728 x 90

متغيّرات الشرق الأوسط وتحديات المستقبل

2522295044.jpg

 

يتميّز الشرق الأوسط بتنوّع المجتمعات المحلّية وتعدّد مكوّناتها العرقية والدينية، بالإضافة إلى تعدّد خيراتها الاقتصادية، كما يتميّز بأنه بؤرة للصراعات العمودية والأفقية التي تتمثل في صراعات بين السلطة والمكونات المجتمعية بالدرجة الاولى و بين المكونات ذاتها بالدرجة الثانية، تغذّيها عوامل داخلية وخارجية، وتعدّد صراعاتها لا يعود إلى تعدّد مكوّناتها، بل يعود إلى الأنظمة التي تحكم هذه المجتمعات، وقدراتها على استخدام قضايا هذه المكوّنات لخدمة أهداف جيوسياسية واقتصادية.

 

وقد تناولت في مقالتي (الاستفتاء الكوردي.. ومخاوف المستقبل) في أيلول ٢٠١٧’ بالقول: "إن الأنظمة التي أُوجدت بعد سايكس بيكو أصبحت اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما إمّا القبول بتغيّر حدود هذه الدول الجغرافية أمام تطوّر المجتمعات المحلّية وإرادة مكوّناتها بتأثيرات النظام العالميّ، أو أن تتغيّر طبيعة هذه الأنظمة نفسها إلى أنظمة أكثر ديمقراطية، وتتحوّل فيها إلى دول متعدّدة الثقافات بدلاً من دول أُحادية الثقافة على أسس طائفية أو عرقية أو عائلية".

 

وبإلقاء نظرة سريعة على بنية مجتمعات الشرق الأوسط نجد أنها قائمة منذ الأزل على التعدّد الثقافي والتنوّع العرقيّ والدينيّ، وبالمقابل نجد أن جميع الأنظمة المتعاقبة هي أنظمة أُحادية الجانب، تسعى إلى تكريس تفوّق مكوّن عرقيّ أو دينيّ على بقيّة مكوّنات المجتمع؛ بهدف استثماره لصالح أقلّية سياسية معيّنة لهذا أو ذاك من المكوّنات، أي أن هذه الأنظمة لا تلبّي، ولا تعكس بأي شكل كان بنية المجتمعات المحلّية بشكل حقيقيّ، ومع استمرار حرمان شعوب الشرق الأوسط من المشاركة الاقتصادية والسياسية، وحرمانها من حقوقها وزجّها في حروب ليست حروبها، فإن غياب التنمية وانتشار الفقر والجهل والتخلّف تضاعف الضغط على كاهل هذه الشعوب إلى حدّ الانفجار بوجه هذه الأنظمة.

 

وأمام العَوْلَمة وتطوّر مفاهيم حقوق الإنسان وتعاظم دور منظّمات المجتمع المدنيّ وزيادة الفقر، فإن هذه الأنظمة لم تعد صالحة بأي شكل من الأشكال للحكم، ويجب بناء أنظمة مُحَوْكمة رشيدة، تعكس التعدّد في الشرق الأوسط، وتحتضن المختلف والمؤتلف في تركيبته، وتلبّي حاجة جميع الشعوب أن تشعر بالسيادة على أرضها من خلال أنظمة حكم لامركزيّة حقيقيّة، ووضع خطط تنمية مُستَدامة اقتصادية ومجتمعية يكون الفرد محورها وهدفها الأساسيّ، بالإضافة إلى بناء مؤسّسات حقيقيّة، ومحاربة الفساد، وتكريس فصل الكيانات الثلاثة: الدولة والحكومة والدين، فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال الجمع بين الكيان المدنيّ (الدولة)، والكيان السياسيّ (الحكومة) والكيان الدينيّ (الأديان). فجميع التجارب السابقة فشلت في الجمع بينها ودمجها، بينما نجحت في تحديد أدوارها وترويضها لصالح المواطنين.

 

وما حدث في سوريا، ويحدث في إيران وتركيا وفلسطين ولبنان والعراق والأردن بين فترة وأخرى، ليس بالغريب أو المُستهجن في ظلّ الظروف المعقّدة والعلاقات الشائهة التي تعيشها هذه الدول، بل إن المتوقّع والذي لابدّ من حدوثه، هو المزيد من الاحتجاجات في هذه البلدان وغيرها، حتى تستجيب هذه الأنظمة إلى احتياجات المجتمعات المحلّية بشكل يعكس تنوّعها وتعدّدها، أو أن تتفكّك إلى غير رجعة، ويتمّ بناء أنظمة جديدة أكثر استجابة لواقع الشرق الأوسط الطامح إلى التغيير.

 



02 كانون ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة