728 x 90

مات الكلب..

2091169439.jpg

 

 

 

 *نبيل الملحم

 

 

لغته تتوحش إذا أطلق لها العنان دون الفكرة، هو وول سوينكا، صاحب رواية "مات الرجل" من يقول هذا الكلام.. لم أفهم ما يقوله صاحب هذه الرواية الفتّاكة.. أقول الفتّاكة دون تردد، فهي رواية لجرّاح (عيناه فوق القناع)، رجل يلتقط ما نبصِره، ويوطّد فينا نبرة مختلفة.. نبرة صريحة، واثقة، تذهب إلى هدفها دون تزيين للطريق، أيّ كان الطريق،  ويطرح علينا السؤال:

 

  • *هل أقبل هذا الشيء أم لا؟
  •  

الشيء الذي يعنيه، هو الطغيان، مطلق طغيان، وما أن يقول ذلك حتى يجرّدنا من الحجج التي تتقبل ما لا يقبل، أو تتكئ على ما لا يشرّفنا أن نتكئ عليه، فالطغيان لا بدّ ممقوت، مكروه، وعلينا أن نقول له:"قف"، وإذا لم نقل له ذلك سيهرسنا بأقدامه الوعرة، وما أن يموت الواحد منّا، حتى تعلن جنازته تحت عنوان:"مات الكلب".

 

هناك في لاغوس يعلن سجّناك "مات الكلب"، ثم يعتذر عن إماتتك مبرراً قتلك بـ "مجرد خطأ في التعذيب".

 

هنا، يضيفون إلى "مات الكلب"، "مات ابن القحبة" مثلاً، مع أن أمك لم تشترك في جريمة الاعتداء على النظام، ولم تقلق هيبة الدولة، ولم تكن سوى حاصدة مشّاء، أو قاطفة فطر برّي.

 

يقولون لك أكثر من "مات الكلب"، و "ابن القحبة"، فأنت والحال كذلك "ماتت القضية"، والروائي اللاغوسي، الذي يجرّدنا من حق الثرثرة ليطالبنا بإبقاء العقل تحت السيطرة، يحثّنا على قراءة كل ما لامعقول، واللامعقول هنا، هو القتل، إنسان يمعن في قتل إنسان، كيف يكون ذلك؟ كيف يحدث القتل؟

 

ثم، سيتخلص دون مواربة:"مات الإنسان داخل كل من يبقى صامتاً في وجه الطغيان".

 

هي رواية "ثورة"، هكذا ظننتها، ثورة على ما ظننته أمّ الحقائق، كتلك الكتابة التي تحكي بالصدر العاري لا الرأس الساخن، وبحق، غيّرتني، فقد كان يقيني أن الكتابة المتوحشة هي تلك التي تأخذنا إلى تكسير المعنى "الطاغية"، نحو معاني ما بعد الطغيان، وما أن قرأت "مات الكلب"، حتى أدركت أنّ الكتابة ليست ما أعتقد، ليست ظنّي.. الكتابة قد تكون بـ "العقل"، وكنت أرجأته كل زماني، أقول زماني، وأعني فيه ذاك الزمن الذي أبيت فيه تحت جناح الهذيان.

 

أي بشر هؤلاء الذين يغيّروننا؟

 

هم هؤلاء، الذين ليسوا مثلنا، الذين (مثلهم)، مثلهم هم بالتمام والكمال، وها أنذا اليوم "تغيّرت"، أقول اليوم الذي يحدث أن يكون 20 / 2/ 2017 من مطالع القرن الواحد والعشرين.

 

لو تسنّى لي كتابة رواية غير تلك التي أكتبها الآن، لكتبت بـ "العقل"، وبإرشادات رجل لم أكن سمعت به من قبل، لا، بل قرأته على موقف باص، بين بشر يجمعون قواهم للرحيل إلى بيوت لا شك تأخذ روح ومعمارية القبور.

 

أيّ اعتراف هذا؟

 

ذات يوم، كان علينا أن نحكي عن بشر غيّروا فينا، قلبونا كما قميص وجهه مهترئ نحو وجه آخر، إذا لم يكن جديداً فعلى الأقل، أقل اهتراءً من قمصاننا القديمة.

 

ليتنا نعيش كثيراً.. أزمان كثيرة، تقلّبات كثيرة، استخلاصات كثيرة، انقلابات علينا نحن باعتبارنا منشقين من الطغيان.

 

وول سوينكا.. أنت غيّرتني، نعم، ولكنك تأخرت.

 

مات الرجل، هي روايتك.

 

"مات الكلب"، على هذا النحو يصيغ السجّان نعوته.. سجّان لاغوس.

 

سجّاننا يصيغ النعوة على نحو آخر.

 

"مات ابن القحبة".

 

لا أعرف إذا كان ثمة وقت لموتي علّني أحظى بتلك النعوة الرائعة:

 

"مات الكلب".

.

.

اقرأ المزيد للكاتب.. 

 

 



19 شباط 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة