728 x 90

فيلم عطش رمز صوريّ لعزلة وطن

3194355996.jpg

 

فيلم عطش يصور حياة الإنسان الفلسطيني ومرارة الجفاف والحروب التي يقاسيها في حياته، فهناك عطش للعيش بحدّ ذاته وعطش روحي لمحبّته الأرض منتمياً إليها، متشبّثاً بجذوره التي تربطه بها، عطش ميتافيزيقي  آخر يجسّد حالة عزلة الفرد حتى عن نفسه التوّاقة للحياة، وكذلك عزلته عن مجتمعه مصارعاً كل ما فيه للحصول على قطرة أمل يحيا بها، مناشداً الاستمرار رغم آلام الجفاف والقهر بكل أبعاده، والتي بَرَع المخرج توفيق أبو وائل في نقلها، من خلال حكاية عائلة فلسطينية تُدعى عائلة (أبو شكري ) مختزلاً بها كل الإسقاطات الفكرية والاجتماعية والسياسية لحال فلسطين.

تلك العائلة  التي تعيش بعيداً عن الناس في واد مهجور والذي كان فيما مضى مركزاً لتدريب الجنود الإسرائيليين، فالعائلة وأفرادها مستوطنون  غير شرعيين آلت بهم الحال هذه بعد حالة النزوح التي فرضها الأب ( أبو شكري ) على عائلته وخاصة بعد حادثة اغتصاب ابنته جميلة، الحدث الذي مزّق كيان الأسرة من الداخل وعرّضها لحالات الصراع الاجتماعي والاقتصادي.

       في تلك المنطقة حيث مقوّمات العيش الكريم فيها معدومة تعاني من جديد شكلاً آخر من الألم، وهو حالة الوحدة والعزلة الخارجية إضافة  للعزلة الداخلية بين أفرادها، والتي استطاع المخرج أن يعبّر عنها بشكل واضح من خلال مشاهد غالبيّتها صامتة عبر تمرير بعض الكلمات المقتضبة في الحوار الدائر بين أفراد الأسرة، والتي استخدمها باحترافية عالية، كشف حالات المتناقضات والثنائيات المتعاكسة التي أجاد طرحها من خلال شخوصه وانفعالاتها، طارحاً بذلك عدداً من الأسئلة الجوهرية في الخطاب السينمائي وخاصة الفلسطيني، متباعداً في الرمزية الإسقاطية المرتحلة  بين النقيضين في تصوير الحكاية، بين الهوية والانتماء، بين الصراع والقبول، بين التمرّد والاستسلام، بين الماء والنار، بين الحب والكره، بين القسوة والحنان، بين العطش والارتواء، لتصبح حكاية عائلة أبو شكري هي قصة فلسطين في بعدها الزمكاني التاريخي التي صوّرت بخطّ زمني درامي سينمائي جديد  معتمدة على إظهار الثنائيات المتضادّة في تمرير مشاهده التزامنية المتواصلة، فكل مشهد كان لا يخلو من وجود النار والماء كعنصرين متضادّين متلازمين، فمثلاً شخصية الأب أبو شكري  ظهرت كشخص يعمل في صناعة الفحم وبيعه لتأمين لقمة العيش لأسرته، فبالنار يصنع الفحم لتأمين صيرورة الحياة المعيشية لأسرته وبالماء يروي عطشهم، حيث عمل جاهداً لوصول الماء لبيته عبر ماسورة وأنابيب ممدّدة من قرية مجاورة والذي تناوب هو وابنه شكري على حراستها حفاظاً منه على حالة الارتواء بكل مفاهيمه، وبالتالي يظهر الماء والنار كثروتين جماليّتين في الفيلم الذي يعتمد في كثير من كوادره على هذه العناصر مثل الدخان والفحم والنار والماء.

       إضافة لتناول المخرج ببراعة حالة العزلة الكارثية والعطش الداخلي لكل شخصية على حِدَة، ومحاولتها بأسلوبها في التفكير لكسر هذه العزلة والخروج من حالة العطش الدامي الذي تعيشه هي والبلاد.

فمثلاً البنت الكبرى لعائلة أبو شكري جميلة نشاهدها تجاهد في كسر جدار الزمن كنوع من التسلية والتمرّد  على واقعها لتجد في رواية الكاتب محمد شكري حلماً لها فلا تفارقها الرواية التي تحتفظ بها في صندوق أسرارها مع صورة لحبيبها، لنكتشف أن  ما مرّت  به هو علاقة عاطفية وليست حالة اغتصاب كما اعتقد أبوها، متشبّثة بالرواية التي كانت قصّتها تشابه معالم شخصيتها الثائرة المتمرّدة والراغبة بالتعلّم. وأيضاً حليمة البنت الصغرى  التي تذهب لعالمها المُتخّيل عبر الموسيقى لتصنع بدلاً من آلة القانون آلة بسيطة من المسامير و أغطية المشروبات؛ لتخلق موسيقاها بنفسها، مولجة نفسها في عالمها الافتراضي بعيداً عن واقعها العَطِش المعزول عن الحياة نفسها، وأيضا شكري الابن الذي يصارع الأب في إصراره للذهاب إلى المدرسة، فنشاهده أيضاً شغفاً بكسر حالة العزلة الزمانية التي وضعت بها العائلة، ممسكاً المذياع الذي وجده في الغابة محاولاً إصلاحه بكل قواه، ليتمكّن من خلاله السفر للعالم الخارجي ولو ذهنياً، وكذلك الأم التي نشاهدها تحاول تعلّم القراءة والكتابة رافضة أمّيّتها، رافضة حالة تغيبيها القسري عن مفردات الحياة، صانعة أبجدية جديدة للتعامل مع الحالة الموجودة، أمّا الأب وحده فكان حبيس ذكرياته ورفضه، معانداً التغيُّر بكل معانيه، مشكّلاً مصدر ضغط أُسريّ حتى على العائلة نفسها. كما عمد الفيلم أيضاً إلى جانب تصويره حالات العزلة الفردية لكل شخصية إلى الانتقال لطرح حالات الصراع بين أفراد الأسرة نفسها بين بعضهم البعض من جهة، ومن جهة ثانية مع عالمهم الخارجي.

 

مشيراً لحالة الاستبداد بينهم، وذلك عندما حاول شكري فكّ أَسر أخته  جميلة من القيد الذي وضعها أبوها فيه، عندما حاولت  الهرب والتمرّد عليه، مصوّراً معاندة الابن أباه الظالم التسلُّطي الذي كان يستخدم القوة كلما سنحت له الفرصة للسيطرة على أسرته بحسب منهجيّته التسلُّطية في التفكير، هذه القوة الظاهرية  التي سرعان ما تتلاشى أمام الواقع الخارجي لتتحوّل إلى ضعف كبير وخنوع، والتي ظهرت جليّة في عدم مقدرته مواجهة لصورة جندي إسرائيلي وعدم مقدرته إطلاق النار عليه، وكذلك يظهر في مشهد وهو مختبئ خلف شجرة عندما يسمع صوت طيارة هليكوبتر إسرائيلية تحلّق فوقهم، متشبّثاً بابنه بخوف شديد، وتتجلّى سخرية المشهد، بضحكة الابن على أبيه وسرواله المبلّل من شدّة الخوف.

وحالة المفاجأة كانت في ذاك المشهد الذي سيظهر فيه الأب وهو يحاول تخريب ماسورة المياه التي تروي عطش أسرته، ويكتشف الابن ذلك ويبقى صامتاً.

وبذلك يكون المخرج قد استطاع بذكاء الخروج من تصوير حالة الصراع الفلسطيني بشكل مباشر، مكتفياً بإعطاء دلالات إسقاطية كبيرة (أنابيب الماء ، المسدس الذي لا يعمل ، المكان الذي تعيش به الأسرة)،  بمشاهد تصوّر حال المقاومة الفلسطينية الداخلية وصراعاتها في الداخل ومع الخارج على مدى ما يقارب حوالي ستّين عاماً من الاحتلال والظلم.

أثار فيلم عطش جدلاً سينمائياً، وخاصة بعد حصوله على  جائزة النقد الدولي في مهرجان، وجائزة التحكيم في مهرجان السينما العربية في باريس عام 2004، حيث عبّر الفيلم برمزيّته الجمالية عن الحالة المؤلمة التي آلت إليها القضية الفلسطينية  بين حصار وقمع وشرخ بيئي وسياسي , وتسلُّط كبير ظلامي حتى في إيجاد الحلول للبلاد لارتوائها وحرّيتها.



21 تشرين ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة