728 x 90

مجلّة صُوَر تحاور الفنّان يوسف عبدلكي

2950303487.jpg

 

 

نرى الكثيرين من السوريّين متمسّكين بتعبير "الثورة" رغم أن الحرب طحنتها

يوسف عبدلكي... يخرج عن طبيعته الصامتة ليلجأ إلى الجسد الإنساني

 

 

 

 *حاورته :أميرة سلام

 
 

يوسف، الإنسان والفنّان والسياسيّ، استقبلنا في بيته الشامي الجميل، فلن تجد صعوبة كبيرة في اكتشاف روعة المكان وجمال الطبيعة وشجرة الليمون في أرض الدار، ومَرسَمه مكان عمله، حيث تجد لوحاته في كل مكان، والمدفأة القديمة الجميلة التي كانت حرارتها تضفي على المكان دفئاً يلامس روح يوسف وبشاشة وجهه، فالتقيناه وكان حواراً صريحاً دون تحفّظٍ، وخاصة بعد الانتقادات والسجالات التي رافقت معرضه "عاريات" ، فكان واثقاً من كل شيء، مفعماً بالأمل رغم ضبابيّة المشهد العام.. وقال الحياة أبقى وأجمل، ويجب أن نعيشها بكل لحظاتها وتفاصيلها.. خرج يوسف عبدلكي عن طبيعته الصامتة ومن الجماجم والعظام البشرية، ليخرجنا معه من الرعب والهلع المحيط بنا من كل جانب ليذهب الى الجسم الإنساني في معرضه "عاريات" ليرينا أن الحياة أقوى من الموت، وبدأنا معه:

 

 

«عاريات».. ما هي الرؤية التي أردت إيصالها من خلال لوحاتك؟

 

 

الشغل على الجسد الإنساني هو شغل موجود منذ القديم، منذ أيام الكهوف إلى كل الحضارات، الفرعونية واليونانية والرومانية والرافدية والصينية وعصر النهضة...الخ، دائماً هناك حضور له مميّز وأساسي وقوي بكل أنواع الفنون، وبالتالي كل كليات الفنون عندما تريد أن تعلّم طلابها كي يتمكّنوا من هذه المهنة التي اسمها نحت أو رسم أو بقية فروع الفن التشكيلي، فدراسة العاري هي شيء أساسيّ، إلى جانب الموضوعات الكبيرة الأخرى.

 


دخول ثقافة البترودولار في منتصف السبعينات ثم انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في أواخر السبعينات، توسّعت موجة التشدّد الديني. كلتا الموجتين مدعومتين بمال نفطيّ هائل امتدّتا لكل الدول العربية، هذا أدّى ـ إضافة لعوامل أخرى ـ إلى أن يكون هناك تغيّرات اجتماعية في العديد من الدول العربية منها موجة الحجاب مثلاً. في مجال الفنون، كان في ستينات القرن الماضي في كلية الفنون الجميلة بدمشق موديل عارٍ، وفي جزء من السبعينات أيضاً كان هناك موديل عارٍ، ولكن في الثمانينات صدر قرارٌ بإلغاء الموديل العاري، وهذا ليس في سوريا فقط بل في العديد من البلاد العربية.

 


منذ الثمانينات تخرّجت عدة أجيال من كلية الفنون الجميلة في سوريا، ولم تقع عيني الطلاب على الموديل العاري ولم يعرفوه أو يتدرّبوا عليه.

 

الغاليري الذي أتعامل معها في فرنسا طلبت مني معرضاً لمجموعة من الأعمال التي اشتغلت عليها في الثلاث سنوات الأخيرة فخطرت لي فكرة عرضها هنا قبل سفرها إلى فرنسا، ليراها الفنّانون الشباب وألا يبقوا في هذا الطريق الضيّق الذي وضعتهم فيه كلية الفنون أو المناخ الاجتماعي المحافظ في البلد.

 

هذا بشأن المعرض أمّا رسم العاري نفسه فلقد ترافق هذا مع درجة القتل والموت التي عمّت ومازالت مستمرّة في مختلف المناطق، وهو أمر على درجة مخيفة من الوحشية، ممّا جعلني بعد أن كنت قد أنجزت الكثير من اللوحات ذات طابع سياسيّ والمتعلّقة بالثورة السورية وشهدائها، جعلني أنكفىء إلى منطقة الجمال في احتجاج غير مباشر على القتل وبشاعة القتل.

 

 

تعرّضت أنت ومعرضك «عاريات» لانتقادات وهجوم.. لماذا؟

 

الثورة السورية ثورة جبّارة بشجاعة الشباب الذين قاموا بها، وهي ثورة طالبت بالتحديث والديمقراطية لبلدنا، طالبت بالعدالة والحرية والكرامة والمساواة، وكلها أهداف نبيلة وسامية ومشروعة تماماً لأي شعب من شعوب العالم.

 

الذي حدث بعد أشهر من الثورة بسبب: أوّلاً العنف الفظيع للنظام في مواجهة المتظاهرين السلميّين، ثم بسبب استغلال دول الإقليم والعالم مثل أمريكا، وقطر والسعودية وتركيا، في ضرب ما يسمّى «القوس الشيعي»، إيران والعراق وسوريا وحزب الله، وأن يفكّكوه بشكل أو بآخر عبر ضرب حلقة من حلقاته.

 


تبيّن فيما بعد أن التسليح والتمويل والطائفية لدول الإقليم لا تقلّ عن عنف النظام وميل الطائفية فيه، فصرنا بعد سنة أمام خارطة جديدة ليس لها علاقة بخارطة الثورة السورية الشابة والمحقّة والشجاعة.

 

هذه الخارطة جديدة تتلخّص بـ: مواجهة بين النظام وحلفائه الخارجيين الإيرانيين والروس وحزب الله من جهة، ومجموعات مسلّحة من مختلف الأهواء مدعومين بشكل مباشر من الخارج الخليجي والأمريكي والأوربي من جهة أخرى.

 

 

صرنا أمام حراك مسلّح ليس له علاقة بالثورة، وهو حراك له عشرات الرؤوس بحسب مصادر التمويل. تحوّلت الثورة، من ثورة شعب سوري إلى حرب إقليمية ودولية وطائفية على الأرض السورية وبالدم السوري وبأهداف غير سوريّة على الإطلاق.

 

صرنا أمام الوحشية. فالشعب السوري هو من يدفع الضريبة سواء من طائرات النظام، أو من عنف المجموعات المسلّحة..

 

في لحظات، الهزيمة الشجاعة هي ما ينقص البشر.

 


الاعتراف بهزيمة ثورة 1905 هو ما قاد البلاشفة لانتصار ثورتهم عام 1917 فمن خلال سفري أكثر من مرّة للخارج، رأيت مزاج السوريين هناك، ولامست آراء الكثيرين منهم في تشبّثهم بفكرة أن الثورة مازالت قائمة، الحقيقة أن إقرار المرء بالحقائق المرّة أمر صعب للغاية، لذا نرى الكثيرين منهم متمسّكين بتعبير «الثورة» رغم أن الحرب طحنتها..

 

 

المسافة كبيرة بين الأمنيات والرغبات، وبين الوقائع على الأرض، فالوقائع على الأرض بشعة وكريهة ومدمّرة للأعصاب.. وأعتقد أن هذه واحدة من أسباب الهجوم على المعرِض هو عدم قبول عدد كبير من السوريين في الخارج والذين كانوا منخرطين في الثورة في يوم من الأيام أن يعترفوا أنها لم تعد موجودة، بالإضافة إلى أن هناك فئة قليلة، تتاجر بالثورة السورية، وهم على علاقة بشكل أو بآخر بدول الإقليم الداعمة للحرب في سوريا ولهم علاقة بالمنصّات الإعلامية الداعمة أيضاً للحرب في سوريا سواء صحف أو فضائيات.. لكل ذلك تمّ الهجوم على المعرِض من قبل هاتين الفئتين، رغم الهوّة الواسعة بينهما.

 

 

أعتقد أن أهمّ أهداف السوريين الآن في كل المناطق ومن كل الانتماءات هو الخلاص من الحرب. فالخلاص منها هو هدف كبير لهم، وبغضّ النظر عن شكل النظام الذي سوف يأتي..

 


لابدّ من الاعتراف أن الحياة أقوى من الحرب. النظام يقوم بنشاطات اجتماعية وثقافية ليقول للعالم إن الوضع في سوريا سليم وطبيعي.. فهل هذا يمنع الناس والمواطنين العاديين الذين لا علاقة لهم بالنظام أن يمارسوا نشاطاتهم الثقافية والاجتماعية؟، أنا برأيي لا، لكن يوجد اشتراط لا يمكن التنازل عنه هو لا يستفيد النظام من هذه المشاريع، سواء لها علاقة بالفن أو بالكتابة أو أي نشاط ثقافي.. نحن كمواطنين في الداخل من حقّنا أن نمارس حياتنا بما تتيحه لنا الظروف الصعبة والمريرة التي نعيش فيها، أمّا إذا كانت النشاطات في موقع يستفيد منه النظام أو دعاة الحرب والمجموعات المسلّحة فأنا ضدّ هذه النشاطات.. وأنا أعتقد أن معرضي لم يكن برعاية أي طرف رسمي وخارج دعاية النظام وإعلامه وهو نشاط مستقلّ. نحن شعب يحقّ لنا أن نعيش، وقوة الحياة لدينا أقوى من قوة الحرب.

 

لا يجب على الفنان المستقلّ حقاً أن يتردّد في عرض أعماله حتى في بلد لا تحكمه إلا الأبالسة. لأنه وقتها عمله يخاطب أبناء بلده وأبناء بلده وحدهم.

 


لماذا تمّ إغفال فترة اعتقالك بلوحاتك؟ وهل عدم إشارتك لها من أجل نشر ثقافة التسامح؟

 

السياسة لا علاقة لها بالحقد.. الذي يريد أن يعمل بالسياسة لا يفكّر بالحقد، فالحقد شيء غرائزي وتدميري وبدوي. السياسة هي برامج وطموحات وصراعات مصالح وإرادات ولكنها ليست أحقاداً، حتى عندما يرتكب الطرف الآخر جرائم.. فبعد خروجي من السجن في الفترة الأولى وبعد ما يقارب العشر سنوات رسمت مجموعة من اللوحات عام 1989، ليس لها علاقة بالسجن، بالمعنى المباشر. رسمت مجموعة من الأعمال أسميتها «أشخاص»، هي بالحقيقة ثلاثة أشخاص لهم ملامح قاسية وعندهم أوسمة وأوشحة ونياشين ويوجد علامات إلى كونهم رسميّين وعسكريين، أنا أعتبر هذه المجموعة بشكل أو بآخر هي تصفية حساب غير مباشر مع فترة السجن. أعتبر السجّان الذي يسجنني هو نفسه ضحية، فالمصيبة هي في النظام السياسي الذي يشرّع الاعتقال بسبب خلاف في الرأي، ولكن السجّان الذي يسجن ويغلق الباب عليك أو ينهال عليك ضرباً أعتبره ضحية مغسولة الدماغ..

 

في بداية الثورة كنت سعيداً ومتفائلاً جداً، ولكن مصدوم في نفس الوقت بسبب العنف.. تخرج مظاهرة سلمية لا يوجد بين أيدي الشباب سلاح ولا أية أدوات عنف فيواجههم الجيش والأمن بإطلاق الرصاص، لماذا؟ فهؤلاء أولاد بلدنا وليسوا من كوكب آخر.. ذُهلت من درجة العنف المجّاني تجاه المتظاهرين والشيء الذي جعلني أشتغل على الشهداء وعلى أمهات الشهداء وليس على المعتقلين أو اللاجئين مثلاً.

فكنت دائماً أتخيّل الأم التي عندها أولاد ويذهب واحد منهم للتظاهر ثم يعود إليها جثة.. هذه الجريمة التي ليس لها حدّ أو وصف.. بالحقيقة عملت على الجانب المؤلم في الثورة السورية، أحسست أنه بمسّني وجدانياً..

 

علينا أن نثق بالفنانيين السوريين في تعبيرهم عن هواجس وطموحات أبناء بلدهم. أعطوهم قليلاً من الوقت.

 


أنت فنّان وعضو في هيئة التنسيق.. كيف ترى المشهد.. وأين هي الهيئة اليوم؟

 

في الشهر العاشر من العام 2011 وكانت هيئة التنسيق لم تُعلن بعد، ولاتزال في إطار المشاورات، وكان وفد الهيئة في القاهرة للقاء نبيل العربي، وجرى اتّصال معهم من إحدى الدول الخليجية، فتمّ الطلب منهم بمنتهى الوضوح والمباشرة أمرين، الأول: أن تطلب الهيئة تدخّلاً عسكرياً خارجياً، والثاني بأن يتلقّوا الأموال منهم حصراً، وليس من أية أطراف أخرى.. فكان جواب حسن عبد العظيم وعبد العزيز الخيّر، بأن رفضوا هذا العرض وقالوا لهم، بأن إحدى الأسس الثلاثة لقيام هيئة التنسيق هي وقوفها ضدّ العنف (ولم يكن حينها غير عنف واحد هو عنف النظام) وضدّ الطائفية، وضدّ التدخل العسكري الخارجي، أمّا مسألة التمويل، فأعلموهم بأن الهيئة لا تقبل أن تتموّل منهم أو من غيرهم، فهي هيئة مستقلّة.

 

 

قبل أن يعود هذا الوفد إلى دمشق، كان الهجوم الخليجي قد بدأ على هيئة التنسيق باعتبارها هيئة «موالية» للنظام، ونحن للأسف أمام مدفعيّات ثقيلة في الإعلام، ولسنا أمام جريدة تطبع عدّة آلاف من النسخ! نحن أمام فضائيات يراها عشرات الملايين من العرب كل يوم، فاستطاعوا أن يخلقوا جوّاً بمنتهى السلبية ضد هيئة التنسيق، وبالمقابل يساندوا دعاة التسليح الموجودون بالخارج، هكذا أصبحت الهيئة ضحيّة لهذا الضخّ الإعلامي العريض والمتواصل على مدى أشهر وسنوات.

 

فهيئة التنسيق كانت ترى أن العنف سوف يدمّر البلد وأن العنف سوف يجرّ العنف، لذلك كانت ضدّه، إضافة إلى معرفتها أن بلدنا قائم على توازنات طائفية وبالتالي هذا الشحن الطائفي سيفجّر شحناً طائفياً بالمقابل! وان التدخّل العسكري الذي حدث في ليبيا والعراق، حوّل البلدين من دول محكومة من الاستبداد والقمع إلى دول مفتّتة فاسدة وغارقة في حروب لا تنتهي، فالتدخّل الخارجي في هذين البلدين أعطى مثالين مخيفين، لو كان هذا التدخّل الخارجي أتى إلى بلد من البلدان وخلع النظام أو الحاكم وأحلّ محلّه نظاماً ديمقراطياً يحترم حقوق الإنسان، ويحترم الحرّيات وتداول السلطة، لكان كل الناس يتمنّون أن تتدخّل الدول الكبرى في بلادهم! ولكن النماذج التي أمامنا هي سلبية، نماذج تفتيت البلاد وتدميرها وتقسيمها. هذا كان موقف الهيئة مع أن الطرف المقابل المرتبط بالخارج والذي كان يدعو كل يوم للتدخّل العسكري، وبعد ستّ سنوات أصبحت الأطراف الخارجية وأجزاء من الدول الداعمة الإقليمية تذهب باتّجاه المفاوضات، أي أن رؤية الهيئة كانت الصائبة، والحلّ العسكري فشل تماماً، لكنه بالإضافة لفشله تمّ القضاء على مئات آلاف السوريين وتدمير نصف مدنهم وتهجير نصف سكان البلد!!

 

يا لبساطة الثمن!!

 

ليس لديهم النزاهة والجرأة ليقفوا أمام أنفسهم ويعترفوا بجريمة ارتهانهم للخارج، ويعترفوا بفشلهم وبفشل خياراتهم قبل سنوات. بالطبع فالنظام هو من يتحمّل الجزء الأول والأكبر من هذا الدمار، ولكن هم أيضاً يتحمّلون جزءاً من المسؤولية سواء كمعارضة خارجية أو كمجموعات مسلّحة أو كدول إقليميّة. كلهم لديهم حصّة بنهر الدم السوري ولا أحد يعترف.

 

 

أمّا أين هيئة التنسيق اليوم؟، فأنا أعتبرها مثل أي تحالف سياسيّ في أزمنة الحرب، ليس لها دور بارز، ففي أزمنة الحرب يكون الدور للعنف والرصاص والدبابات والطائرات، مثل أي حزب أو تحالف سياسيّ، لها دور حقيقي بأيام السلم، وتشكّل نوعاً من البوصلة السياسية والوطنية للناس، ولكن بالطبع ليس لديها القدرة لتفرض خياراتها.

 


لماذا اللون الأسود هو الطاغي؟ هل له علاقة بالمرحلة الحاليّة أو بالخوف؟

 

الرسّامون الذين يعملون على سطح، في نهاية الأمر ينقسمون إلى اثنين:

 

الرسّامون، الذين يعتمدون على الخط والأبيض والأسود في بناء اللوحة، والملوّنون الذين يعتمدون على الألوان الحارة والباردة في بنائها، علماً أن هذا التقسيم ليس تقسيماً حادّاً، فلا يوجد خط فاصل بين الملوّنين والرسامين فكل الملوّنيين رسموا وكل الرسامين لوّنوا أيضاً، ولكن توجد ملكات أرقى في هذا الحقل أو ذاك.. أحيانا تتجلّى الإمكانيات الحقيقية والأعلى لأحدهم في الرسم، بينما تكون الإمكانيات الحقيقية والأعلى لآخر بجهة اللون.

 

عندما كنت في كلية الفنون عرفت في وقت مبكّر أنني رسام أكثر من كوني ملوّناً، وبالتالي أعمل بالأبيض والأسود التي هي أدوات الرسام، هذا لم يمنعني عن العمل على الألوان مثل مجموعة «الأشخاص»، التي أنجزتها بخليط من الألوان الترابية وألوان الباستيل.

 


في لوحة «السكّين والعصفور» هل أعلنت انتصار القاتل؟

 

ما كان يدور في ذهني هو المقابلة بين العنف والشراسة وبين الوداعة والجمال، هذا ما أردته. المقابلة بين الطرفين النقيضين، وهي تناقضات موجودة بكثرة في لوحات أخرى، مثل السمكة المربوطة بحبل يعصرها عصراً، أو سمكة مضروبة بمسمار، المقابلة بين القسوة والشراسة والعنف وبين الوداعة والإنسانية والرقّة.

 


ولكن لماذا هذا التناقض؟

 

هذه التناقضات موجودة في حياتنا الاجتماعية وفي حياتنا السياسية، لننظر حولنا، لا نشاهد سوى العنف والضحايا للأسف. على كلٍّ إن كان لابدّ من تحديد لمن تنتصر لوحتي، فهي قطعاً تنتصر للضحية على القاتل، على وحشيّته. ما يصل المشاهد منها هو تعاطفه مع الضحية ضدّ العنف والبطش. حتى عندما يكون همّ لوحتي التناقضات فهي تعرف مع من تصطفّ.

 

يوسف عبدلكي أنت ابن القامشلي.. ماذا تعني لك؟

 

سؤال صعب.. القامشلي كانت مدينة بديعة عندما كنت فيها، عشت فيها 15 سنة تقريباً، كانت مدينة خليط سكّاني بديع، فيها عرب وأكراد، أرمن وسريان، بدو وآشوريين ومحلّميّة.. خلطة رائعة، الناس تعيش بدرجة من السلام والسلاسة غير قابلة للتصديق. وأعتقد أن الشيء الذي صنع هذه الدرجة من السلم والتعايش الجميل أنهم كلهم كانوا مهاجرين، أي لا يوجد سكان أصليين يمارسون فوقيّتهم على المهاجرين، ولأن القامشلي والحسكة مدينتان صُنعتا بقرار سياسي أيام الاحتلال الفرنسي سنة 1924 على ما أعتقد. كانوا يريدون أن يبنوا حواضر للزراعة الحديثة في الجزيرة.. القامشلي التي في ذهني على درجة من الجمال من النادر أن نراها في مكان آخر.

 


هذه المدينة لم تعد موجودة بالعشوائيات التي فيها، والإهمال، وغلبة اللون الواحد.. القامشلي الآن لا علاقة لها بما هو موجود في ذاكرتي. القامشلي القديمة سوف تبقى موجودة في رأسي مثل الحلم.

 

 



06 نيسان 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة