728 x 90

ما الذي يفكّر فيه الإنسان في لحظة الموت؟

1995270946.jpg

 

 

 

 

سعد الله مقصود: لو كان ثمة تقمّصٌ واخترت، لاخترت أن أكون صخرةً يتبوّل عليها طفلٌ غاضب.

 

 

*حاوره: سناء إبراهيم

 

 

 

الألم، الانتظار، الرصيف، التنفس، الكتابة، السياسة، توقعات ما سيحدث وما حدث؛ كلها تزول مع حكايةٍ اسمها الموت. هو المجهول، السؤال، ربما منتج الديانات والتأمل، وحتى ربما منتج الإنجاب والقصائد.

 

وعلى الدوام ثمة سؤال، ليس للتداول، مع أنه سؤال:

 

ما الذي يفكّر فيه الإنسان في لحظة الموت؟

 

هو سؤالٌ لا يوجّه للموتى، فهم الأكثر استخفافاً بأسئلة الأحياء، ولكنه يوجّه لمن يواجه الموت، بالاحتضار، بالمرض القاتل، بوهم الوهم.

 

حسناً، ما دام الأمر كذلك، من لديه من الشجاعة أن يسأل هذا السؤال لمحتضر؟

وأيّ محتضرٍ له رغبة البوح بما لا يسع مدمناً على الحياة أن يجيب عنه؟

 

اثنان يباغتان بعضهما بهذا السؤال، سعد الله مقصود، الشاعر السوريّ الذي يعاني مرارة المرض المتوحش، ورجلٌ آخر لن يسمح لي بذكر اسمه (مع أنه منحني الرسائل المتبادلة بينه وبين سعد الله) والتي يمكن اختزالها على هيئة حوار.

 

هل سيكون من حقي أن أثبت السؤال والجواب؟

 

منحاني هذا الحق، وعليه كان السؤال الأول:

 

 

 

 

***

 

سعد الله، قل لي، كيف يتراءى لك الموت؟

 

فيه من سواده أكثر من بياضه. عاطلٌ عن الأعمال المهنية "المهينة" ومشغولٌ بما تبقى له ومعه وحده. أعيش روتيناً يومياً خانقاً وألماً مقرفاً بعد كلّ جلسة أشعة، فذاك الخبيث يحاول أن ينهش دماغي كلما ظهر مجدداً، وهو لا يختفي إلا ليظهر. لكن المهم أننا ما زلنا على قيدها (تلك الحياة). فـ ليكن ما يكن، فليس هناك من إغراءٍ سوى الإغراء الأخير (الموت).

 

 

الكائن الوحيد الذي لا بدّ من وصوله، هكذا تحكي لصديقك.. شريكك في سؤال الموت؟

 

نعم.. الموت هو الحيّ الوحيد الذي نضمن وصوله في موعده. وها نحن بانتظاره، ولن نستعجله.

 

والوقت؟

 

لست مرتاحاً مع الوقت، لذلك فهو يلتهمني بسرعة. يريد أن ينهي كل هذه الفوضى قبل أن يقرع ذاك الغريب بابي، فأخرج للمرّة الأخيرة.

 

 ((عندما أصل إلى الباب

لن يكون من حقي أن ألتفت ولو لمرّةٍ أخيرة

فقد وصلت إلى الباب لأخرج))

 

هل يزعجك هذا النوع من الأسئلة؟

 

لا يوجد أقسى منها على الإطلاق، ومع ذلك أعتبرها بروفا.

 

ما الذي يفكر فيه إنسانٌ في لحظة احتضار؟

 

طالما فكرت في لحظة الاحتضار كثيراً، حتى أني رسمتها في مخيلتي. لم أفكر إلا في من صرفت حياتي معهم، أريدهم أن يكونوا بجانبي كي أدخل العدم مطمئناً.

 

تقول الاحتضار.. ما هو الاحتضار؟

 

الاحتضار هو أن لا تجد نفعاً أو معنىً لما تفعله، ولا جدوى لما تبقى لك من وقت. هل أنت من ينتظره الآخرون لتقول الكلمة الأخيرة فيستمعوا لك؟ هل نسيت الملايين الذين يصرخون منذ عشرات السنين منادين بروعة الحياة والمعنى؟ لكنك تعود وتقول لا بأس، عليّ أن آخذ هذا الاحتضار إلى جهةٍ أخرى، عليّ أن أبقي جذوة الحياة متقدةً فيه. لا يهم الجسد، جسدي لا يعنيني، ما يعنيني أكثر هو ما تسبّب في احتضار هذا الجسد، ما تسبّب في موته. سآخذ هذا الاحتضار ليمنح موتي خلوداً ما، ولو بين يدي إنسانٍ واحد، واحدٍ فقط، سأترك حياتي بين يدين ما، شخص يقرأني بمحبة، يتفرّج على لوحتي بفرح، ويقرأ قصيدتي فتمتلئ عينيه بالدموع.

 

((يقرَعُ الجرَسَ غريبٌ،

فأصرخُ مذعوراً، اتركني وشأني يا غريبُ!!))

 

أما أنا فأعيش احتضاري كلعبة، أراقب نفسي وجسدي كيف يتغيران، كيف عليّ أن أتقبل الموت البطيء وهو يتسلل كلصٍّ داخل خلاياي، كفكرةٍ طائفية، كجنديٍّ من جنود الله الكريهين بسيفٍ وحربة، جميعهم يقتحمون خلاياي ويعملون تمزيقاً في أوردتي. لا أفكر كثيراً في أن السرطان موجودٌ هناك ويقوم بنفس الشيء. السرطان مسكين. هو مثلنا، مجرّد خطأ بيولوجيٍّ عجزنا عن فهمه فحمّلناه المسؤولية. أن تكون مجرد خطأ بيولوجيٍّ هو أمرٌ يمنحك الكثير من الحصانة ويستدعي عطف الآخرين ممن يعتقدون أنهم أحسن حالاً منك ولو بيولوجياً، مع أن الخطأ البيولوجيّ هو فقط مع فرق التشخيص والتسمية، وربما قليل من الأعراض، لكنه خطأ بيولوجي. مثلاً: مخرجةٌ سينمائيةٌ تشبه ماكنة حصاد عرانيس الذرة تعتقد نفسها جميلة؛ شاعرٌ شابٌّ لا يتوقف عن نشر صوره قبل قصائده متجاهلاً كونهما خطأين بيولوجيين؛ مفكرٌ وحكيمٌ ومنظّرٌ لثوراتٍ هي بحدّ ذاتها خطأ بيولوجي. في النهاية لا بدّ من القفز فوق كلّ هذا، فكلّ هذا سخيفٌ ومثيرٌ للسخرية. الاحتضار الحقيقيّ عندما لا تتمكن من قتل كلّ الأفكار الكبيرة واللمّاعة والمعتقدات الكسولة. الاحتضار الحقيقيّ هو أن تبقى واقفاً عند العتبة يتملكك الرعب من مغادرة البيت الذي يحوي كلّ ما يمنعك من التحليق.

 

وكأنك تكتشف الكذبة.. الكذبات الصغرى؟

 

والأكاذيب الكبرى أيضاً.

 

مثل ماذا؟

 

مثل الله، العدل، المساواة، الإخاء، الجنة والنار، العائلة، الوطن المعتم كقبر، هذا هو الاحتضار. والأكثر هو أن لا تكون لديك الفرصة لتعلن أنك لست جزءاً من كلّ هذا، وأنك تنكرها جميعها.

 

ماذا عن احتضار الجسد؟

 

احتضار الجسد مؤلمٌ كفكرة، لكنها في النهاية مريحةٌ كمخدر. إنها نهايةٌ للآلام والآمال، لا يهم ما الذي سيكون بعدها، إن كان هناك شيء ما. هو الموت، بما يعني النهاية، نهايتك الكاملة، الجسدية والروحية. إذ لن يتبقى منك -ولوقتٍ قصيرٍ- سوى بضع غراماتٍ من الزبالة العضوية، وبضع صورٍ شخصيةٍ تحتفظ بها في جهازٍ إلكترونيّ، بكلمة سرٍّ، لن يأبه أحدٌ إليه.

 

 

هؤلاء سيكونون في وداعكَ؟

 

سأكون فقط أنا وموتي، سيشدّ أحدنا عزيمة الآخر، سأتّكئ على صدره، وسيغمض عينيَّ بلطفٍ كي لا أرى وجهه، وجه موتي اللطيف.

 

ذاكرة المحتضر قاصرة.. فضفاضة.. كثيفة.. كيف تتراءى لك؟ ما هو موقع العامّ من الخاصّ في تلك اللحظة؟

 

يصمت سعد الله عند هذا السؤال، فثمة إعياءٌ بيولوجيٌّ أصاب الرجل، غير أن أسئلة رفيقه في لعبة النصّ تتدحرج بغزارةٍ وكأنها متلهفةٌ على من يجب:

 

ما هو هذا الكوكب الذي غادرته؟ من يحكمه ويتحكم فيه؟ هذا الله الذي أذهب إليه، ما هو خيالي عنه.. من هو؟ أيّ ذاكرةٍ حملت معي.. ذاكرة الكاتب.. ذاكرة الرجل.. ذاكرة المرأة.. ذاكرة البيئة؟ هذا النصّ الذي كتبته.. لمن؟ من سيقرأه؟ كيف سيقرأه؟ كيف كتبته؟ بلادي كيف ستكون بعد مئة سنة.. بعد سنة.. من هذه اللحظة؟ هل من متعةٍ لو كان في هذا العالم تقمّص؟ ما هو الشكل الذي أبحث عنه في جيلي المقبل؟ أيّ امرأةٍ أريدها أمي؟ أيّ بلادٍ أرغب في أن أنتقل إليها؟ ما الذي سيكتبه أصدقائي عني سوى: رحمه الله أو السلام لروحه؟ حين أغادر.. من هم زملائي الجدد من الموتى؟

 

يتوقف سعد الله عن الإجابة، وبعدها تتداعى إجابةٌ لن نقطعها بالسؤال:

 

أودّ بشدةٍ إغلاق كل الأبواب خلفي، والدخول في الصمت الذي لا همسة بعده. صدقيني، الحياة تجربةٌ ناقصةٌ دائماً، وأنا تعبت من هذا النقصان. لا آملُ بأيّ إلهٍ مما يستدعي معه فرصة حياةٍ أخرى أو امتدادٍ لوجودٍ ما. مررنا بكيانٍ محدّد الهوية والدور والوظيفة، شيء يشبه الخدمة الإلزامية في جيشٍ كونيٍّ لا نعرف حجماً له، فتخيلي الورطة وكمية الأسئلة.

 

ستكون لحظة المغادرة، وآمل أن أتخفف من عبء هذه اللحظة، ستكون لحظة تشبثٍ ربما بما ستعتقد أنه لك، وأنه سيكون من الصعب عليك التخلي عنه؛ ذكرياتك، همس المحيطين بك، نظرات المودعين وحزنهم وربما استعجالهم ومللهم، فهذا كلّ ما سيتبقى لك. وإن كنت محظوظاً ستحصل على فرصة أن تذوي بهدوءٍ وصمت، نقياً من الذكريات، كمسافرٍ بحقيبةٍ فارغة، فليس هناك ما تحتاجه سوى أن تُترَكَ وحدك، لأن كلّ ما سيقال لحظة رحيلك لن يعني شيئاً ما لم يُقَل في وجودك. سيحافظ الآخرون على الصورة التي رسموها عنك طيلة سنوات، لن تكون يوماً أنت، ستكون للأبد تلك الصورة! لا سيما أنه لا أمل في وجود إمكانية تقمّصٍ ما، وجود آخر يربت على كتف روحك الجريحة في هذه الأرض المجهولة، وإلا لكنتُ اخترتُ -إن خُيّرتُ- أن أكون صخرةً يبول عليها فتيةٌ ناقمون على كلّ شيء.

 

 

أرغب في أن تكون لحظة المغادرة استثنائية، لحظةً لإلقاء نظرةٍ على حجم هذا الكوكب المحشوّ بالواهمين، شذاذ الآفاق، المدّعين، الأنبياء المزيفين، دعاة الموت. لحظة تخففٍ من كلّ ما كان يأخذ شكل عبءٍ على روحك، ولحظة أن تشهق آخر ضحكةٍ في وجه كلّ هذا وتغيب.

 

 

 

 

 



19 أيلول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة