القائم منذ أعوام في روجآفا وشمالي سوريا، سيعني أن احتمال اندلاع الحرب سيكون وشيكاً، إلا أن مَسَد تملك أوراقاً أخرى تستطيع استخدامها للحصول على تنازلات من النظام السوري، منها مثلاً جدّية الدعم الدولي في منع النظام السوري من السيطرة على المنطقة، وهذا ما شهدناه في القصف العنيف للتحالف الدولي على القوى الموالية للنظام، والتي هاجمت مناطق سيطرة قسد شرقي الفرات قبل نحو شهرين، ومنها أيضاً تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حول تضمين شعوب شمالي سوريا في محادثات السلام السورية. استخدام مَسَد لهذه الأوراق بشكل جيد سيمكّنها من تشكيل رادع أولاً أمام النظام من اتخاذ الخيار العسكري، وثانياً خلق دافع له لحلّ جزء كبير من الأزمة السورية.

 



30 تموز 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة