728 x 90

مجلة صوَر تحاور رئيس هيئة الاقتصاد وجامعة عفرين الدكتور أحمد يوسف

1761521020.jpg

 

 

الاقتصاد السوريّ اقتصادٌ عسكرتاريّ

فكيف لمنظومة الاقتصاد التشاركيّ أن تنجح والدولة مقسّمةٌ بين مناطق سيطرة الدولة ومناطق خارجةٍ عن سيطرتها؟!

 

 

*حاوره: سردار ملا درويش

 

الدكتور أحمد يوسف من مواليد 1972، في قرية عتمانا في عفرين. يحمل الدكتوراه في سياسات تمويل التنمية الاقتصادية. عمل عضواً في الهيئة التدريسية في جامعات سورية، ومدرّساً في جامعاتٍ حكوميةٍ وخاصّة، ويعمل حالياً رئيس جامعة عفرين ورئيس هيئة الاقتصاد. له العديد من الأبحاث والدراسات الاقتصادية، كما يكتب مقالاتٍ منشورةً في صحفٍ ومجلاتٍ مختلفة.

 

بعد 5 سنواتٍ من الحرب إلى أين وصل وضع الاقتصاد السوريّ؟ ومن يتحكم بهذا الاقتصاد اليوم؟

 

لم تبدأ معضلة الاقتصاد السوريّ مع بداية الحالة الكارثية التي تشهدها سورية منذ خمس سنوات، بل إنها تسبق ذلك بكثير. فإذا حاولنا الغوص قليلاً في تاريخ التطورات الاقتصادية السورية في الخمسين سنةً الأخيرة، سنلاحظ أننا كنا ننتقل من حالةٍ اقتصاديةٍ معينةٍ إلى حالةٍ اقتصاديةٍ أكثر سوءاً، ونفقد خلال عملية الانتقال تلك بعضاً من المؤسّسات الاقتصادية التي كان ينبغي أن تلعب دوراً تنموياً رائداً في جميع القطاعات الاقتصادية. وقد وصل الحال بسورية في ثمانينيات القرن الماضي إلى وضعٍ يرثى له اقتصادياً، من جهة فقدان مختلف السلع والخدمات في الأسواق، وعدم قدرة آلة الإنتاج المحلية على تغطية الفجوة التي حدثت نتيجة غياب منهجيةٍ اقتصاديةٍ سليمة.

 

لقد اضطرّ النظام السوريّ إلى إجراء تعديلاتٍ اقتصاديةٍ بعد فقدانه الحليف أو الراعي السوفياتي في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، وذلك بانتقاله إلى اقتصاد السوق عوضاً عن الاقتصاد المخطط مركزياً، في محاولةٍ منه للخروج من الأزمة التي بدأت تعتصره نتيجة السير وفق منهجيةٍ اقتصاديةٍ، أقلّ ما يمكن القول عنها إنها كانت غير مترابطةٍ وتفتقر إلى خلفيةٍ نظريةٍ متماسكة.

 

ولكن بالرغم من أن عملية التحوّل نحو اقتصاد السوق حققت بعض المكاسب، مثل تزايد فرص العمل وتوافر السلع والخدمات في السوق، فإن الفئات المستفيدة من الأوضاع الاقتصادية السيئة في الثمانينيات هي نفسها التي بدأت بقيادة العجلة الاقتصادية لمصلحتها في مرحلة التحوّل، وبدأت دائرة المستفيدين تضيق شيئاً فشيئاً، إلى أن أصبحت ذات صبغةٍ عائلية، ومرتبطةً بدائرةٍ ضيقةٍ من السلطة السياسية.

 

يقودنا هذا التوصيف إلى حقيقة أن كارثية الوضع الاقتصاديّ السوريّ حالياً لا تبدأ خيوطه الأساسية في 2011 وإنما هي أقدم من ذلك. إلا أن الأحداث السورية بعد التاريخ المذكور أدت إلى فقدان سورية البلد سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً. وظهرت عوضاً عنها جغرافياتٌ محليةٌ باقتصاداتٍ محليةٍ أفقدت السلطة المركزية جزءاً كبيراً من سطوتها الاقتصادية، وجرّدتها من الكثير من مرتكزات قوّتها. فالناتج المحليّ الإجماليّ، الذي كان يبلغ 60 مليار دولارٍ في عام 2010، كان يدار من قبل النظام، وتسهم الدائرة الاقتصادية الضيقة المحيطة -أو المحاطة- بالدائرة السياسية الضيقة في تكوينه بنسبٍ عالية، وقد انخفض إلى 22 مليار دولار في عام 2014. ولا تسهم المناطق الخاضعة لسيطرة النظام بأكثر من 25% من ذلك الناتج. أما الاحتياطيّ النقديّ في البنك المركزيّ فقد تراجع من 20 مليار دولارٍ في عام 2011 إلى 700 مليون دولارٍ فقط في عام 2016.

 

 

تدلّ تلك الأرقام على انهيار السطوة الاقتصادية للدولة السورية المركزية، وتشتّت الاقتصاد السوريّ مناطقياً رغماً عن إرادة المركز دمشق. وقد تعدّد المتحكمون بهذا الاقتصاد، وظهرت قوىً جديدةٌ على الأرض، لتأسيس منظوماتٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ بعيدةٍ عن رؤى وأفكار النظام السياسيّ في دمشق.

 

أعلنت الحكومة السورية عن الجيل الثالث للاقتصاد السوريّ، والذي يعرف بـ((التشاركية))؛ إلى أيّ درجةٍ يمكن لهذا النموذج الاقتصاديّ أن يواكب احتياجات سورية في زمن الحرب؟

 

الحقيقة، في ظلّ تزايد حدّة الفروقات الطبقية تحت تأثير قوّة القدرات التكنولوجية، ومساهمتها في تركّز وتمركز رؤوس الأموال في أيادٍ قليلةٍ على الصعيد العالميّ، وتحكّم أصحاب تلك الأيادي (أفراداً وشركاتٍ) بمفاصل الحياة في مختلف المجالات؛ تزداد أهمية صيغ الاقتصادات التضامنية والتشاركية، للتخفيف من حدّة التأثير السلبيّ لتمركز رؤوس الأموال، ولتفعيل دور الطبقات الفقيرة في المجتمع اقتصادياً، من أجل حماية نفسها على أقلّ تقدير.

 

لذلك يبدو، للوهلة الأولى، أن إعلان الحكومة السورية عن الجيل الثالث للاقتصاد هو خطوةٌ إيجابيةٌ لحماية فقراء المجتمع، لكن تاريخ الوقائع الاقتصادية السورية يؤكد أن النظام في سورية دائماً يبدأ متأخراً.

 

 

فقد أعلَن النظام عن اقتصاد السّوق الاجتماعيّ في بداية العقد الأول من هذا القرن، في الوقت الذي بدأت فيه دولُ اقتصاد السوق الاجتماعيّ بتقليص حجم المكتسبات الاجتماعية التي تحققت فيها خلال الحرب الباردة. ويأتي إعلان النظام الاقتصادَ التشاركيَّ في مرحلةٍ لم يعد للدولة فيها حيّزٌ كافٍ يساعدها على تطبيق هذا النموذج، وخاصةً في الجغرافيا الريفية. ولا يتوقف الأمر عند ذلك فحسب بل يتجاوزه كثيراً، إلى درجة أن هذه الخطوة تفقد كل معانيها ومدلولاتها الاقتصادية.

 

الاقتصاد السوريّ، وبنسبةٍ عاليةٍ جداً، هو اقتصادٌ عسكرتاريٌّ تتمّ إدارته من قبل العسكر، سواءً في مناطق سيطرة النظام أو في المناطق الخارجة عن سيطرته. فكيف لمنظومة الاقتصاد التشاركيّ أن تنجح في ظلّ خشية المنتجين المساهمين في التنمية الاقتصادية من عملية الإنتاج، وفي ظلّ تحوّل الاقتصاد السوريّ عموماً من اقتصادٍ يعتمد على قطاعاتٍ ثلاثةٍ (الصناعة، الزراعة، التجارة) إلى اقتصادٍ متخصّصٍ في التجارة بنسبةٍ عاليةٍ جداً، نتيجة تدمير القطاعين الآخرين في البلد دماراً شبه كاملٍ في إطار الحرب الاقتصادية التي تمارسها مختلف الجهات ضد بعضها.

 

فالحديث عن الاقتصاد التشاركيّ في ظروفٍ اقتصاديةٍ كالتي تسود في سورية ليست إلا ضرباً من الخيال، ولن يسهم في معالجة أيّ قضيةٍ اقتصادية.

 

تشير الإحصاءات إلى أن مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحليّ الإجماليّ السوريّ في ظلّ الحرب بات صفر% من مساهمته في سنوات قبل الأزمة، وانخفضت مساهمة النفط بنسبة 97%، بينما انخفضت الليرة السورية بنحو 80%، ويعيش 70% من السوريين تحت خط الفقر؛ فكيف ترى التقييم الأمثل للاقتصاد السوريّ اليوم؟

 

تعدّ الأرقام المذكورة في سؤالكم كافيةً لإعطائنا صورةً واضحةً عن الاقتصاد السوريّ المتهالك. معلومٌ أن أيّ اقتصادٍ يكتسب قوّته من قوّة الناتج المحليّ الإجماليّ، وتحتاج القطاعات الاقتصادية المساهمة في تكوين هذا الناتج إلى الاستقرار السياسيّ والعسكريّ لتشكيل تلك القوّة الاقتصادية. بينما يشير الواقع السوريّ إلى ما هو معاكسٌ لمسبّبات الاستقرار السياسيّ والعسكريّ من جهة، وللتنمية الاقتصادية من جهةٍ أخرى. لذلك نرى أن الاقتصاد السوريّ يسير في طريقه الطبيعيّ، كنتيجةٍ للمعطيات السياسية والعسكرية، نحو التراجع والانهيار، فالبنية التحتية شبه مدمّرة.

 

إن الخسائر الناجمة عن تدمير البنية التحتية تقارب 300 مليار دولار، أي خمسة أضعاف الناتج المحليّ الإجماليّ لعام 2010، وأكثر من 13 ضعف الناتج المحليّ الإجماليّ لعام 2014. وهذا يعني أنه لو توقفت آلة الحرب الآن فإن سورية في حاجةٍ إلى مدّةٍ لا تقلّ عن ثلاثة عشر عاماً لإعادة ما دُمّر من البنية التحتية، في ما لو تمّ توظيف مجمل الناتج المحليّ، وفق معطيات عام 2014، في عملية إعادة الإعمار.

 

انطلاقاً من ذلك بإمكاننا أن نقول إن التقييم الصحيح للاقتصاد السوريّ هو أنه يمرّ بمرحلةٍ كارثيةٍ لن تنتهي قبل خمسة عشر عاماً على أقلّ تقدير، أي وفق سيناريو تفاؤليّ.

 

يعيش نحو 10 ملايين سوريٍّ خارج البلاد، وبحدود 13 مليوناً في حاجةٍ إلى المساعدات، فيما انخفض متوسط دخل الفرد بنسبة 23%، بالإضافة إلى انكماش الناتج المحليّ بنسبة 70%، وسورية باتت تصنف من الدول ((الهشة))؛ لو قارنا هذه الإحصاءات بالتنبؤات التي واصلت القول بأن انهيار الاقتصاد السوريّ سيسهم في اسقاط النظام، لكن ذلك لم يحصل، برأيك ما هي المقومات التي أسهمت في بقاء النظام بعد خمس سنواتٍ من الحرب؟

 

من حيث المبدأ ليس بالضرورة أن يؤدي تراجع مستوى الإحصاءات الاقتصادية إلى تحقيق التنبؤات بإسقاط الحكومات. وذلك بالرغم من أنها تؤدّي إلى خلق الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، التي تتحوّل معها الدولة إلى دولةٍ فاشلة، كحال الصومال وأفغانستان وسورية، التي ستجدها في نهاية القوائم العالمية في الشفافية، وقيمة جواز السفر، ومعدلات النمو الاقتصاديّ، ومستوى التعليم، والخدمات الطبية، وغيرها من المعايير الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ تؤكد كلّ المؤشرات على غياب قدرة النظام على تطبيق السياسات الاقتصادية مهما كانت بسيطة.

 

 

إن الحالة السورية هي حالة حربٍ عالمية، تشهدها جغرافيا دولةٍ فاشلةٍ وخاضعة لتوازناتٍ خارجةٍ عن إرادة معظم الأطراف الفاعلة على الأرض، لذلك يتوقف موضوع تحقيق التنبؤات من عدمه على مدى استعداد الأطراف الخارجية للتنازل لبعضها. فالأطراف الداعمة للنظام تسعى إلى المحافظة عليه، وإن بشكل دميةٍ في أيديهم، وكذلك هو الحال بالنسبة إلى الأطراف المؤيدة للمعارضة.

 

إذاً، تجاوز موضوع سقوط النظام السقوطَ الاقتصاديَّ في ظلّ المعطيات السياسية التي تشهدها جغرافيا الدولة الهشة (سورية). وبعبارةٍ أخرى يمكننا القول إنه لا توجد مقوّماتٌ اقتصاديةٌ لبقاء النظام في ظلّ تحوّل الاقتصاد السوريّ إلى اقتصاد الجماعات المتعاركة، ولكن الوقائع السياسية هي التي فرضت نفسها. فمثلاً يجب أن لا يُغيّب عن بالنا الدعم الماليّ واللوجستيّ من قبل دولٍ إقليميةٍ لطرفي الصراع السوريّ من أجل البقاء.

 

إذا دخلنا في عمق المشهد الاقتصاديّ للمناطق الكردية، كيف يتمّ تقييم المشهد الاقتصاديّ في روج آفا "Rojava"؟

 

تعدّ مناطق "روج آفا"، الممتدّة في الشمال السوريّ، غنيةً بالثروات الباطنية والسطحية. وهي تمدّ سورية بمعظم مواردها، إذ إن نسبة مساهمتها في تكوين الناتج المحليّ الإجماليّ تتجاوز 50%. وبالرغم من ذلك كانت هذه المناطق تعاني من الفقر المدقع نتيجة السياسات الاقتصادية الممارسة ضدها وفق منهجيةٍ إقصائيةٍ أدّت إلى حرمان معظم أبنائها من الاستفادة من الموارد المتوافرة فيها، ما أدى إلى حدوث موجات هجرةٍ مستمرّةٍ نحو المدن الكبرى.

 

واستمرّ الحال على ذلك المنوال لغاية بداية الأحداث السورية في آذار 2011، عندما بدأت، اعتباراً من ذلك التاريخ، موجة هجرةٍ عكسيةٍ إلى مناطق روج آفا، وتحديداً إلى عفرين. ولكن نتيجة حدوث فراغٍ اقتصاديٍّ لم يتمكن الكثير من العائدين من الاستقرار في روج آفا، ولذلك حدثت موجةٌ أخرى، يمكن تصنيفها ضمن موجة الهجرة السورية الشاملة، نحو تركيا وأوروبا.

 

أمام هذا الواقع الاستثنائيّ حاولت الإدارة الذاتية في روج آفا وضع أسس منظومةٍ اقتصاديةٍ مميزةٍ وجاذبةٍ للقوى العاملة وللمستثمرين على حدٍّ سواء، وكانت خطوة البداية في السعي إلى تحقيق استقرارٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ واجتماعيٍّ لتشكل الأرضية المناسبة للاستقرار والتنمية الاقتصادية.

 

ويتطلب هذا الأمر النظر إلى مختلف المواضيع السورية من زاويةٍ مختلفةٍ عما هو سائدٌ في عموم سورية. وأعتقد أنه قد تحقق نجاحٌ نسبيٌّ في الانطلاقة الاقتصادية، إذ تضاعف حجم النشاطات الصناعية والزراعية والتجارية في بعض مناطق روج آفا.

 

ولكن ما سبق، وعلى الرغم من أهميته، لم يرتقِ إلى مستوى الاستراتيجيات الاقتصادية. ونرى أننا نحتاج إلى المزيد من الجهود لبناء قاعدةٍ اقتصاديةٍ سليمةٍ وقائمةٍ على أسسٍ استراتيجية. ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال منح أهميةٍ خاصّةٍ لاستكمال مشروع وضع المنظومة الفكرية المعتمدة في روج آفا.

 

 

توصف المناطق الكردية بأنها تقدّم النموذج الأفضل في ظلّ الحرب السورية؛ كيف استطاعت الإدارة الذاتية الكردية الاستمرار في تأمين مستلزمات العيش للمنطقة والحفاظ على البنية الاقتصادية نوعاً ما؟

 

أستطيع أن أدعّي أن الكرد باتوا يملكون الخبرة في التعامل مع المواقف السياسية والعسكرية، نتيجة تعاملهم لآجالٍ طويلةٍ في هذا المجال. ولذلك كانوا محقين، في روج آفا، عندما اختاروا نهج الطريق الثالث، القائم على عدم الوقوف إلى جانب أيّ طرفٍ من أطراف الصراع السوريّ إلا بقدر ما يعترف ذلك الطرف بالقضية الكردية، ويقبل الاحترام المتبادل المستند إلى المساواة بين الأطراف. ونأوا بأنفسهم عبر عدم الغوص في وحل الحرب السورية. وقد ساعدهم ذلك في الحفاظ على البنية التحتية، باعتبار أن كلّ المرافق الموجودة في مؤسّسات الدولة هي ملكهم وليست ملك السلطات الحاكمة.

 

وقد سهّل تبنّيهم هذا الموقف مهمتهم في تأمين مستلزمات الحياة في عموم مناطق روج آفا، إذ إن سياسات الإدارة الذاتية كانت الأكثر براغماتيةً في عموم سورية. إلى جانب ذلك قامت الإدارة الذاتية بتأسيس عشرات المؤسّسات التي تسهم في تحقيق الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وتحقق التنمية في جميع مجالات الحياة. أعتقد أنه ليس بالأمر الاعتياديّ أن نرى مهرجاناتٍ سينمائيةً وفنيةً ورياضيةً وثقافيةً في ظلّ الحرب، وهذا هو ما يحدث في عفرين تحديداً.

 

لم تشهد البنى التحتية في روج آفا دماراً كما في باقي المناطق، فيما تمتلك المنطقة ثروتين زراعية ونفطية؛ فلماذا تشهد المنطقة توتراً وانكماشاً اقتصادياً وفقداناً للمواد وغلاءً دائماً؟

 

قد أتفق معك بأن مناطق روج آفا تشهد فقدان بعض المواد وغلاءً دائماً، إلا أنني لن أكون متفقاً معك حول موضوع الانكماش.

 

 

فقد توضح لنا، من خلال إجابةٍ سابقة، أن مناطق روج آفا كانت تعاني الكثير في المرحلة التي سبقت الأزمة السورية. وهي بدأت تدخل الآن في مرحلة انتعاشٍ اقتصاديٍّ نتيجة مجموعة عوامل، كالاستقرارين السياسيّ والأمنيّ، وكذلك إتاحة فرص العمل والاستثمار فيها أمام أبنائها وأبناء المناطق السورية الأخرى. لكن، وبالرغم من ذلك، تعاني مناطق روج آفا من حصارٍ مستمرٍّ منذ خمس سنوات، بهدف كسر الإرادة التي ظهرت فيها، تلك الإرادة المناقضة لرغبات العديد من القوى الخارجية.

 

وقد أدى هذا الأمر إلى أن ترتفع أسعار المواد التي لا يتمّ إنتاجها في مناطق روج آفا، إلى جانب انخفاض أسعار المواد التي تنتج فيها، وحدث نوعٌ من الخلل في توازن أسواق السلع المختلفة. ويجب أن لا ننسى تأثير انهيار الليرة في عموم سورية، بما في ذلك روج آفا، فأدّى ذلك إلى ارتفاعٍ جنونيٍّ في أسعار جميع السلع المستوردة، بسبب تدهور سعر صرف الليرة السورية التي ما زلنا نتعامل بها.

 

بالرغم من كلّ ذلك استطاعت مناطق روج آفا أن تكون مصدراً للعديد من المنتجات بالنسبة إلى المستهلك السوريّ، وتمكنت الإدارة الذاتية من جعلها مناطق مميّزةً مقارنةً بغيرها.

 

أقمتم في عام 2015 مؤتمرين، أحدهما في عفرين والآخر في رميلان، لدراسة الواقع الاقتصاديّ؛ ماذا حقق المؤتمران من نتائج؟ وربما لو تستطيع التركيز على عفرين كنموذجٍ يعدّ الأفضل اقتصادياً في روج آفا.

 

لا شك أن اختيار الطريق الثالث، والتأسيس لمنهجيةٍ متكاملةٍ سياسياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، يعدّ أمراً صعباً للغاية في ظروفٍ كتلك التي تمرّ بها سورية عموماً. إلا أن عدم القيام بمثل هذه الخطوة يعدّ جريمةً في حقّ أبناء روج آفا، لأنه لا تنمية ولا تطوّر دون منهجيةٍ متكاملة، فكان لا بدّ من القيام بخطوةٍ نحو وضع الأسس الاقتصادية لروج آفا. انطلقنا في خطوتنا هذه من السؤال عن موقعنا في الاقتصاد؟ وما هي أهمية الاقتصاد في منظومتنا؟ وما هو شكل الاقتصاد الذي سنتبناه؟

 

 

وكانت الإجابة عبر مقولة ((لنجعل من حياتنا كوميناً للمياه والأرض والطاقة)) "مقولة لعبد الله أوجلان". أي علينا أن نختار منهجيةً اقتصاديةً تعتمد على التضامن والتشارك، من خلال بناء خلايا اجتماعيةٍ-اقتصادية، وبالاستفادة من وجود المساحات الجغرافية الزراعية والحياة الريفية، وكذلك الصناعات الصغيرة، للوصول إلى نموذجٍ اقتصاديٍّ لا استغلاليّ، إذ يشارك المجتمع كله في العملية الإنتاجية، دون تطبيق سياساتٍ تأميميةٍ تجرّد الملّاك من أملاكهم، على غرار التجربة السوفياتية وبعض الدول المتخلفة.

 

لقد كان كونفرانسا الاقتصاد في عفرين ورميلان بمثابة استجابةٍ فعليةٍ للتساؤلات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، وإيجاد الأجوبة المناسبة عن تلك التساؤلات. والهدف من عقد الكونفرانسين هو وضع المنهجية الفكرية للاقتصاد في روج آفا أولاً، ومن ثمّ وضع السياسات التنموية في مختلف القطاعات الاقتصادية استناداً إلى المنهجية الفكرية التي بدأت ملامحها تتوضح بعد الكونفرانسين.

 

أما بالنسبة إلى مدينة عفرين فقد اكتسبت خصوصيتها الاقتصادية في هذه الظروف من تأثير مجموعةٍ من العوامل، لعلّ أهمها أنها مرّت بظروف حربٍ أقلّ نسبياً مقارنةً مع مناطق روج آفا الأخرى، فهي الأكثر حصانةً، كما أنها تتعرّض لحالات حصارٍ خانقٍ من قبل القوى المتطرّفة، وتعرّضت لحربٍ اقتصاديةٍ منهجية، وهي تتمتع ببيئةٍ رائعةٍ تسهم في تطوير القطاع الزراعيّ، وتطوّرت فيها المؤسّسات الاقتصادية بشكلٍ أفضل من مختلف المناطق السورية، مما أدّى إلى أن تصبح منطقةً جاذبةً لرؤوس الأموال المادية والبشرية، وهي تشهد حركةً اقتصاديةً وعمرانيةً لم تشهدها طيلة تاريخها قبل التاسع عشر من تموز 2012.

بشكلٍ عامٍّ تمكنت الإدارة الذاتية في عفرين من وضع أسسٍ اقتصادية، وعملت وفق تلك الأسس للانتقال بالواقع الاقتصاديّ بعض الخطوات إلى الأمام.

 

رغم الحصار على المنطقة، وحالة الحرب السورية، قفزتم خطوةً جريئةً إلى الأمام بإنشاء جامعةٍ في عفرين؛ من أين جاءت فكرة الجامعة؟ لو تحدثنا عن الفكرة وآلية التدريس والطلبة والأقسام.

 

قبل ثلاث سنواتٍ كان التفكير في تأسيس جامعةٍ في عفرين ضرباً من الجنون، في ظلّ الفوضى العارمة للأحداث وغياب المؤسّسات، إلا أننا تجرّأنا على البدء بتلك الخطوة الجنونية، وذلك بالتواصل مع إحدى الجامعات الروسية للإشراف على الجامعة التي نودّ تأسيسها في عفرين، لكن الأمر توقف في النهاية لأسبابٍ سياسية. فلجأنا إلى التواصل مع آخرين في فنلندا وجنوب كردستان وكردستان العراق، وحصلنا على التشجيع اللازم من الأكاديميين لتأسيس جامعة عفرين في عام 2015، والانطلاق في العملية التدريسية في كليات الجامعة الثلاث (هندسة كهروميكانيك، الاقتصاد، الأدب الكردي) في العام نفسه. وبذلك كانت جامعة عفرين أول جامعةٍ يتمّ تأسيسها خارج مناطق سيطرة النظام، في روج آفا. وتعدّ كلية الأدب الكرديّ حالةً مميزةً في هذه الجامعة باعتبارها تشكل قفزةً نوعيةً من حالة قمع اللغة الكردية وآدابها إلى حالة دراستها على المستوى الأكاديميّ. وشهدت هذه الكلية إقبالاً كبيراً من الطلاب في عفرين، ويحمل قسمٌ من طلبتها إجازاتٍ جامعيةً من الجامعات السورية.

 

 

انطلق تفكيرنا في تأسيس هذه الجامعة من منظورٍ مختلفٍ للحدث السوريّ، ذلك الحدث الذي أدّى إلى شلل المؤسّسات التعليمية والقذف بعددٍ هائلٍ من طلبتها خارجاً، فأصبحوا -نتيجة ذلك- عرضةً للضياع في زحمة الفوضى، التي بدأت بوأد المكتسبات العلمية والتحوّل بالمستقبل نحو المجهول. فكان ردّنا على هذا الواقع هو أننا إما أن نترك الأجيال عرضةً للضياع بحجة غياب الاعترافات الدولية، أو مواجهة تلك الحالة باتخاذ قرار جذب الطلاب وتنسيبهم لمؤسّسةٍ علميةٍ تعمل وفق معايير أكاديميةٍ وتسهم في الرقيّ بمستوى المجتمع، مع تأجيل قضية الاعتراف إلى حين. وستشهد الجامعة، في السنة الدراسية القادمة، ولادة كلياتٍ جديدةٍ ضمن استراتيجيتها المستقبلية.

 

 

 



08 حزيران 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة