728 x 90

مجلّة صُوَر تحاور الطبيبة والروائيّة نجاة عبدالصمد

3382149299.jpg

أيقظتِ الحرب إرادة المرأة، وإدراكها لدورها، ولعلّها تكمل صحوتها وتبدأ بتربية الذكور والإناث معاً على الثقة بالنفس، لا أن تكون الأمّ نفسها نصيرة ابنها الذكر أكثر من الأنثى.


اشتدّت الحرب، وطالت سنوات القصف وكثر الجوع، وخنق الموت والنزاع والدسائس روح المدينة، وهجرتْها الرحمة. والانتظار طال، ولا تبدو النهاية قريبة ولا واضحة بقدر ما هي مفتوحة على أكثر من سيناريو، وجميعها مأساوية.

عام 2010 صدرتْ (بلاد المنافي)، أولى روايات الأديبة "نجاة عبد الصمد"، رصدتْ فيها حكايات اغتراب الشباب للعمل في منافي قسريّة اضطرّوا إليها حين فقدوا فرص العمل في بلدهم. وفي كتاب مرويّاتها "غورنيكات سوريّة" (2013)، عبد الصمد التقطت تفاصيل ظنّتْها قد تُنسى وتندثر عن الموت السوريّ الحاضر، وتبيّن ألّا شيء يشحن الذاكرة كما تفعل الحرب. وفي مرويّاتها التالية: "في حنان الحرب" (2015)، رصدت الوجه الآخر للحرب، كيف ينهض المنكوبون من قاع خساراتهم ويصنعون لأنفسهم مصائر جديدة، وكيف لا تموت روح الإنسان ما دام فيها رمق. وفي (2017) صدرت روايتها الأخيرة: "لا ماء يرويها" لتعود بها إلى النصف الأخير من القرن الماضي، وتروي فيها سيرة العطش في مدينة السويداء. وكان لمجلّة صُوَر هذا اللقاء مع الطبيبة والروائيّة نجاة عبد الصمد.

عيادتك أصبحت سيركاً آدمياً، ليس فقط للتداوي والمعالجة وإنما مكانا للبوح والتنفيس عمّا يعتريهم من مأساة، كيف أصبحت كذلك؟

أنا طبيبة في اختصاص التوليد والجراحة النسائية قبل أن أكون روائية. وحين بدأ النزوح السوري الداخلي لم تَعُد عيادتي للتداوي فقط، بل ومعه إمكانيّة البوح عن المآسي الفردية لكل امرأةٍ كانت تضجّ بآلام الجسد والروح. وماذا قد يفعل الطبيب إن لم يستمع إلى مرضاه قبل أن يبدأ علاجهم؟ قابلتُ في عيادتي نساءً فقدْن كل شيء، كنّ بحاجة للتفهّم والعون والإرشاد والعلاج، كنّ غريباتٍ عن المكان ويجهلْن طبيعته وعاداته، ولا يعرفْن كيف يتحرّكْن فيه، وكانت كثيراتٌ منهن تعرّضت لأكثر من شكلٍ من العنف والاعتداءات، وبحاجة إلى الدواء وإلى الولادة الآمنة. وما كان بإمكاني إلا أن أترك باب عيادتي مفتوحاً، أن أفعل ما أستطيع، فالطبّ هو أخلاق قبل كل شيء. وكثيرٌ من الأطباء قاموا بدورهم وكانوا "حكماء" حقاً، وكذلك في باقي المهن. ساعد السوريون بعضهم البعض أكثر من الحكومات والمنظمات، وبذلك قدّموا أنفسهم سوريّين وطنيّين وإنسانيّين.

تستقي عبد الصمد حكاياتها من يوميّات الناس وتصوغها في مشاهد متمهّلة مكتوبة بعناية، فنقرأ فيها هذه الهشاشة الداخلية التي تعتري روح الإنسان الذي هبطتْ به المأساة من حياةٍ عادية إلى شتاتٍ كامل. لم تنسَ ذاكرة الكاتبة أيّاً من هذه الحكايات..

طيلة ستّ السنوات الماضية كنتِ من الأشخاص العاملين في مجال الإغاثة. ما هي أبرز المصاعب التي واجهتك، أو ما هي القصة التي لا تزال عالقة في ذهنك في هذا المجال؟

القصة التي حفرت أعمق وأعمق كانت عن الطفلة زينب عندما سقط برميلٌ متفجّر على بيتها في درعا، مات اثنان من أهلها قبل الوصول إلى المشفى، وكانت ممدّدة في الكوريدور، وقد ظنّ شباب الإسعاف أنها ماتت، لكنّ الطبيب الذي كُلّف بإثبات واقعة الوفاة اكتشف أن الطفلة ماتزال حيّة، حملها بنفسه راكضاً بها إلى غرفة العمليّات وشقّ بطنها ورأى النزف الداخلي في حين لم يكن على سطح جلدها أي جرح، من أين جاء هذا النزف؟! جاء من معدتها التي ابتلعتْ قطع البلوك كما يبدو حين صرخت دون وعي لحظة سقوط البرميل، ونزلت قطع البلوك إلى معدتها ومزقتها. ماتت بعض أخوات زينب وزرع سيخ الحديد في يد أمها ونجتْ، وبقي أخوها الوحيد في قسم الحروق غائباً عن الوعي لأيام لأن جلده كان محروقاً بالكامل، وأفاق من غيبوبته على أصوات إطلاق الرصاص في باحة المشفى بمناسبة تشييع شهيد من الجيش السوريّ، واختبأ تحت السرير، وتبيّن بالفحص أن سمعه تدنّى كثيراً وكاد يعمى لكن الطبيب طمأن أمه أنه قد يتحسّن قليلاً. كانت العائلة كلها في المشفى لكنّ أحداً منهم لم يعرف أنّ باقي عائلته موجود معه في المشفى نفسه لكن في أقسام مختلفة من المشفى، هذه المشاهد واقعية.

هل نحن نكّارون أم أوطاننا ساديّة؟ هو تساؤل لك، هل وجدت جواباً عليه؟!

       نحن، أبناء هذه البلاد، أقدار هذا الشرق ألا ينهض من حربٍ قبل أن تبدأ الحرب التالية. العالم كله مذنب ومن قبله الديكتاتوريات والتطرّف، ونحن نكّارون في تأخّر وعينا وفي خلافاتنا وفي صمتنا أحياناً وفي تخاذلنا وعدم احترامنا لذواتنا أحياناً أخرى، تتراكم الأخطاء فينا وحولنا، ويتراكم الصمت والسكوت والاستحقاقات والتأجيل والتعامي عن الخطأ إلى أن يحدث الانفجار..

مشروع تشكيل فريق دعم نفسي يؤازر مرضى الحوادث أو السقطات التي لن تنتهي، أين أصبح؟

كانت البداية عندما أصبت بحادثة كسرٍ وتمزّق في يدي اليمنى، هذه اليد التي هي رأس مالي الكلّيّ في الطبّ وفي الكتابة، وساعدني الكثيرون من المحيطين لأتعافى، بعدها بدأ العمل من تلقاء نفسه مع فريق من الشباب والصبايا في المدارس الثانوية والجامعات، هم وحدهم نهضوا بالعمل دون علاقة بأية مؤسّسة داعمة أو مرشدة، كان حراكاً أفقياً بين الناس، وامتدّ واتّسع، عملٌ مع الأطفال والنساء والشباب، تدرّبوا بأنفسهم وبدعم بعضهم بعضاً على مواجهة مصاعب الحياة، ملؤوا وقتهم الذي كان يمكن أن يُنفق في المقاهي والشجارات وتعاطي الحشيش وركوب الموتورات، حضروا أنشطةً في المركز الثقافيّ والملعب البلدي، زاروا العائلات المصابة، قدّموا لأطفالها الهدايا مثل الكتب والدفاتر، قاموا بحملات التنظيف في الشوارع والأحياء.. كان ذلك شكلاً من أشكال التعاون الإنساني، وكأنهم بشكلٍ ما أنقذوا أنفسهم من الانحراف. لكن المشروع لم يستمرّ كما ينبغي لأن قسماً من الشباب عاد ليتفرّغ لدراسته، وكفّ بعضهم عن العمل بسبب التعب، وسافر كثيرون منهم خارج البلد حين حلّت موجة اللجوء، ومازال أفرادٌ منهم يتابعون كأفراد كل حسب إمكانيّاته. كلُّ عمل اجتماعي أو تطوّعي هو عمل إراديّ بحت، ويحتاج إمكانيات عالية ونَفَساً طويلاً.

بحكم تجربتك في الدعم النفسي والإغاثة خلال السنوات الستّة الماضية.. كيف رأيتِ دور المرأة السورية؟

في الحرب يتضرّر الجميع، والنساء والأطفال أكثر من يتضرّر. غاب الرجال إمّا في ساحات القتال أو أنهم سافروا أو تشوّهوا أو قُتلوا، ووقع عبء الأسرة وكامل مسؤوليّاتها وتمويلها الاقتصادي على المرأة، بالإضافة إلى جرحها الشخصيّ، وهذا ما وثّقته في "غورنيكات سوريّة"، أمّا "في حنان الحرب" فقد رصدتُ تبدّل الوعي الجمعيّ لجميع الفئات، وكيف بدأت تخرج من مآسيها وتتدبّر مصائرها الفردية وتبني نفسها. أيقظت الحرب إرادة المرأة، وإدراكها لدورها، ولعلّها تكمل صحوتها وتبدأ بتربية الذكور والإناث معاً على الثقة بالنفس، لا أن تكون الأمّ نفسها نصيرة ابنها الذكر أكثر من الأنثى. انتبهت كثيرٌ من النساء إلى ضرورة تنظيم الأسرة بعد أن كنّ لا يفعلْن شيئاً سوى الإنجاب. هذه الدروس لم تكن لتصل إليهنّ لولا الحرب والنزوح ومرارة التجربة.

في روايتيك "بلاد المنافي"، "لا ماء يرويها" رصدت الطبيعة السياسية والاجتماعية لمحافظة السويداء.. كيف تقيّمين المشهد في هذه المحافظة في ظلّ الانقسام الذي تشهده سوريا؟

الأرض في السويداء قاحلة ووعرة وعطشى منذ سكنها أهلها، والمأزق الاجتماعيّ الذي أصبحت عليه السويداء اليوم، والتشرذم وتفكيك المجتمع وانقلابه على نفسه، وصعود القيم السلبية، وطغيان الشرّ والفوضى والأذى، وانكفاء المتنوّرين في بيوتهم. ليست هذه المرة الاولى التي تعيش فيها السويداء هذه التجربة، فقد عانتها أيام الاحتلال العثماني وفي حملة إبراهيم باشا وفي ثورة العامية والثورة العربية الكبرى والثورة السورية الكبرى وفترة النضال السياسي حتى ثورة الشعبية، كانت في تاريخ مجتمعنا المحلّيّ دروسٌ علينا أن نأخذ الجيّد منها، وأنّ مصير أهل البلد كلهم واحد، ولسنا نحن ولا سوانا في منأى عن أي خطر، وربما بانفتاح العقل وانفتاحنا على الآخر قد ننجو من العطش الذي لا يهدّد السويداء وحدها بل يهدّد كل مكان يخلو من العدالة. 

•      ما هو حلم نجاة عبد الصمد؟

       أن أكتب كتاباً مختلفاً، (كتاب استثنائي)، فالكتب كثيرة في الحياة على عدد العشب البري، إنما على الكاتب أن يلتقط فكرة مختلفة، جديدة، عمليّة، ويستطيع تقديمها في لغةٍ جيدة وبنيانٍ متين.. أحلم بكتابة هكذا كتاب، لكنّ الكثير ينقصني قبل أن أنجزه، فأنا ما أزال في أوّل الطريق..

في داخلها صوت يقاتل لا بصخبٍ ولا بسلاح، إنما بالتصميم على الفكرة وخطّ مسارٍ إيجابي عبر كل خطوة تخطوها. واجهت عبد الصمد مصاعب كثيرة واستطاعت أن تنجح وتعمل على نفسها كل يوم، وكأنها تقول: لا يكون الإعمار إلا بالعمل، العمل أولاً وثانياً وعاشراً، العمل قيمةٌ للإنسان قبل أن يكون مصدر رزقٍ أو مكانةً أو امتيازات.

 



28 آب 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة