728 x 90

قراءة في كتاب قصص غريبة من المدرسة العجيبة

1551112303.jpg

 

 

التربية من التلقين إلى التعلُّم

 

*أدونيس غزالة

 

 

 

مَن يقرأ كتاب "قصص غريبة من المدرسة العجيبة" لمؤلفه لويس ساشار ترجمة ريمة الجباعي، يحتاج إلى بصيرة نافذة لكي يكتشف أن الكاتب يقدّم لنا نموذجين متناقضين من نماذج التربية، فهو كتاب للمربّيات والمربّين قبل أن يكون للأطفال. يقول الكاتب إنه ربما استوحى فكرة الكتاب من ذلك المكان المرتفع، (الطابق 98 من الإمباير ستيت، مبنى الإمبراطورية)، حيث كان يعمل أبوه، ومن عمله مشرفاً في مدرسة أطفال. نفهم من ذلك أن الكتاب يجمع بين التفكير النظري والتجربة العملية.

 

حين تفرغ من قراءة القصة تكتشف أن المجموعة استغرقت نماذج مختلفة من الشخصيات، تشير إلى المشكلات التي ينبغي أن تعالجها التربية وإلى كيفية معالجتها. فقد نحّى الكاتب فكرة الشخصية المركزية وجعل جميع الشخصيات شخصيات مركزية ــ وهذه غمزة ديمقراطية ذكية من عين المؤلف ــ فكيف يمكن أن  ندعم ثقافة الاختلاف من دون مساواة حقيقية؟ ثلاثون قصة تدور أحداثها في مدرسة  بُنيت خطأً. ثلاثون طابقاً باستثناء الطابق التاسع عشر غير الموجود أصلاً، ما يثير أسئلة إجاباتها مفتوحة.

 

 مع "السيدة غورف" وهي أكثر المعلمات قسوة، كما وصفتها القصة، تبدأ الحكاية: السيدة غورف نموذج للمربية المتسلّطة، التي بحراستها لهذا النموذج، تهدم إمكانات المتعة والإبداع في التربية: انتبهوا أيها الأطفال من لا يعرف الإجابة الصحيحة على أي سؤال سأقوم بهزِّ أذني ومدِّ لساني وسوف أحوّله إلى تفاحة. لهذا لم يكن لها مستقبل في قصة من هذا النوع. ومن الطبيعي أن تنتهي السيدة غورف منذ القصة الأولى، وتتحوّل هي نفسها إلى تفاحة. القسوة التي تربّي الخوف لم تثمر، لأن الأطفال كانوا أذكى من خوفهم.

 

"جو" أحد التلاميذ الذي حوّلته "السيدة غورف" إلى تفاحة، كان يغش لأنه لا يعرف كيف يجمع، فالقصة تخبرنا أن "جو" لا يحب الغش ولكن "السيدة غورف" أجبرته على ذلك.

 

في القصة الثانية "السيدة جولز" تظهر كبديل ونقيض للسيدة غورف التي انقلب سحرها عليها بعد أن أصبحت تفاحة والتهمها بالخطأ "لويس" مشرف الباحة. منذ دخولها الصف أعلنت "جولز" أنها ترى قروداً ولا ترى تلامذةً، بالطبع أخذ التلاميذ يثبتون لها بكل الوسائل أنهم أطفال، وعندما أقرّوا أنهم أطفال وصلت إلى مبتغاها، وأعلنت: لهذا السبب يتوجّب عليكم أن تقوموا بما يقوم به الأطفال من واجبات. لقد وصلت إلى ما تريد، لا بالقسوة كالسيدة غورف، إنما بالحب ثم باختيار التلاميذ وإرادتهم. لم تتدخل "السيدة جولز" بشكل مباشر، لقد أعطت الفرصة كاملة للطفل حتى يصل إلى النتيجة ويكتشف الخطأ.

 

 وقصة "مايرون" الذي عيّنته "السيدة جولز" رئيساً للصف تشير بوضوح إلى ذلك. إن المهمة المنوطة به، هي إنارة الصف في بداية الدوام وإطفاء المصابيح في نهايته فقط، و"مايرون" الذي لم يقتنع بهذه المهمة البسيطة بدأ يمارس دوره كرئيس حقيقي للصف، وألقى مهمة الإنارة خلف ظهره، ومع ذلك تركته "السيدة جولز" يكتشف مسؤولياته بنفسه. و"جاسون" الذي وشى بليزلي التي تمضع علكة، لم تعاقبه على ذلك، بل عاقبت "ليزلي"؛ ولكننا سنكتشف في نهاية القصة  أن من عوقب هو "جاسون"، وليس "ليزلي"، والعقوبة ليس من قبلها، لقد جعلت "السيدة جولز" الأحداث تأخذ مسارها، فيُعاقب "جاسون" بعلكة "ليزلي" التي وضعتها على مقعده والتصقت به.

 

أمّا "قصة سيمون" فإننا نكتشف في نهايتها أنه ليس تلميذاً، بل فأراً ميتاً، لذلك قامت السيدة جولز برميه خارجاً، لقد أوصلت لهم فكرة أنهم موجودون في صفها لأنهم تلاميذ أذكياء، تفوح منهم الحياة، ولا يمكن لهم أن يشبهوا هذا الفأر الميت. أمّا "داميون" الذي كان يتمتع بعينين قادرتين على رؤية كل شيء، ما عدا نفسيهما، أرسلته السيدة جولز إلى لويس (مشرف الباحة)، ليدعوه لحضور الفيلم. انتهى الفيلم ولم يتمكن "داميون" من مشاهدته. المراوحة بين الباحة والطابق الثلاثين علّمت "داميون" درساً لن ينساه. العين يجب أن ترى أبعد ممّا تقع عليه. لهذا سينتبه هذا الطفل كثيراً فيما بعد.

 

"جوي" التي أكلت وجبة داميون خلسة لم تعاقبها السيدة جولز ولم تضطرها إلى الاعتراف، ولكن بطريقتها التربوية جلعتها تعترف بخطئها أمام نفسها، ثم لن تكرر ما فعلته أبداً.

 

  في جميع القصص تعاملت السيدة جولز مع التلاميذ بعين الطفل، كانت تقوم بحل المشكلة بدلاً من العقوبة، إضافة إلى أسلوبها الذي كان يجعلهم يصلون إلى حل مشكلاتهم من دون تدخّلها المباشر، فجو الذي كان يغشّ لأن السيدة غورف، مثلاً، لم تعلمه العدّ. السيدة جولز هي التي قامت بتعليمه العدّ، وقد اتّبعت معه طرقاً تربوية تقوم على تعزيز الثقة بالنفس. وهكذا استطاعت أن تلغي خوفه وعجزه وشعوره بأنه لن يتعلّم العدّ أبداً. وشيري التي كانت تنام دائماً في الصف، بعد اليوم الذي سقطت فيه إلى أحضان لويس الآمنة، لم تستطع النوم، ربما عثرت على الحياة قريباً من فقدانها. لو أن السيدة جولز أنّبتها وعاقبتها كانت شيري ستهرب إلى النوم كلما واجهتها الحياة.

 

  المفاهيم التربوية كانت كثيرة في هذا العمل فالتعلّم من خلال اللعب كان واضحاً في قصة دانا، فدانا كانت تعاني من قلّة التركيز، بسبب لسعات البعوض على جسمها. قامت السيدة جولز بتحويل هذه اللسعات إلى أرقام ساعدتها على التخلص من الهرش المتواصل عندما استطاعت أن تجمعها. والانتباه إلى رغبة الطفل وقراءتها بشكل صحيح وعدم محاكمتها من منظورنا، نحن الكبار، بل من منظور هذا الطفل. كل هذا سنلمسه في قصة ديدي التي تواطأت معها السيدة جولز وتغاضت عن خروجها قبل انتهاء الحصة لتحصل على كرة خضراء، إضافة إلى تأكيد فكرة التربية بالحب، كما في كاثي وأليسون وروندي وموريشا. كما لم ينس هذا العمل الإشارة إلى دور الأسرة، كما في قصة جيني ونانسي.

 

الكاتب لم يفرد للسيدة غورف غير قصة واحدة، فهي النموذج العام الذي عرفناه جميعنا يوماً ما، أما السيدة جولز فقد كانت حاضرة في جميع القصص، فهي النموذج الذي قد لا نتعرّف عليه في مدارسنا وفي أنفسنا أيضاً، لكن على الرغم من غياب السيدة غورف في بقية القصص إلا أنها ستبقى حاضرة في ذهن القارئ في كل قصة من قبيل المقارنة بينها وبين المعلمة جولز.

 

القصص متخّيلة، ولكنها تحاكي الواقع، القصة الأخيرة تؤكد أن من يرى هذا مجرّد مخّيلة فهو مخطئ، فأطفال القصة لا يختلفون عن أطفالنا والمعلمتان غورف وجولز موجودتان، ولكن يبقى السؤال من مِنَ المعلّمتَين هو النموذج العام في واقعنا؟ سؤال لن يجيب عنه إلا واقع أطفالنا. 

 

 

 



22 أيار 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة