728 x 90

مجلة صور تحاور الدكتور إحسان عزالدين

3327816926.jpg

 

 

عملي  في البلد، كشف لي المجتمع والناس.. كوّنت فكرة أن هؤلاء الناس ليسوا فقراء فقط، إنما تنقصهم الرعاية، والرعاية التي تقدم لهم تُستَغل 

إحسان عزّ الدين .. النبي الأعزل

 

حاورته : سناء ابراهيم 

 


مُعافى هو بإنسانيته ووقفته الرشيقة الطويلة لساعاتٍ أمام دقّات قلب المراجعين الواقفين على باب قلبه المفتوح، مرضى نحن بالضجر ومعافى هو بعداوة الملل والتعب، لا وقت لديه للملل، ولا وقت لديه ليقف على حدود تصرفات من يزعجه، خمس دقائق ينام فيها، ينسى بعدها ما كان وما سبق ...  

 

حقيقة الحياة تقول: إن كل شيء يتغير مع الزمن، ألواننا، أشياءنا، رغباتنا، أقدارنا، ظلالنا وأفكارنا، أما حقيقته فتقول: بإمكاننا أن نغير الواقع منفردين، بأن نكون نحن الحكاية وأصلها وبطلها، دون أن ننسى التوقف على إشارة المرور والوقوف على تفاصيل الحياة الصغيرة التي هي في أساسها صورة شخصية لقضايانا الكبرى الأكثر جدّية وجدارة بأن تُعاش. ما يقوم به ليس شيئاً من فوضى الخيال، أو نزوعاً إلى فعل ٍ مغامر سوّغ له الواقع المرير الذي وصلت إليه البلد وكان اسمها يوماً "البلد الأمين". ما يقوم به هو معنى الحلم، كيف تحلم وكيف تترجم الحلم، شرط أن تحلم حلماً جميلاً لا تنزع فيه السنّارة من يد حاملها وتتركه يتلوّى أمام طعم الحياة وفخّها. 

 

د. احسان عز الدين، أكثر من نبي وأقل من إله .. تعالوا نقرأ هذا الحوار الرشيق مع (النبي الأعزل) كما أحببت أن أسميه..  

 

كنت دائماً تقول أنك تريد أن تصبح طبيباً كي تعالج الفقراء والمحتاجين، هل كنت تتوقع أنه سيأتيك اليوم الذي ستعالج فيه هذا الكم من النازحين والمهجرين وتحديداً من بلدك وفي حالة حرب؟ 

نعم، كنت أتوقع، أقول لك لماذا. في اليوم الأول الذي افتتحت فيه العيادة في عام 1968، زارني 20 مريض، ولم يكن قد تسنى لأحد معرفتي. في سنوات دراستي الأخيرة في الطب وقبل أن أفتتح العيادة، لم يكن هناك من طبيب أو مستوصف أو سيارة إسعاف في المكان الذي أسكن فيه، كانت الناس تلجأ إليّ، وكنت أسيّر أمورهم حسب معلوماتي وخبرتي البسيطة. تخرّجت وقد كوّنت رصيدي لدى الناس، عملي في البلد، كشف لي المجتمع والناس، علمت أين يتوضّع الغنى والفقر، كوّنت فكرة أن هؤلاء الناس ليسوا فقراء فقط، إنما تنقصهم الرعاية، والرعاية التي تقدم لهم تُستَغل. قلت لنفسي: «لماذا أُبقي هؤلاء الناس تحت رحمة البُعد والتعب، أنا أقدم خبرة وخدمة طبية معقولة كوني طبيب متخرج، بأقل كلفة على المريض، بشكل لا أحتاج أنا فيه والمريض لا يًرهق، ولا يزال هذا الكلام سارياً ومستمراً منذ ذلك الوقت وحتى الآن. 

 

 
 

المرضى اليوم يأتون إليك وبكثافة بسبب أحوال الحرب التي ضاعفت الفقر والحاجة.. هل اختلف عليك الشعور؟ 

بتّ أشعر أن هؤلاء أصبحوا أحق بالمعاينة والعلاج، وأنه يجب أن أقدم لهم المساعدة بشكل مُلح أكثر، المهجّر والنازح والموجود في مراكز الإيواء والمدارس، هؤلاء حتماً ليسوا كمن يجلسوا في منازلهم، هؤلاء، أكتب لهم الوصفة إذا كان الدواء متوفر لدي في العيادة وأقدمه لهم مجاناً. 

 

 

القرار الذي اتخذته بأن تجعل أجرة المعاينة 50 ليرة سورية ليس بالقرار السهل وليس لأي إنسان أن يتخذ هكذا قرار.. ما الذي دفعك إلى هذا القرار؟ 

أقول لك، معاينتي كانت بسيطة منذ البداية، أتمنى لو أنني لا أتقاضى أجرة للمعاينة نهائياً، وأن أعمل مجاناً، لكني وجدت فيما بعد أن الأجر الرمزي يُشعر المريض أنه لا يتلقى العلاج شفقةً أو مقابل صدقة، وللعلم فقط، أنا أتقاضى نفس الأجر من الغني والفقير، كي لا يشعر الفقير أنني أشفق عليه.  

 

 
أفهم من كلامك أن قرار فرض معاينة 50 ليرة ليس قراراً طارئاً أملته ظروف الناس الصعبة نتيجة الحرب؟ 

أبداً، دعينا نعود إلى الوراء قليلاً، أنا من عائلة صغيرة، لكن لها إسهامات كبيرة، مبدأ أجدادي في الحياة كان مساعدة الفقير والمحتاج قدر الإمكان، والدي كان يُسمى «حلال المشاكل»، عندما كانت تحدث أية مشكلة بين طرفين، كانوا يقصدون «ابو إحسان» للتحكيم والقضاء فيما بينهم، كانوا مُسَلِّمين ومًستَسلِمين لما يقوله والدي بثقة وإيمان مطلق، اليوم وبعد 25 سنة من وفاته، مازال عالقاً في ذاكرة الناس.

  

 
ألم يتسبب لك هذا القرار بمشاكل مع زملائك مع الأطباء، أنت شكلت لهم بشكل أو بآخر نوعاً من المنافسة؟ 

عندما فتحت العيادة، أتذكر أن ثلاثة أو أربعة أطباء اعترضوا وقالوا إن هذا لا يجوز وإنني تسببت بتراجع عملهم ومنافستهم، فذهبوا إلى والدي وطلبوا منه أن يتواسط معي كي أقوم برفع الأجرة قليلاً. في البداية واجهت صعوبة بسبب قرار أجرة المعاينة المنخفض، لكن، فيما بعد، اعتاد الأطباء على الأمر، وعرفوا وخبروا أسلوبي وطريقتي، فتجاوبوا وبات بيننا صداقة، ومنهم من ألجأ إليه أحياناً. فكرة المضاربة والمزاحمة، تنتهي مع مرور الأيام وتنتهي بمجرد أن يكون للطبيب قاعدة ورصيد لدى الناس. أنا مثلاً، عدد المرضى الذين يهربون من الزحمة في عيادتي أكثر من الذين يدخلون، فالمبدأ ليس مبدأ مزاحمة، المبدأ هو بيني وبين المريض، أنا أقدم خبرتي، وهو لا يُحرَج، هذه هي الفكرة. 

 

 

هل صحيح أنك تعرضت إلى محاولة اغتيال أو أنها مجرد إشاعة؟ 

لا، إنها إشاعة، في الثمانينيات زمن حوادث الاخوان المسلمين، اغتيل لي زميل، وأنا جاءني تهديد، هذه هي القصة، لم يحدث أية محاولة لاغتيالي. لكن ما حدث فعلاً منذ فترة ثلاثة، هو أنهم أطلقوا إشاعة بأنني توفيت. توفي أحد الأطباء في دمشق ويبدو أنه إنسان مُحسِن وجيّد مع الناس (وهو من الزاهرة)، فقالت إحدى الصحفيات أو أحد المرضى، لم أعد أذكر بالضبط، إن «طبيب الفقراء» قد توفي، معتقدة أنه أنا، وقامت بطبع نعوة ووزعتها. 

 

 
ما الذي حدث بعد ذلك؟ 

حدث أنني بقيت خمسة أيام وأكثر وأنا أتقبل التعازي بوفاتي.  

 
كنت فكر دائماً وأتمنى لو أنني أستطيع أن أشعر بمن حولي عندما أموت وأرى ردة فعل الناس على موتي، أنتَ تحقق لك هذا الأمر ورأيت هذه الحادثة كاملة وأنت على قيد الحياة.. ما هو شعورك حيال هذا الأمر؟ 

لقد رأيتها من جميع جوانبها، لكنني لا أفكر بهذه الطريقة، لا أفكر أبداً بما سيحدث بعد وفاتي. هناك مثل يقول: «الأجر للطيبين وليس للأموات»، فليس كل الأموات يستحقون الأجر، وعندما يقام لهم الأجر يقام كرامةً لأهلهم. أنا مرتاح من هذه الناحية، لكنني أخبرك عن أجر والدي، أنا حضرت أجر والدي، لم يحدث أجر لشخص في البلد كما حدث له. 

 


لماذا؟  

دعيني أقول لكِ شيئاً مهماً: جرمانا لا تنسى، جرمانا ستيرة العيوب، أنا مدين لجرمانا، حتى عندما يوجد شيء سيء، «جرمانا ما بتحكي». أتمنى شيئاً واحداً فقط، أن يكون لأولادي في هذا البلد حضورهم ومساهماتهم، لكنهم للأسف مسافرون. 

 
 

لماذا لم يختر أولادك مهنة أبيهم؟ 

قالوا لي صراحة: نحن لا نستطيع أن نقوم بالعمل الذي تقوم به، لا نستطيع أن نكون مثلك، لا نستطيع أن نكون أطباء وأن نعمل بأسلوب يختلف عن أسلوبك لتبدأ بعدها المقارنة بيننا وبينك، سيظلموكَ ولن ينصفوننا.  

 


الدكتور إحسان عز الدين يشكل اليوم حالة شعبية وظاهرة متفق عليها.. ما الذي يعنيه لك أن تكون لك هذه الشعبية؟ 

إذا قلت لكِ، أنني لست راضياً أو سعيداً بهذه الحالة لا أكون صادقاً، لكن ما يعنيني فعلاً من كل هذا أن هذه الشعبية لا تغير من سلوكي شيئاً. أقول لكِ، عندما كرّمتني مفوضية شؤون اللاجئين بمنحي لقب الوصيف في جائزة «نانسن للاجئ»، (وهي الجائزة الأولى التي تُمنح لشخص من الشرق الأوسط منذ 15 عاماً)، سألني مذيع رويترز، ماذا تعني لك هذه الجائزة، قلت له: لا تعني لي شيئاً. قلت له: «بيني وبين المريض لا يوجد جائزة، يوجد عمل». 

 


يُقال: الإنسانية هي نصف العلاج، وأنت عالجت منذ بداية الأزمة وما قبلها الآلاف من السوريين، كيف تتعامل مع هذا الموضوع؟ ما هو الشيء الذي تحرص عليه في معاينتك للمرضى؟ 

أعطيكِ مثلاً: أبعث بمريض إلى طبيب من الأطباء، يأتي المريض إلي في المرة التالية ويقول: رجاءً، لا ترسلني إلى هذا الطبيب مرة أخرى، لماذا؟ يقول لك ِ: لم أشعر بالراحة، أو أنه لم يكن لطيفاً، كان متعالياً وعصبياً، المريض يتحاج أولاً إلى استقبال جيد، لأن المريض يأتي خائفاً، مرعوباً، يجب أن تعلمي كيف تستقبليه، وكل مريض يختلف عن الآخر، وأنا أعرف المريض الذي يستجيب لعلاجي والمريض الذي لن يستجيب ولن ينفع معه دوائي. 

 
 

ماذا عن شباك عيادتك دكتور.. الشباك الذي يشكل عيادة مستقلة؟ 

هذا كان في السابق، قبل أن أنقل إلى هذه العيادة التي كانت قيد الترميم (الشارع العام- مقابل شارع الفرن- جرمانا)، كان عندي عيادة ثانية (في شارع الخضر) كان لها شباك على الشارع، في كثير من المرات كنت أعالج المشكلات من الشارع، بدل أن يأتوا ويقفوا في العيادة، باستثناء من هم بحاجة إلى معاينة وفحص. 

عندما نتحدث عنك في جلساتنا اليومية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.. الجميع يرشحك ويتمنى لو أنك تصبح وزيراً للصحة.. ما رأيك؟ 

 أصبح وزيراً للصحة!!! حتماً تفشل وزارة الصحة.. 

 

 
لماذا؟ 

لأنني لا أرد طلباً لأحد.. (يضحك كثيراً) 

 
البعض الآخر يطالب أن يكون لك تمثال في ساحة من ساحات دمشق تمجيداً لك وتعظيماً لإنسانيتك وكنوع من التكريم.. ما الذي يعنيه لك التكريم دكتور؟ 

أنا كُرّمت في بلدي في جرمانا، وكُرّمت من الناس ومن الشعب وفي أكثر من مناسبة وفي عدة أمكنة، بعيداً عن وسائل الإعلام وبدون مسؤولين، علاقتي هي مع الناس، لا أحب البهرجة والضجة. 

 
 

ما المطلوب اليوم من كل منّا ليشبهك ولو قليلاً؟ 

المطلوب من كل شخص موجود في عمله، أن يكون لديه أمانة وإخلاص، ليس بحاجة لشيء آخر، وعندما يبدأ عنصر الفساد بالتآكل قليلاً، تصبح الأمور بخير. 

 


من أين تستمد قوتك، عزيمتك، إرادتك، صبرك على الناس، مواظبتك على الاستمرار؟ 

إنه شيء عادي، اعتدت على ذلك، وأعود وأقول ما أدعو به بيني وبين نفسي، أدعو الله أن أبقى ولآخر لحظة في حياتي على رأس عملي في العيادة. 

 


ألم تشعر يوماً بالضجر أو الملل من العمل ومن هذه المهنة؟ 

أبدأ عملي من الساعة السابعة والنصف صباحاً وحتى الساعة الثانية والنصف ظهراً، ومن الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر وحتى العاشرة ليلاً. لا يوجد وقت كي أشعر بالملل.. (يضحك)، لا يوجد عمل بدون منغصات، أحياناً أشعر بضيق الخلق من بعض التصرفات، عندما أنام وأستيقظ أكون قد نسيتها. 

 
 

دكتور... هل تؤرقك الطيبة والإنسانية وتحملك مزيداً من المسؤولية؟ 

على العكس، عندما أضع رأسي على الوسادة، خمس دقائق، وأغط بعدها في نوم عميق. 

 
 

هل ما زلت تقوم بزيارات للمرضى في منازلهم؟ 

ليس كما في السابق، فبعد عمليتي الأخيرة، عملية انفصام شبكية، لم أعد أستطيع قيادة السيارة، لهذا باتت زياراتي قليلة للمرضى، باستثناء الحالات الطارئة، ولا تنسي أنني أصبحت في الـ 75 من عمري. 

 
 

كيف تجري حياتك خارج العيادة؟ 

لا أترك مناسبة أُدعى إليها، أحاول جهدي أن أغطي كل المناسبات الاجتماعية، لأنها جزء متمم لعمل العيادة، عند تلبيتي لدعوة عرس مثلاً أو لدى قيامي بواجب العزاء، أشعر أن حضوري يكون جبراناً للخاطر ومصدراً لسعادة الناس، وأنا أيضاً أشعر بالسعادة، وأنا أعتبر أن تلبية هذه الدعوات هو جزء من ممارسة مهنة الطب وجزء منها هو التأثير النفسي.  

 
 

هل ترى أن مهنة الطب فقدت معانيها وغاياتها السامية اليوم؟ 

لم تفقد معانيها، ولكن هناك ممارسات تسيء إلى مهنة الطب، قلت مرة وأكررها: «أن يأخذ الطبيب حقه ويقوم بواجبه والباقي على الله». 

 
 

أنا أحببت أن ألقبك (بالنبي الأعزل).. هل يروق لك هذا اللقب؟ 

(يضحك...) حرام أن توصيليني إلى النبوة، هذا كثير، هذا خيارك وأشكرك على هذا الاختيار، لكن ما أقوله لك إنه لدينا الكثير من العمل والواجبات التي يجب أن نقوم بها كي نصل إلى النبوة. 

 
 

ما هي أجمل دعوة دعا لك بها مريض؟ 

الله يعطيك العافية، الله يعطيك الصحة، الله يهدّي بالك.  

يتدخل مساعده ريمون ليقول : وأنا أدعو له دائماً : «الله ياخد من عمري ويعطيه». 

 
 

دكتور.. بدي منك كلمة لسوريا؟ 

الله يحميها من الغريب ومن اللي فيها. 

 

 



04 آذار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة