728 x 90

فيلم حرائق انتصار إنسانيّ برسالة سينمائية تمرّدية على نيران الطائفية وحروب العنف.

3471090869.jpg

 

 

*رشا صالح

 

 

وعند الحديث عن الحروب والطوائف وظاهرة العنف الوليدة المتوالدة، لابد من استعراض الشريط السينمائي لفيلم (حرائق) للمخرج الكندي دني فيلنوف  عام 2010 والذي اقتبس عن مسرحية بالعنوان نفسه للكاتب والمخرج المسرحي وجدي معوّض، ممثّلاً حالة تجسيد لقصة حقيقية حصلت مع الكاتب. رشّح  الفيلم عام 2010 لجائزة أوسكار كما حصل على جائزة أفضل فيلم بمهرجان فانكوفر السينمائي 2016كما شارك في كثير من المهرجانات  السينمائية الدولية .

 

         حيث تناول المخرج التفاصيل الدقيقة للحروب الطائفية، متطرّقاً لمخزون الذاكرة اللبنانية من حياة ومعاناة الناس وما تختزنه من تجارب إنسانية عاشها اللبنانيون أيام الحرب الأهلية في لبنان، والنتائج الدموية المرافقة لتلك الحقبة والتي مازالت واضحة للعيان إلى وقتنا الحالي. والتي تتكرّر تجربتها على بلاد مشابهة في العالم والوطن العربي كسوريا والسودان وليبيا وغيرها الكثير ..

 

حيث تظهر أحداث الفيلم  بتتابعيتها المرسومة بعناية، قصة نيران الطائفية والتقاتل بين المسلمين والمسيحيين، مصوّراً بتلك التتابعية المشوّقة والمحزنة بآن واحد وجع الإنسان من حروب الطوائف والنزيف الروحي المكابد لامتزاج الدماء بفعائل الحرب، وليس الحب امتزاجاً مقيتاً لا ينجم عنه سوى الحزن والفرقة والعصبية والتشدد، مرابطاً على وقائع أكثر عنفاً استمراراً لمشهدية الموت الوليد الذي يدمي كل صور الحياة والبقاء المعافى للإنسان وللمناطق.

 

تروي قصة الفيلم  حكاية (نوال مروان) وابنيها التوْءَمين الشابّين (جان وسيمون) ، اللذين يحصلان بعد موت والدتيهما على  وصيتها لهما، والتي شكّلت حدثاً مزلزلاً غيّر لهما مجرى حياتهما، واكتشفا حقائق لم تكن بالحسبان، حيث يحصلان على تلك الوصية في كندا، والتي  تطلب

فيها الأم من ابنيها  البحث عن أخيهما والأب وإيصال رسائل لهما، ليكتشف التوْءَمان فجأة ، أن لديهما أباً وأخاً على قيد الحياة.

 

تثير الحقيقة المكتشفة، فضول "جان" وتقرّر أن تذهب للبحث عن أبيها وأخيها، في حين يرى "سيمون" أن أمه مجنونة في وصيتها، ويرفض التورّط في رحلة البحث هذه.

 

وبلقطة خاطفة للوراء (فلاش باك ) وبكل براعة  يعود بنا المخرج، حيث الأم الشابة نوال  (المسيحية)،  والتي تكون في علاقة حب بـ "وهاب" الشاب الفلسطيني (المسلم)  والتي تحمل منه جنيناً ، وبعد معرفة هذه العلاقة من قبل أشقائها تتعرّض لضرب مدمي يحول بها إلى بقائها لدى جدتها لتساعدها على ولادة الجنين ثم تأخذه منها لتضعه في ملجأ للأيتام، بعدما وشمت ثلاث نقاط أعلى كعب قدمه حتى تتعرّف عليه نوال يوماً ما.

 

تقرّر نوال بعدها الانتقال من قريتها؛ لأنها غير مرحّب بها بسبب زواجها من الشاب المسلم الفلسطيني، لتمكث في بيت خالها بمدينة أخرى، وتلتحق بالجامعة.

 

تتصاعد حدّة الصراع بين الطوائف وتعمّ الفوضى في قريتها، ويُحرق الملجأ الموجود فيه طفلها"نهاد مايو"، ، وتبدأ بعد ذلك رحلة جنونية من البحث عنه وذلك مرفقاً ازدياد حدّة الأحداث الدموية العنيفة والصراع بين الطوائف.

 

 

وفي طريق رحلتها  تشاهد حافلة تنقل نازحين مسلمين، فتخفي صليبها وتغطّي شعرها، وتنتقل معهم، لتوقفهم إحدى الجماعات المسلحة التي تضع صورة المسيح على أسلحتها النارية، فيقتلون السائق، ويطلقون النار على بعض الركّاب، ويقررون سكب الوقود على الحافلة لإحراقها بمن فيها، تصرخ نوال باسم المسيح، وتُخرج الصليب وتخبرهم أنها مسيحية، فيطلقون سراحها.

 

يعود المخرج بعدها بالأحداث للحاضر، حيث تصل الابنة جان لقرية الأم، وتبدأ في السؤال عن أمّها وأبيها، فتُقابل بالنفور ويُطلب منها المغادرة.

 

يعود المخرج من جديد لحياة نوال السابقة، حيث نراها  تقوم بتدريس اللغة الفرنسية، لابنة أحد قادة الميليشيات المسيحية الموالية لإسرائيل في منزله، ، ومن رغبتها الجامحة بالانتقام  تترك نوال الطفلة وتنزل للطابق السفلي، حتى تصل إلى والد الطفلة وتشهر مسدسها في وجهه وتقتله، وبعدها تُقاد إلى السجن، حيث يُحكم عليها بـ 15 سنة في سجن "كفر ريات"، لتبدأ رحلة أخرى من الألم .

 

تُسجن نوال لكنها تستمرّ بالغناء داخل السجن ، حتى سمّيت بـ"الست اللي بتغنّي"، ، فأحالوها قبل انقضاء محكوميتها، إلى "أبو طارق"، أحد جلاديهم والمعروف بقسوته وعنفه الشديد، فيعذبها ويغتصبها وتُنجب في السجن.

 

يستطيع التوْءَمان  بعد مواصلة البحث مقابلة "القابلة"في السجن التي قامت بتوليد أمهما، لكنها تخبرهما أن نوال مروان أنجبت توأمين ولداً وبنتاً، ليتّضح، أنهما "جان وسيمون" ذاتهما، لكن رغم هول الصدمة التي واجهتهما يستمرّان بالاستقصاء لملاقاة  أخيهما، اللذان عرفا أنه ابن "ابن المخيمات" الذي قتله شقيق والدتهما.

 

 

يلتقيان بشخص  يدعى "ولاء شمس الدين"، هذا الشخص هو الذي قام  بغارة على القرية ، وقام ورفاقه بحرق الدار وأخذ الأطفال من قرية نوال المسيحية ودرّبهم حتى يقاتلوا معهم، ومن بينهم أخاهم نهاد مايو، نهاد  كان يبحث عن أمه وعندما لم يجدها، فقرّر أن يصبح شهيداً، وذلك حتى تتعرّف عليه والدته من خلال "صورة الشهيد"، لكن شمس الدين رفض عرضه، فانفصل عنه نهاد بعدما أصبح مجنوناً بالقتل وآلة قتل حقيقية. فقد قتل سبعة جنود صهاينة أثناء  الغزو الصهيوني فأخذوه لسجن "كفر ريات" وأعدّوه ليكون جلادهم الخاصّ، وهناك عُرف بالجلاد المغتصب أبو طارق، الذي يقوم ذاته بتعذيب أمه واغتصابها, أمه التي تمّ سجنها وتحويلها لذات السجن ليد ابنها الجلاد أبي طارق الذي يصف المشهد أنه اغتصبها وحملت منه.

 

 

وبهذه الحكاية  يكون فيلم حرائق فيلماً سينمائياً تمرّدياً على نيران الطائفية ودخان بنادق تجار الحروب وانتصاراً لحرية الإنسان من همجية العنف وصراعات الأديان على الوهم، مقدّماً بذلك عملاً متكاملاً بصورة سينمائية  جمالية كاشفة لعين الحقيقة بإسقاطاتها الفنية باستخدام حوار واقعي بحرفية مرافقة لأداء تمثيلي ضابط لانفعالات جملة من الممثلين، متماهياً مع قساوة الحدث ذاته من اغتصاب واقتتال وصور للحرائق والتدمير والنهب، مع موسيقى تصويرية صاحبتها من حيث الإيقاع  و الرتم لكل مشهد، وخاصة عند حالات (الفلاش باك)، بمونتاج مميّز لم يظهر هناك تقطيع في الزمن الدرامي للواقعة، مستخدماً الحبكات الصغيرة التي شملت في السردية كلا النقيضين للعنف والمنفى، للحب للارتحال والعذابات، دعمها بخبرة احترافية في تصوير لقطات بانوراميّة لحالات التفجير والهجمات المسلّحة.

.

.

اقرأ المزيد للكاتبة .. 

 

 

 



15 أيار 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة