728 x 90

في الدولة "المدنيّة" والنفعيّة الغَرَضِيّة

1841408779.jpg

 

 

مبكّراً، ومنذ بدء الحراك الشعبيّ السوريّ في مارس 2011، تمّ طرح شعار الدولة "المدنيّة" عبر بعض رموز النخبة السوريّة، ليكون تعبيراً وخلاصة تجربة المثقّف السوري والنخبويّ الثقافيّة وقراءاته المعرفيّة من جانب، ومن جانب آخر لتلاقي طموحات الشباب السوري في مكتسبات المدنيّة من حرّية وديمقراطيّة وعدالة ومساواة، وفي رؤية سياسيّة كفارق مميّز عن دولة العسكر وتسلّط الأجهزة الأمنيّة على مقدّرات الدولة وسطوتها على كل إمكانيّات المجتمع الماديّة والشبابيّة وتجييرها لمصلحة سلطة الاستبداد وديكتاتوريّة الفرد، ماله من تبعات فساد وهيمنة واحتكار كانت الأسباب الرئيسة لقيام الثورة.

 

خضع مفهوم الدولة "المدنيّة" لاعتراضات عدّة ومناقشات جمّة، خاصة في ربط الصفة بالموصوف المفترض أن يكون حيادياً في الأساس، فالدولة ومؤسّساتها لا تأخذ صفة بعينها سوى صفة الوطنية، فالدولة هي تجريد الأمة بكل تعييناتها، والتي تعني بالضرورة أنها دولة الكلّ المجتمعيّ بكلّ ما يحمله، ويتضمّنه من مدنيين، وأهليين، وسياسيين، ومتديّنين.... وتنظم العلاقة بينهم وضعيّة القانون ومساواة الجميع في الحقوق.

 

 

وفي جانب آخر إن تشكيل الدولة سابق على تشكيل المدنية، فالدولة وجدت مذ وُجِد التنظيم البشريّ بينما المدنيّة أتتْ لاحقة لذلك في صيغة العقد الاجتماعي من القرن السابع عشر (روسو هوبز لوك وغيرهم) في سياق الثورة البرجوازية والليبرالية المعلنة. كما أنها، أي المدينة، لم تتخلق مباشرة بصيغتها الناجزة اليوم، بل مرّت عبر حلقات من التطوّر بدءاً بالحرّية والعدالة، إلى العقد الاجتماعي، إلى حقوق المشاركة في الانتخابات المتساوية، إلى حقوق الإنسان وحقوق المرأة وصولاً لإلغاء التمييز العنصريّ بين البيض والسود إلى حقوق المثليّين جنسياً وغيرها.. وفي سياق هذه الصيرورة تشكّلت المؤسّسات المدنيّة المستقلّة والمعرفة بNon-Governmental Civil Organizations NGCO   خارج إطار المؤسّسات الرسمية للدولة، وشكّلت نقاط ضغط عليها في موضوعة الحقوق العامّة، لتكون بذلك الصفة المدنيّة صفة لاحقة لتشكيل الدولة لا يمكنها أن تحلّ محلّها أبداً، ولا الدولة يمكنها الاستغناء عن دورها فكلاهما مكمّل لبعض في دورة حياة ديمقراطيّة مدنيّة تتكامل فيها المسؤوليات والحقوق.

 

الملفت للنظر هنا، وفي سياق تجربة الثورة السوريّة، أنه على الرغم من وعي الكثير من النخبة السوريّة لهذه المسلّمات وسرعة تراجعها عن مفهوم الدولة المدنيّة إلى دولة المواطنة، إلا أن هناك شريحة من النخبة الموصوفة بالـ ما فوق- مدنية Ultra-Civil ( يمكن مراجعة بحث سابق عنوانه: المجتمع المدنيّ السوريّ بين الرؤية والواقع، قلمون عدد 1، 2017)، قد سارعت للتأسيس للعديد من منظّمات العمل المدنيّ المستقلّة الناجزة، قبل أن تتشكّل وتتّضح معالم الدولة السوريّة الحديثة أو الجمهورية الثالثة، كما نرغب بوصفها سياسياً.

 

وخلفيّة الموضوع قد تبدو نوايا حسنة، والنوايا الحسنة حمّالة للأخطاء المعرفيّة، في تشكيل المدنيّة السوريّة كرافعة للهويّة السياسيّة، لكن ظهور النزعات والأهداف السياسيّة غير المعلنة في بداية التشكيل، أظهرت النفعيّة والغرضيّة الموجّهة من هكذا تشكيلات، وهذا ليس للتعميم الجزافي بقدر إلقاء الضوء على صورة محدّدة. ما يحيلنا إلى اشتقاق مفهوم الغرَضيّة الموجّهة نفعيّاً  Object-Oriented Pragmatically (oop) على أنها منظومة عمل تقوم على توجيه معطيات ووقائع الأحداث لمصلحة جهة ما أو فرضية ما، تستلزم ليّ عنق الواقع والأحداث للوصول لها، وتتمتّع بنزعة تبريرية وصفيّة بغية تمرير مشروعها النفعيّ.

 

وظهرت جليّاً هذه النفعيّة من خلال السعي الحثيث سواء للمشاركة في مؤتمر جنيف 3 وما تلاه لليوم، ماله من ضمانات بمساهمة الثلث المدني في الحلّ السوري، أو من خلال استبدال مفهوم الدولة "المدنيّة" بالدولة "العلمانيّة"، وكأنه حقّ أريد به باطل، فمن جانب سعى الكثير من الغرضيّين السياسيّين لإنشاء تحالفات سياسية سريعة بمرجعيّة روسيّة في الأداء والتنفيذ من خلال منصّات متعدّدة تستند إلى فكرة وجودها في الداخل السوري بأذرع مدنيّة متعدّدة، وسرعان ما تزيد من حجم وجودها الصوري عبر تشكيل تيارات متعدّدة أخرى من ذات الشخوص وبمسمّيات مختلفة. وفي الجانب الآخر تعطّلت الحلول السياسية لمسار الثورة السورية عند الحملات العسكرية الروسية ودخول الكثير من المناطق والمدن السورية تحت بندي التهجير أو المصالحات المذعِنة، ما جعل الشارع السوري بتعييناته الأهلية وشبابه شبه المدني وقواه السياسية المعارضة، ينظرون بعين الريبة والشكّ في "المدنيّة" أو "العلمانيّة" المعلنة من قِبَل تلك المنظومات ما فوق- المدنيّة.

 

 

الوصفيّة والكلاميّة الشكليّة هي أكثر الأخطاء المعرفيّة إدانة على مستويي الفكر والأخلاق، ليس لأنها بلا مضمون أو هوية ثقافية فقد تحمل في طيّاتها الكثير من ذلك كما في التعريف المدني للمسألة السوريّة ومنظماتها، بل لأنها تضع أهدافاً سياسية مبطّنة خلاف ما تطرحه للعلن من جانب، ومن جانب آخر تجعل المفهوم الكلّي كمفهوم يحمل قيمة إنسانيّة دفعت البشرية الكثير من التضحيات، والثورة السورية أيضاً لأجله، مفهوم مسطّح ومبتذَل. فالعلمانيّة كصفة للدولة الحديثة لا يمكن أن تأتي عن طريق إنشاء التحالفات السياسية التي تعمل في ظلّ عمليات عسكرية روسيّة تدمّر مواقع وحواضن الثورة بحجّة واهية هي الإرهاب، هذه التبريريّة النفعيّة للقتل تخرج العلمانية كما المدنيّة، وحملتها من دائرتها المعرفيّة الأولى في الفصل بين الدولة والدين، وهذا الفصل لا يعني أبداً اجتثاث الدين بقدر تثبيته كجزء من تاريخ البشر وتراثهم ومعتقداتهم على أن تتمّ ممارسته خارج مؤسّسات الدولة الخاضعة للقوانين الوضعية والعقد الاجتماعي العام. وأيضاً، لا يمكنها ردّ كل المسألة السوريّة للإرهاب متغاضية عن عنف وتسلّط وديكتاتوريّة النظام الذي يحاول لليوم اللعب على كلمات محاربة الإرهاب وحماية العلمانيّة والديمقراطيّة صوريّاً وكلاميّاً فقط.

 

في كتابه "العرب والفكر التاريخيّ"، سلّط العروي الضوء على الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة، ورأى ما يُماثلها عربياً، في نقاط أربع: الفوضويّة التي تُشخصِن كل القضايا على قدر الفرد ورؤاه الذاتية، الفرويدية في التشخيص النفسي والتعالي الذاتي، الشكليّة الصوريّة الكلاميّة بلا مضامين أو هويّة معرفيّة محدّدة، والسريالية الطوباوية في رؤية الواقع. لكنه لم يُدرِج معها النفعيّة التبريريّة المتصالحة مع مربّع الذاتويّة الذي نقده .في الثورة السوريّة، ثمّة خلط كبير بين العلمانيّة أو المدنيّة وبين الغرضيّة الموجّهة نفعيّاً، فالثانية انزلاق وخروج عن الأولى إلى مصافّ المصلحة السياسيّة المحض على حساب مظالم الناس وثورتهم، وليس فقط هو خروج مُريب عن سياق العمل المدني إلى ساحة الهيمنة للسطوة المالية المموّلة وأدوات عملها في صناعة القرار سواء بقربها من مراكز صناعة القرار العالمي أو منظمات الدول المانحة. وقد يقول قائل لا عمل مدني مستقلّ إلا بتمويل! ويبدو هذا حقّ إذا ما اتّضح شرطا شفافية التمويل والاستقرار السياسي لضمان الحقوق بظلّ القوانين الناجزة وهذا ما لم يتحقّق بعد، ومن جانب آخر وهو الأهمّ، إن حجم ثورة بدمها الكبير ومساحة القتل والدمار المتّسع بها، جعلت كل الأهداف المدنيّة والعلمانيّة محطّ تساؤل ونبذ دائم من قِبَل فئات الشعب السوري المستباحة هذه، ما يقود إلى تفتيت مغروض في هويته ووحدته الوطنية.

 

ليست العلمانيّة ولا المدنيّة هي العيب، ربما يحقّ لنا القول إنها النفس الأمّارة بالسوء، وهذه في مخاض التجارب الثورية حالة طارئة مهما امتدّت، تبقى ابنة ظروف تشكّلها يمكن للعمل المدني المتضامن وبالتعاون مع العمل السياسي أيضاً، أن يحدّا منها ومن غرضيّتها النفعيّة في سياق الإنجاز والتقدّم، وهذا من المهمّات والتحدّيات الكبرى أمام الفكر المدني وحوامله المدنيّة الفعلية، الأمس واليوم وغداً مهما كانت كلفة التجربة وعوائقها، سواء بسبع سنوات خلت أو بسبع قادمة أخرى، فهي مشروع دولة وأمة تخوض معتركها بين الأمم بين سؤالي الوجود والعدم.

 

 



31 آب 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة