728 x 90

ما الذي بعد الحداثة وبعد الديمقراطيّة؟!

2657673662.jpg

 

كتب سيّد يسين، تحت عنوان مثير للجدل، هو "عصر ما بعد الديمقراطية، تضاؤل دور الأحزاب السياسية" معتبراً أن تراجع دور الأحزاب السياسية مقابل تنامي دور منظمات المجتمع المدني دليل كافٍ على أننا في مرحلة الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن الديمقراطية إلى ما بعد الديمقراطية. يقول بالنصّ: إننا "نقبل مقولة تراجع الدور التقليدي للأحزاب السياسية،    وصعود دور مؤسّسات المجتمع المدنيّ. ومنطق هذا التراجع – وهذا تفسير مهمّ للغاية – هو أننا نعيش عصر الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. مشروع الحداثة الأوروبي هو الذي كان أساس مولد الدولة الحديثة بسلطاتها الثلاث التقليدية، التنفيذية والتشريعية والقضائية، في ظلّ مبدأ فصل السلطات، إضافة إلى معالم بارزة أخرى لعلّ أهمّها على الإطلاق وجود دستور يحدّد طبيعة النظام السياسي، وينصّ على حقوق المواطنين وواجباتهم، وظهور الأحزاب السياسية  باعتبارها أحد أسس النظام الديموقراطي الذي يقوم على أساس التعدّدية[1].

 

نعتقد أن الأحزاب المعنيّة في قول سيّد يسن هي الأحزاب الأوروبية، وربما الأمريكية أيضاً، لأن الأحزاب في البلدان العربية (حيثما وجدت) لم تتقدّم لكي تتراجع، بل لعلّه من التعسّف أن نضعها في مصافّ الأحزاب الأوروبية أو الأمريكية[2]، ومن التعسّف أن نصفها بأنها أحزاب سياسية، لأنها تجمع بين العصبيات التقليدية وبين مظاهر الحزب السياسي الحديث، وقد  وصفناها من قبلُ بأنها بنى أيديولوجية (عقائدية أو دعوية) مغلقة، أشبه ما تكون بالعشائر والطوائف الدينية، بلبوس "حديث". يصحّ هذا على حزب البعث العربي الاشتراكي ونظائره الإسلامية، كجماعة الأخوان المسلمين، والشيوعية، كالحزب الشيوعي السوري (بالمفرد والجمع).

 

لا نجادل في أن موجة غضب اجتاحت المفكّرين والفلاسفة والأدباء والفنّانين والنقّاد، جرّاء حربين عالميّتين ونزاعات بينيّة وداخلية، وسباق تسلّح وهدر موارد بشرية ومادّية، وهدر للإنسانية ... فحُمِّلت الحداثة هذه الأوزار، وأوزار الفاشية والنازية واستبداد فرانكو وأمثاله، وصبّ معظم هؤلاء جام غضبهم عليها، لا على "الاستبداد الشرقي" وعمليات إعادة إنتاجه، ولا على التوتاليتارية والظاهرة الجماهيرية الناتجة منها والمصاحبة لها، ولا على الشروط التي أنتجت النازية والفاشية والدكتاتورية، وراح بعضهم يتكلّم على نهاية الدولة الوطنية، بصفتها أبرز منجزات  الحداثة، كما يتّضح من قول سيّد يسين أعلاه. وللتذكير، كان ستالين وماو تسي تونغ، وقادة الأحزاب الشيوعية الأخرى، وقادة حركات التحرّر قد حصدوا من الأرواح وهدروا من الموارد ربما أكثر من ضحايا الحربين العالميتين، لكن هذا كله لم ينسب إلى الحداثة، مع أن الاشتراكية واحدة من ثمرات الحداثة.

 

إذا كنّا في عصر الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة حقّاً، فإننا في عصر الانتقال من الدولة الوطنية إلى ما بعد الدولة الوطنية، ومن المجتمع المدنيّ إلى ما بعد المجتمع المدنيّ، ومن الديمقراطية، بجميع منطوياتها إلى ما بعد الديمقراطية ... إلخ.  هذا الـ "ما بعد ..." غامض وملتبس، كأن العالم ذاهب إلى المجهول. المحزِن في الأمر أننا، نحن العربَ، ذاهبون إلى ما بعد أشياء لم نحقّقها، ولعلّنا لم نحفل بها. وعلى العموم، إن الانتقال من الحداثة إلى ما بعدها يعني أن العالم (الحديث) ذاهب إلى مستقبل ما، ونحن باقون على حالنا. فنحن لم نعشْ تجربة الدولة الوطنية (الديمقراطية)، وفصل السلطات وسيادة القانون واستقلال القضاء وحرّية الفرد وحقوق الإنسان ... إلخ، ولا نعرف عنها إلا نتفاً نظرية، ولم نزلْ مختلفين حول دين الدولة ودين رئيسها.

 

الإشكالية النظرية والعملية التي تتولّد منها هذه الالتباسات، في رأينا، هي إشكالية معرفية  تتّصل بكيفية إدراك العلاقة بين المجتمع المدنيّ والمجتمع السياسيّ، (الدولة الحديثة، ثم الدولة  القومية، ثم الدولة الديمقراطية) ومنطق نمو كل منهما، وأثر التغذية الراجعة، في هذا النمو، والتي نعزو إليها ظهور العنصرية الجديدة، كالنازية الجديدة، والشعبوية الجديدة، والسلطوية الجديدة.

 

إن فرضية نهاية الدولة الوطنية، على سبيل المثال، وهو المثال الأهمّ والأبرز، في موضوع الحداثة وما بعد الحداثة، تستدعي فرضية أخرى ملازمة لها بالضرورة، هي نهاية المجتمع المدنيّ، والانتقال إلى "ما بعد المجتمع المدنيّ"؛ ومن ثم، لا يستقيم القول بتراجع الأحزاب السياسية وتقدّم منظمات المجتمع المدنيّ في "مرحلة ما بعد الحداثة" أو مرحلة "ما بعد الديمقراطية" أو مرحلة "ما بعد الدولة الوطنية" وما بعد المجتع المدنيّ.

 

المجتمع المدني والمجتمع السياسي وجهان متلازمان للوجود الاجتماعي؛ وجهان متلازمان للكينونة، هنا والآن؛ وجود أيّ منهما هو شرط وجود الآخر، وانتفاء أيّ منهما هو انتفاء الآخر، فهل منظمات المجتمع المدنيّ هي ما بعد المجتمع المدنيّ وما بعد المجتمع السياسي؟!

 

من أخطر أمراض السياسة والأحزاب السياسية اليوم تواطُؤ الشرائح الأكثر تقدّماً، في المجتمعات المدنية الحديثة، ومنها قادة الأحزاب السياسية وكوادرها ومنظِّروها، مع الشرائح الأكثر غِنى، في المجتمعات التي تقترن فيها الحرّية بالثروة، وهذه الأخيرة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الضوابط الأخلاقية والقِيَم الإنسانية والوطنية، وهذا واضح للعيان في سوريا وغيرها.

 

لذلك لا نعتقد أن الدور الذي تضطلع به الأحزاب السياسية الأوروبية، الذي يجري الحديث عن تراجعه، محدّد أو محكوم بالشروط الأوروبية فقط، أو بشروط أوروبية خالصة، على افتراض وجود مثل هذه الشروط الأوروبية الخالصة، في عالم تتعمّق وحدته كل يوم. والمؤسف أن مجتمعات المعرفة، والمجتمعات العلمية خاصة، ليست بعيدة عن هذا التواطُؤ. ومع ذلك، نؤكّد أن نقد الحداثة الضروري، لا يعني ما بعد الحداثة؛ فالحداثة بالفعل لم تفِ بجميع وعودها. صحيح أن أوروبا خاضت حربين عالميتين وعدداً من النزاعات البينيّة والداخلية، علاوة على ظاهرة الاستعمار الحديث، وسباق التسلّح والمفاعيل السياسية والثقافية والأخلاقية للمركزية  الأوروبية و"المعجزة الأوروبية"، وهذه كلها وغيرها ممّا يسوّغ نقد الحداثة. ولكن لا يجوز إهمال أثر العالم غير الأوروبي، المناهض لليبرالية والعلمانية والديمقراطية وحرّية الفرد وحقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء ... في العالم الأوروبي نفسه.

 

لا يجوز الاعتراف بوحدة العالم (التناقضية بالطبع) مرّة وإنكارها مرّة أخرى، لتثريب الخصم أو لتبرئة الذات. لقد أضرّت أوروبا ببلدان كثيرة غير أوروبية، فأضرّت بنفسها وقِيَمها الليبرالية، لكن هذه الدول غير الأوروبية أضرّت هي الأخرى بأوروبا، فأضرّت بنفسها أيضاً، من خلال التواطُؤ المشار إليه، ومن خلال تشبّثها بخصوصيّتها المزعومة وتقاليدها البالية، ومن ثم، تغدو المسألة مسالة مقدار الضرر الحاصل في الجانبين.

 

التواطُؤ المشار إليه في مطلع الفقرة السابقة، هو ما يفسّر أثر العالم غير الأوروبي في العالم الأوروبي، من حيث ضمور القِيَم الليبرالية في الممارسة الأوروبية. يكفي أن نشير في هذا السياق إلى مواقف الساسة الأوروبيين من صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي وحسني مبارك وبشار الأسد وعمر البشير والخميني وخامنئي والقائمة طويلة، في كل مجال من مجالات  التبادل بين الغرب وبين العالمين العربي والإسلامي. فلا ندري كيف يمكن تفسير العلاقة بين بورجوازي متمدّن وبين همجيّ متخلّف، بين ديمقراطي ومستبدّ، بين منتِج ولص، بين عقلاني ومهووس ... بين كاره للإسلام وكاره للمسيحية، بين محتقِر لـ "الشرق" ومحتقِر لـ "الغرب"، إلخ. إن إخفاق الحداثة، إذا جاز مثل هذا الحكم، هو، في المقام الأول، إخفاق أخلاقي، مردّه  إلى عبادة المال وعبادة القوة وعبادة السلطة. ومن البدهي أن تنعكس أزمة الحداثة على الأحزاب السياسية والخبرات الاجتماعية، وعلى التنمية الإنسانية بوجه عامّ.

 

إنه من غير المنطقيّ ومن غير الأخلاقيّ أيضاً أن ينكر المثقّفون العرب وأمثالهم من  مثقّفي المجتمعات المتأخّرة مسؤوليةَ مجتمعاتهم ودولهم عن أزمة الحداثة، مثلما هو من غير المنطقيّ  وغير الأخلاقيّ أن ينكر مثقّفو المجتمعات الحديثة، ولا سيما الأوروبية منها، مسؤولية مجتمعاتهم ودولهم عن تفشّي العنصرية والتعصّب والإرهاب ونسْبها إلى الإسلام والمسلمين دونما أيّ شعور بالمسؤولية الأخلاقية، هذا وحده كافٍ لبثّ الكراهية وإنتاج العنف.

 

المفارقة، التي أردنا التوقّف عندها، هي التنظير لما بعد الدولة الوطنية، وما بعد الديمقراطية، وما بعد الحداثة .. إلخ، في ظلّ حاجتنا الماسّة إلى هذه وتلك وهاتيك، وكل ما يتعلّق بها، ولا سيّما الحياة البرلمانية والأحزاب السياسية.

 

 


[1] - سيد يسين، عصر ما بعد الديمقراطية، تضاؤل دور الأحزاب السياسية، على الرابط: http://maaber.50megs.com/issue_september12/lookout1.htm

[2] - ارتبطت نشأة الأحزاب الأوروبية والأمريكية بالحياة البرلمانية، وهكذا بعض الأحزاب العربية، التي أجهز عليها "المد الثوري".



26 حزيران 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة