728 x 90

مجلّة صُوَر تحاور السيدة فدوى محمود

3316453413.jpg

 

 

 

عبد العزيز الخيّر: لم يغضب (من) راشقِيه بالبيض والاتّهامات ، زعل  (عليهم)

أنتظر بروح العاشقة، وقلب الأم ، وعقل المواطنة

 

 

 *حاورها : نوفا يازجي  

 

 

عبد العزيز الخيّر، الطبيب، السجين، المغيّب، ربما سيبقى السؤال بالغ الصعوبة، العصي على أيّة إجابة، لا لتعقيد بالرجل، وإنما لكونه الاستثناء في المعادلة السوريّة الصعوبة.. المعادلة وقد باتت تتنقّل من مستحيل إلى مستحيل، وقد كان هذا الرجل واحداً من الاستحالات السوريّة.

 

- الاستحالات ؟

 

نعم، استحالة "الزهد" وسط لعبة التكالب على البلاد لتمزيق البلاد، واستحالة إنتاج قوّة المعنى وسط غياب قوّة المعنى لحساب معاني القوّة بدءاً من السواطير وصولاً إلى المفخّخات ورشقات الرصاص.

 

 

من هنا تأتي صعوبة وصف هذا النوع من الرجال، ليكون الرجل الصعب، وهو الأبسط من قطرة الندى أو دمعة العين.

 

فدوى المحمود.. شاهدة وزوجة، وفوق ذلك هي أمّ.

 

زوجة عبد العزيز وأمّ رفيقه المختطف ، فماذا على الزوجة أن تقول؟ وما على الأم أن تحكيه، لقد لخّصت الكثير ممّا يمكن أن يُقال ، كان ذلك في كلمة ألقتها وسط مجاميع ناس في بروكسل، ولهذا لن أكتب مقدّمة لحوار وهي التي قالت:

 

جئت إليكم لنعيد للمعنى قيمته بعد أن أضاعته لعبة المصالح  الصغرى، والإرادات الصغرى والضمائر المُباعة، جئت إليكم حاملة رسالة لم يفوّضني بها أحد، هي رسالة أمّهات ثكالى، وأطفال فقدوا الآباء، وزوجات ينتظرْنَ على نوافذ الروح عودة الأحبّة من سجون ظالمة مظلمة، وبأيديهم قطف الورد وأغصان الزيتون، لا الموت المدمّر ولا الكيد الذي لا ينتهي، وكانت هذه رسالة عبد العزيز، رسالة مناضل عرف السجون ووحشة المنفردة وصمت المكان وتصميم رجل لا يكلّ ولا يملّ، ولا يملّ من طلب العدالة والحريّة والاستقلال الوطني وسلطة الشعب التي لا تعلو عليها سلطة، فهي امتداد الله في الأرض إذا كان لله معنى.

 

لست هنا لأطالب بالكشف عن مصير عبد العزيز، جئت لأقول: تعالوا لنوقف نزيف البلاد.  تعالوا لنحمي من  تبقّى من شبابنا وقد باتوا تحت التراب أو في مياه البحار الهوجاء أو تحت وابل اليأس وافتقاد الأمل.

 

جئتكم لأقول : ما من أوطان تُبنى بالكراهية، وما من حريّة تُنتزع بتقليد الطغاة ، الحريّة تُؤخذ بالمحبة، والمحبة سلاحنا  حتى والساطور يحزّ أعناقنا، هذا هو عبد العزيز الذي عرفته كما عرفه رفاق دربه الطويل، رفاق السجون، رفاق التخفّي،  رفاق القلب الساخن والعقل الساخن والضمائر المتوقّدة.

 

وهذا نصّ حوارنا مع فدوى محمود:

 

في كلمة لك، وكانت أمام  جمهور واسع من السوريين معظمهم من الكُرد، أبديت تسامحاً لا حدود له مع مختطفي زوجك وابنك، كلامك ذكّرني بروح نيلسون مانديلا.. هل تكرّرين هذا الكلام الآن؟

 

لن أكرّره، سأقول ما معناه، لا تكره قاتلك، قول ذلك ليس استغراقاً في الصفاء الإنساني، بل من أجل أن تبقى البشرية مبصرة، فكما يقول غاندي، إذا ما فقأت لك عينأ وفقأت لي عيناً فسنخرج كلّنا إلى الحياة عميان، لقد تعلّمت أن الثأر والكيد السياسي لا يبني وطناً، ولا يكرّس عدالة، الأخطر من هذا وذاك أن يأخذك خصمك إليه، أن يشكّلك على شاكلته، عند ذلك ينتصر عليك مرتين، مرة بقتلك جسدياً وثانية بسلب الروح الطيّبة منك، الأوطان تُبنى بالمصالحة والشراكة، بالمكاشفة، وهذا لا يعني التنازل عن الحقّ، بل الاهتداء إلى الحقوق بعزل روح الثأر وإحلال روح البناء، لقد اختبرنا الكيد السياسي بما آل إليه من نتائج مؤسفة في بلادنا، كنّا مظلومين في بلاد محكومة للطغيان، ومازلنا محكومين للطغيان ولكن بلا بلاد ، لقد تضاعفت خسائرنا.

 

عشتِ السجن والتخفّي، وتعايشتِ مع سجناء ومتخفّين، هل انتابتك مشاعر ندم عن الأثمان التي دفعتِها أنت وعائلتك مقابل مواقفكم في السياسيّة؟

 

لا.. ليس بهذا المعنى، ولكن لا أخفي عنك، ليس ندماً ولكن خيبة أمل،  فالسجن، وقبله النضال من أجل الحرّيات والعدالة والاستقلال الوطني، لم تكن مرحلة مغامرة بالمعنى الصبياني، لقد كانت رهاناً على حركة شعبية تعيد للناس إرادتهم، وصوتهم وكرامتهم الوطنية، وما حدث، كان على غير المأمول، لقد  انساقت البلاد إلى غير ما اختار أبناؤها، السوريون ومنذ أزلهم أبناء المدنيّة، أبناء البحر والسهل والجبل وثقافات التنوّع، ما حدث أن الأحداث ساقتهم إلى غير ما اختاروه، أخذتهم إلى بحار من الدماء، إلى لغة ليست لغتهم، لغة السوري ليست لغة الطائفة والمذهب والتكفير والتكفير المضادّ، السوري زارع قمح وزيتون ومشمش وعنب، السوري مكتشف البحر وروح المغامرة، لم أندم لحظة على ما دفعناه من أجل كرامة إرادتنا، ولكن ثمّة خيبة، خيبة وغصّة موجعة.

 

اليوم وبعد ما يزيد عن خمس سنوات من الحرب السوريّة، هل ترين ولو نافذة أفق لحلّ ما، يستعيد ما تبقّى من بلد؟

 

ليست التجربة السوريّة على دمويّتها يتيمة من بين تجارب الأمم، لقد شهدت إسبانيا حرباً أهليّة امتدّت لسنوات، وبعدها ألقى الناس السلاح واحتكموا إلى العقل، ما من أمّة إلاّ وسبحت في طوفانات الدم، غير أنه لابدّ للدم أن يصرخ في وجوه هادريه، لن يكون الحلّ قريباً، فالشروخات اتّسعت في خيارات الناس، ولعبة الأمم اجتاحت بلادنا حتى باتت الخيارات منزوعة من يد السوريّين، غير أن حالة كهذه ليست سوى حالة عابرة وطارئة وبأثمان باهظة، في النهاية سيلقي المقتتلون السلاح وسيخرجون من الخنادق إلى الحوار، حدث هذا في لبنان وعلى مدى خمس عشرة سنة ، بالنهاية تعب السلاح، وأُنهك، في النهاية كان على الناس أن تغادر السلاح إلى الحياة بعد أن شبعوا موتاً، المسألة السورية لن تعثر على حلّ قريب، ورتق تداعياتها لن تكون سهلة، غير أن الحياة أقوى من الموت.


 

ما الذي يمكن لشخصية ثوريّة أن تفعله في المنفى؟ ما هو اقتراحك لخروج سوريي المنافي من وراء شاشات الفيس بوك لفعل حقيقي على الأرض يساهم في إنقاذ البلاد من ويلاتها؟

 

لقد خرجت الأمور من يد الأفراد، والمنفى ليس هو مكان الثائر، المنفى هو الممر الإجباري وليس خياراً، غير أننا لن نعدم الوسائل في استثمار المكان، خصوصيّات المكان، ما يمكن للمكان البديل أن يمنحه، وما يمنحه أقلّ بما لا يُقاس مع ما نبتغيه ونطمح إليه، في المنفى لعبة خطرة مع موت الزمن، كيف لك أن تحيي الزمن خارج مكانه، هي معادلة شاقّة تتطلّب عقلاً إبداعياً خلاّقاً ولا أخفيكِ أننا لم نمتلكه، مازلنا أقلّ شاناً من هذه اللعبة الخطرة.

 

ثمّة من يقول بأن عبد العزيز الخيّر هو أيقونة سورية، ولا نشكّ في صحة مثل هذا القول، ما يحدث أن الكثير من فصائل المعارضة السورية تعمل على تجاهل هذا الاسم سجيناً بعد أن رشقوه بالبيض طليقاً، كيف تفسّرين مثل هذا السلوك؟

 

الجمال عكس القباحة، لا تظنّي أن القباحة ترفع يديها مستسلمة، للقباحة وسائلها بدءاً من الرشق بالبيض وصولاً إلى التجاهل، كل هذا بالنسبة لعبد العزيز لا يعني شيئاً ولم يكن يعني شيئاً، عبد العزيز لا يخوض في الخصومات السهلة، ولا يتوقّف عند هذا النوع من الخصومات، فمن يبحث عن وطن أسواره عالية لن يسقط في هذا النوع من الحفر، من المعارضات السورية، معارضات ماتزال تحبو، حدود معرفتها ونضجها لا يتخطّى هذا النوع من السلوك، أنا آسفة عليهم ولست منزعجة منهم.

 

سنسألك، أين هو عبد العزيز الخيّر ورفاقه اليوم؟ هل من معلومات تشير إلى حقيقة الجهة الخاطفة؟

 

كل المعلومات تؤكّد أن عبد العزيز ورفاقه في سجون النظام، حين اختُطف عبد العزيز ووفاقه اختطف من طريق المطار، في المنطقة المسيطر عليها من قوات النظام، هذه مسالة محسومة لدي، واثقة ممّا أقوله.

 

تراجعت كل القوى السلمية في سوريا لحساب الفصائل المسلّحة، هل تعتقدين بأن قوى المعارضة السلمية ستستعيد دورها في لحظة ما؟

 

قوى السلام في سوريا باتت قوى ممزّقة، لا يجمعها جسد واحد ولا مرجعيّة واحدة، الساحة الآن للسلاح ووحده السلاح من يتحكّم بها، لا يمكن لقوى السلام في سوريا أن تستعيد حضورها إلاّ عبر مؤتمر وطني دائم الانعقاد تتوافق فيه التيارات والقوى والشخصيات الوطنية السورية على برنامج حدّ أدنى، حتى اللحظة هذا الخيار مازال بعيداً وسيبقى بعيداً مادامت المعارضات السوريّة على أبواب السفارات والرعاة الإقليميّين والدوليّين، سوريا أحوج ما تكون لجسم سياسيّ موحّد على برنامج حدّ أدنى، نحن نسير نحو هذا الخيار، مع التأكيد على أنه في السياسة لا يمكنك أن تأخذ كل شيء، فمن يطلب كل شيء لا يأخذ شيئاً.

 

حين تتابعين الشاشات، وترين مخبري الأمس، وأزلام السلطة وقد تحوّلوا بين لحظة وأخرى إلى ناطقين باسم الثورة، ماهي المشاعر التي تنتابك وأنت وعائلتك من دفع عمره في سبيل التحرّر من وطأة هؤلاء وأمثالهم؟

 

لا أراه غريباً، فثمّة جملة كان الثائر تشي غيفارا قد قالها: "الثورة يطلقها مغامرون ويحصدها انتهازيّون"، هذا حين أُحاكم الأمور بمقتضيات العقل، ولكن حين أحاكمها بمنطق الانطباع والانفعال فثمّة ما يثير الغثيان، نعم ثمّة ما يثير الغثيان خصوصاً حين يكون هؤلاء هم أصحاب خطاب التطرّف، بما جعل الثورة غسّالة لأوساخ ماضيهم، نعم ثمة ما يرفضه الوجدان وينبذه العقل.

 

سأتحوّل إلى الشخصي قليلاً.، يخبرني أحد  الأصدقاء، أنه ما إن تعرّف إليك واحد من رفاق عبد العزيز في سجنه حتى انهار بالبكاء.، كيف كان عبد العزيز في سجنه الأول حتى كانت له كل هذه القيمة العاطفية والأخلاقية بين رفاق كفاحه؟

 

عبد العزيز هو :"الزاهد، المحاور، العنيد، الأب، والطفل، هو روح الشاعر وأصابع الطبيب، هو كل ذلك، ولهذا احتلّ موقع المثل في سجنه وفي حرّيته، والناس كل الناس تحتاج إلى قوّة مَثل، إلى روح الأب ووعد الفتى، وكان في سجنه وحرّيته روح الأب ووعد الفتى، ولذلك يفتقده الرفاق كما تفتقده الحرّية، هو رجل بلا شائبة، هل ثمّة رجل بلا شائبة؟ نعم، هو عبد العزيز الخيّر.

 

الفقد، الغياب، الانتظار، كيف تمضي فدوى أيام انتظارها، عندما تحتجّين ماذا تفعلين؟ هل تنتظرين بروح العاشقة ، الأمّ أم بروح الرفيقة؟  أيّهم يمدّك بالصبر أكثر؟

 

الوقت على الدوام هو الخصم، والانتظار بكل الأسماء التي عددتها، أنتظر بصبر الأمّ، وقلب العاشقة، وعقل المواطنة، نعم هو الأمر كذلك، أنتظرهم  لنعود معاً إلى  بناء بلد مستكملين حلماً لن نسمح بضياعه. عندما أحتجّ، أضع نفسي بين ملايين الأمهات اللواتي ففقدنَ أبناءهنّ ، أضع نفسي بين ملايين الزوجات اللواتي فقدن أزواجهنّ، أضع نفسي في مركب وطن احترق أو كاد، قضيّتي ليست قضيّة فرد، هي قضيّة أمّة.

 

هل لديك أمل بخروج عبد العزيز الخيّر ورفاقه؟ هل تثقين بالله؟ قلت مرة أنا أشكّ بوجود الله؟

 

لولا أملي بعودتهم لانتهت حياتي، أمّا عن الله فإذا كان موجوداً فلن يكون سوى العدالة ولا بدّ يأخذنا إلى عدالته، وإذا لم يكن موجوداً فلا بدّ من أن نكافح لنحقّق ما يرجوه مؤمن زاهد بإسفافات المكاسب السريعة لحساب القيم الشاهقة.

 

لقد قال لي، البلد التي ليس فيها رجلاً  تغار منه، بلد غير جديرة بأن تكون بلدك، أنا أحبّ سوريا لأن فيها رجل أغار منه، هو عبد العزيز الخيّر، هل يغار من ثروة عبد العزيز؟ من سلطة عبد العزيز؟ من سلاح عبد العزيز؟ لا ، إنه يغار من منظومة قيم عبد العزيز، عبد العزيز ولاّد قِيَم.

 

لو قدّر لك أن تروي حياة عبد العزيز، ماهي العناوين الأساسية التي ستتوقّفين عندها؟

 

من السهل سرد حياة إنسان نمطي، ينام، يأكل، يصحو، ولكن حين يتعلّق الأمر برجل مثل عبد العزيز فثمّة مغامرة كبرى في مجرّد محاولة رسمه، كي أبسّط إجابتي أقول لك، هذا الرجل مدمج بمشروع الحريّة والعدالة، هو كذلك في يومياته، في إصغائه، في احتوائه لخصومة وأصدقائه، حتى سجّانه كان يخجل منه، ثمّة صديق مشترك بيني وبين عبد العزيز الخيّر قال لي كلمة لا أنساها، أتعرفين ماهي؟

 

*هي قضية أمة.

 



05 شباط 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة