728 x 90

متى بدأت العاصفة ؟ عن لواء اسكندرون وبوعزيزي المناهج السوريّة

3538790024.jpg

 

لا أحد يعلم من هو "بوعزيزي المناهج" الذي نقل أوّل صورة من صور المنهاج وأوّل قصيدة وأوّل غلاف. فجأة عصف السّجال بين السوريّين حول المناهج التربوية وكلٌّ يدلو بدلوه، المختصّ وغير المختصّ. بدت القصة بسيطة في بداياتها، لكنها تحوّلت فيما بعد إلى مغالاة في التعليق والسخرية وحتى التزوير في بعض الكتب. آخرون وجدوا متنفّساً لهم في اختصاص مدير المناهج د. دارم طباع فاتّخذوا منه باباً للهجوم على وزارة التربية ووزارة الاوقاف والنيل ممّا أسموه أخطاء كارثية بحقّ أولادهم والجيل القادم. دون أن نعلم أين كان هؤلاء المنتقدون عندما كانت التيّارات الدينية تشرب حليب نيدو وكانت الجوامع والمدارس الشرعية تتزايد على حساب المراكز الثقافية والمسارح، فيما كان الفكر المعتدل يتراجع مكتفياً بالخبز الحافّ في مدينة يعاني أهلها انقطاع النفَس، ويتكلمون بصوت منخفض لا صدىً يُسمَعُ له ولا مدى .

بقيت الأمور ضمن حدودها وبدا أن الأخذ والردّ على مواقع التواصل الاجتماعي هو الشيء الطبيعي والصحي بعد سبع سنوات من الحرب فقدَ خلالها السوريون ثقتهم بمؤسّسات الدولة وسياسات الحكومة التي غالباً ما خيّبت آمالهم. بدأت الأمور تخرج عن سياقها الطبيعي عندما تمّ تداول موضوع حذف لواء اسكندرون والجولان المحتلّ من خرائط المنهاج الجديدة على الإعلام السوري. كان الأمر سيبدو طبيعياً لو لم يتمّ تداول الموضوع إعلامياً وتحديداً على الفضائية السورية الناطقة باسم الدولة في برنامج "من الآخر".

جلس المذيع (المحقّق) يستجوب المتّهمين، (مدير المناهج د. دارم طباع، ونقيب المعلمين)، يعيد السؤال ويكرّر ثم يعيد ويكرّر ثم يعيد التأكيد على الرسالة التي قال "إنه نقلها بأمانة إلى الجمهور مع أن الاحتمال قائم بأن من كتبها ربما كتبها على عجل وفي لحظة ملل وضجر". لا يعلم المذيع ربما و"هذه مصيبة" وربما يعلم وتلك "مصيبة أكبر"، أن لواء اسنكدرون حُذف من الخريطة في وقت سابق على المناهج وسابق على الأزمة أيضاً.

الحذف تؤكّده شهادات وزراء وإداريين وموظفين تسلّموا مناصب إدارية في مؤسّسات الدولة ووزاراتها، رأوا بأمّ العين وسمعوا مراراً وتكراراً كيف تقدّم الوفود السورية في عدة مناسبات واتّفاقيات ومؤتمرات اعتذاراها للوفود التركية عن نشر الخريطة السورية التي تضمّ لواء اسكندرون والتي تعتبر اللواء جزءاً من سورية .

يروي لنا الدكتور سام دلة عميد المعهد الوطني للإدارة العامة السابق وعميد معهد هبا للأعمال الادارية ما حدث معه في عام 2008 خلال مؤتمر المرأة السورية التركية، يقول: خلال أيام العسل السوري التركي وفي عام 2008، عُقِد في قصر المؤتمرات بدمشق مؤتمر المرأة السورية التركية الذي نظّمته الهيئة السورية لشؤون الأسرة ووزارة شؤون المرأة التركية تحت شعار"نحو تطوير الدور الاجتماعي للمرأة"، وخلال ترأسي إحدى جلسات المؤتمر، كانت سيدة سورية تعرض مداخلتها عن مشروع التنمية في جبل الحصّ، وكان العرض يتضمّن خارطة سورية لتوضيح مكان جبل الحصّ ، وفجأة حصل هرج ومرج بين النساء الأتراك المشاركات. يتابع د. دلة : "لم أفهم محتواه لأنه كان باللغة التركية وانسحب معظمهنّ". وبعد الاستقصاء، تبيّن أن اعتراضهنّ كان على خريطة سورية التي كانت تتضمّن (وهذا طبيعي ولذلك لم يلفت نظرنا) لواء اسكندرون . يعلّق د. سام: "المفاجئ والمؤلم أنه لتفادي الإشكال، تمّ تقديم اعتذار للجانب التركي من قبل الجهة الراعية للمؤتمر، مع الوعد بمساءلة مقدّمة العرض".

ليس بالبعيد عنه، يروي لنا د. يعرب بدر وزير النقل السابق ما حدث معه قائلاً: "في قاعة الاجتماعات في وزارة النقل، كان هناك دوماً خارطة لسورية مع لواء اسكندرون . وعندما زارني السفير التركيّ حينها "خالد تشيفيك" للتحضير لاستقبال وفد تركي في نفس القاعة، لفتَ نظرنا إلى احتمال احتجاج أعضاء الوفد التركيّ. أبقينا الخارطة في القاعة كما هي، وتولّى السفير التركيّ تهيئة الوفد التركيّ نفسيّاً لتقبّل رؤية خارطة سورية مع لواء اسكندرون في المكاتب الرسمية للحكومة السورية. وفعلاً أبقينا خريطة سورية معلّقة في غرفة اجتماعات الوزارة.

موقف مماثل حدث مع د. مأمون فحّام في الجامعة العربية الدولية. يقول: "أثناء تقديمي تقريراً عن الأضرار البيئية في سورية في مقرّ الأمم المتّحدة بجنيف من حوالي ١٤ سنة، وكنت قد أبقيت على خرائط سورية مع لواء اسكندرون رغم تنويه أحد موظّفي الخارجية في دمشق أنها تغيّرت رسمياً ودولياً، وعند عرضي الخرائط، وقف أعضاء الوفد التركي وقفة رجل واحد، وطالبوا الرئيس بوقف العرض وسحب الخرائط، فقال لي: هل أنت مستعدّ لتغييرها ؟ فقلت لا،هذه هي الخرائط التي عندنا لسورية ونحن هنا في موضوع بيئيّ، وتابعت العرض وانسحب الوفد التركيّ". وكان وفدنا برئاسة سفيرنا هناك وقتها، ولم يكن معارضاً للإصرار على الخرائط أثناء التحضير ولا أثناء العرض. وكان ذلك مطمئناً لي طبعاً".

"أسامة" وهو اسم مستعار لموظف كان يمتلك مكتب دراسات يقدّم دراسات واستشارات لعدد من الوزارات، أخبرنا تفاصيل ما جرى في عام 2009. يقول: "خلال زيارة أردوغان لسورية سنة ٢٠٠٩، تمّ توقيع ٥٢ اتّفاقية في كافة المجالات، ومنها اتّفاقية بناء سد على نهر العاصي بحيث يكون جسم السدّ في أراضي إسكندرون بينما تمتدّ البحيرة باتّجاه الحدود الحالية وداخل الأرض السورية، وطالما أنها اتّفاقية وتمّ إرفاق خرائط هندسية، فهي وثيقة تخدم الأتراك في مسعاهم كي تعترف سورية بترسيم الحدود، لأن الخرائط المودعة في الأمم المتحدة مازالت تعتبر إسكندرون أرض سورية، وتركيا تريد اتّفاقاً رسمياً مع الحكومة السورية يرسم الحدود وأن تكون إسكندرون أرضاً تركيّة. في هذا السياق، يشير "أسامة" إلى أن الصحف السورية (الثورة- تشرين- الوطن- مجلة الاقتصادية) كتبت كثيراً عن تلك الاتّفاقيات، لكنها لم تنشر أية خريطة للسدّ وموقعه. يختم أسامة قائلاً: "أطماع تركيا اليوم في سورية أوسع من إسكندرون بكثير، ففي حال تقسيم سورية بحكم الواقع، فإن تركيا تطمع بالسيطرة على كامل محافظة إدلب حتى ما بعد جسر الشغور، وقد بدؤوا يوطّدون وجودهم بأكثر من شكل، بما فيها منح جوازات سفر لكثير من السوريين، إضافة إلى إدخال اللغة التركية إلى المدارس ووضع العلم التركي إلى جانب علم المعارضة السورية، ومن المتوقّع أن نشاهد الليرة التركية بدل السورية والكارثة كبيرة ومستمرّة".

خريطة المناهج السورية الجديدة التي حُذف منها اللواء، هي ذاتها الخريطة المحمّلة بالاعتذار من تركيا ووفودها ما قبل الأزمة، تركيا التي يخبرنا وزير النقل السابق د. يعرب بدر أن تغلغلها الاقتصادي في شمال سورية بعد الأزمة زاد عمّا كان قبلها، وأن عدد الشاحنات التركية التي تعبر الحدود إلى سورية بعد الأزمة أكبر من عددها قبل 2010، وأن الحجم الرسمي للصادرات التركية إلى سورية بلغت 1.8 مليار دولار في السنة، وهو ما يعادل القيمة نفسها ما قبل 2010. وهذا يتمّ طبعاً بشكل غير شرعيّ وغير رسميّ وبدون دفع جمارك. تدخل الشاحنات التركية المعابر الحدودية الواقعة تحت سيطرة الإرهاب، ثم تنتقل الحمولة فوراً إلى شاحنات سوريّة تنتظر على المعابر، ومن ثم تدخل البضائع التركية إلى كل المحافظات الشمالية، ومنها إلى بقية سورية.

متى بدأت العاصفة إذاً؟ هل بدأت منذ لحظة التفكير بتغيير المناهج وتطويرها أم أن الظلام عمّ المدينة قبل ذلك بسنوات؟

هذا السؤال تجيب عنه الإعلامية فاديا محمود في حادثة جرت بينها وبين ابنتها. كانت فاديا قد تلقّت نسخة من القرآن كهدية في إحدى المناسبات. جلست ابنتها (الصف الثاني) تقرأ سورة الفاتحة والتي تُختَتمَ بعبارة "غير المغضوب عليهم ولا الضالين". ببراءتها وفضولها سألت ريتا والدتها: من هم الضالين؟ ألقت فاديا نظرة على شرح الكلمات أسفل الصفحة:

الضالين: هم النصارى وأشباههم ..

في السؤال عن الجهة المسؤولة عن توزيع نسخ القرآن وعن مضمون هذه النسخ تبيّن أنها وزارة الأوقاف.

العاصفة هنا والكارثة هنا قبل أن تكون في المناهج ..  فتوقّفوا عن جرّ الجثة.



25 أيلول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة