728 x 90

فيلم حكايا اسطنبول

1908583907.jpg

 

عن فراشات الضوء في زحام المدن

 

*عمار عكاش

 

المدن الكبيرة أشبه بالآلهة، رحيمةٌ وجبّارةٌ مستكبرةٌ مثلها. يفِدها الناس محمّلين بالأحلام ثم لا يلبثون أن يصبحوا بُرغيّاً آخر في ماكينتها، ومع ذلك لا تبطل تعويذة سحرها. لطالما قدّمت السينما هذا الموضوع، وغالباً ما ركّزتْ على حكايا البشر المسحوقين وراء واجهات المدينة الخلّابة.

 

لا يخرج فيلم حكايا اسطنبول، للسيناريست والمخرج أوميت أونال، عن هذه السياق، لكن بخصوصيةٍ تركيّة.

 

يقوم الفيلم على حبكة القصص المتقاطعة؛ بشرٌ متفرّقون يجمعهم المكان اسطنبول، وتسحقهم يد القدر القاسية. تسير الحبكة كقصّةٍ خياليّةٍ للأطفال لكنها تجري في عالمٍ واقعيّ. يبدأ الفيلم بصوت الراوي عازف الطبلة دينيس يقول: “كلّ شيءٍ ستجدونه هنا، حب، جنس، خيانة، انتقام، كلّ ما يمكن أن تحمله حكاية”. تتقاطع مصائر البشر، لكنهم أشبه بذرّات غبارٍ مبعثرةٍ تلتقي عرَضاً فقط.

 

اشترك أربعة مخرجين في إخراج الفيلم مما منحه حيويةً دون أن تتشتّت خيوط الحبكة. الحكاية الأولى عن عالم الحب والخيانة، بطلها حلمي عازف الكلارينيت الذي يعشق زوجته الشابة اللعوب، ويكتشف أنها تخونه فيعلّق بعد صدمته: “بأن الحكاية انتهت”، ويهيم على وجهه في شوارع اسطنبول. الحكاية الثانية يتعرّض فيها ملك عالم الجريمة إحسان للاغتيال من قبل مساعده الشخصيّ وزوجته، ثم يعتزمان قتل ابنته….. فتنقذها قزمةٌ تعيش تحت الأرض، تشبه شخصيّةً خرافيّة، وتقول لها: "لا تثقي بأحد، هذا العالم عالم الذكور"، فأخوتها الأقزام السبعة طردوها من منزلهم لكن أحداً لم يروِ حكايتها. تضيء هذه الجملة حقيقةً ساخرة، فشخصية عالم الحكايات الموعود تقول لها إن عالم الواقع مليءٌ بالغدر وبالآلام، وهو ليس مثل ما لقّنونا أيام الطفولة. واسطنبول، المدينة الحديثة الكبيرة، يحكمها الذكور. الحكاية الثالثة عن عالم الدعارة والحبّ، تقع فيها أنثى متحوّلةٌ (بانو)، تعمل في الدعارة، في غرام شابٍّ يدعى فيكو. وتحاول الفرار من قوّادها لتلاقي فيكو لكنه لا يأتي، فقد دهسته سيارة، ثم يطاردها القوّاد. وفي لحظةٍ رمزيّةٍ تتعانق عقارب الساعة في محطة القطار معلنةًً قدوم منتصف الليل، ويفلت الحذاء من قدم بانو، وبدل أن يلتقطه الأمير مثل عالم الحكايا يلتقطه القوّاد ويرميها به ويشتمها. الحكاية الرابعة عن الأكراد الفقراء الريفيّين المهجّرين من أرضهم، وهي عن موسى من ماردين الذي لا يجد ما يسدّ رمقه فيدخل فيلا عائلةٍ من بقايا باشاوات اسطنبول، فتلقاه أنثى تعيش في وهم الباشويّة وعالمها، تستقبل موسى -الذي يشبه جدّها- على أنّه الباشا، وتحدّثه عن الأموات: يقول لها موسى البسيط الريفيّ بالكردية: استيقظي، أنت تعيشين حلماً، فتجيبه بالتركية: لا أفهم لغة عالم الأموات. يعبّر المشهد عن انعدام لغة الحوار بين الأكراد والأتراك. الحكاية الخامسة عن عالم الجريمة أيضاً، واستغلال المرأة، إذ تقع امرأةٌ حالمةٌ من أتراك ألمانيا في غرام رجل عصابةٍ يستغلها لتهريب المخدرات، فتقضي في السجن بضع سنوات.

 

 

في النهاية تلتقي كلّ الحكايا ورموزها في مشهدٍ أخير، وفي حكايةٍ أخيرة. يصرخ حلمي، الهائم على وجهه: “استيقظوا يا قوم، هذه الأرض ليست لنا. سنغادر إلى أرضٍ أخرى، هناك حيث النساء مختلفات، الأصدقاء مختلفون، الحب مختلف. سنغادر، ابقي وحيدةً يا اسطنبول. ألم تستيقظوا بعد؟ أعرف كيف أوقظكم”. ثم يبدأ بعزف الكلارينيت مثل حكاية العازف والفئران، يعزف وتلاحقه جميع شخصيات القصة. وقرب البحر يتعقبونه والشمس تصعد والكاميرا تصعد في لقطةٍ علويةٍ صاعدة، تعطينا مرّةً أخرى صورة المدينة التي تسحق قاطنيها. يسرد الفيلم حكايا البشر الذين تعجّ بهم اسطنبول ويحترقون فيها مثل فراشات الضوء، وربما يسرد حكايا آلاف البشر غير المروية في زحام عالمنا الحديث، حيث يسقط الناس ويصعدون دون أن يدركهم أحد.

 

 

***

مشاهد من الفيلم؛

 

 

.

.

اقرأ المزيد للكاتب .. 

 



04 حزيران 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة