728 x 90

فيلم الكذبة الجيّدة رَصْد لمعاناة اللجوء والحروب الأهليّة

1798437090.jpg

 

 

لعلّ أهمّ أفلام التي نقلت مجريات الحروب الأهليّة وفظائعها هو فيلم ( الكذبة الجيّدة) للمخرج فيليب فالارديو، الذي تميّزت أفلامه بتناول قضايا اللجوء وهمومها، وآخرها فيلم (السيّد لازار)  الحائز على عدّة جوائز والمرشّح لأوسكار، والذي يتناول حكاية لجوء معلّم جزائري إلى كندا، ومعاناة اللاجئين.

 

يمرّر مخرج فيلم "الكذبة الجيّدة" حكاية الحرب الأهليّة التي اندلعت في  جنوب السودان  عام 1983،  والتي اشتعلت شرارتها بحدّة مولّدة مجاعاتٍ وفقراً وتهجيراً وقتلى من مختلف الفئات العمْرية، واستمرّت عدّة سنوات، محتكِمة لشيطان القتل والدم، متناسية حقّ الأبناء الطبيعي بالسلام، عبر تناوله  قصة حقيقية عاشها أربعة من اللاجئين السودانيين، حوّلها  إلى عمل سينمائيّ، معتمداً على سيناريو صاغته مارغريت ناجيل، وبطولة النجمة الأميركية الفائزة بالأوسكار( ريس ويذرسبون).

 

 فالأبطال في فيلمه هم اللاجئون السودانيون الحقيقيون إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الأهليّة في جنوب السودان، وبعد أن قضَوا سنوات عديدة في مخيّمات اللجوء الإفريقية  الذين قام بأدوارهم أرنولد أو سينج، كوث ويل، إيمانويل جال، وجير دواني.

 

تبدأ الحكاية عام 1987 بعد استمرار الحرب وعملية الاقتتال التي نجم عنها مذابح طالت أسر وعائلات كاملة، ولعلّ أكبرها التي حصلت في قرية بحر الغزال في جنوب السودان، حين بدأ الأطفال الذين فقدوا أهاليهم رحلة النزوح والهرب مشياً على الأقدام إلى أثيوبيا، ومنها إلى كينا، ومن بينهم أبطال الفيلم، أكبرهم وقائدهم اسمه ثيو، ومعه شقيقه ميمير وأختهما أباتيل، ومعهم أصدقاء آخرين من نفس أعمارهم.

 

يعود الفيلم إلى البدايات، عندما كان هؤلاء  اللاجئون أطفالاً يراقبون الموت أمامهم، وذلك بلفتة سريعة  يعود بها ليعرض رحلتهم ومحاولتهم النجاة من كل أخطار الحروب الأهليّة وصولاً إلى مخيّمات اللجوء الإفريقيّة.

 

وفي رحلة الهرب يعاني الأطفال الكثير من العذابات ويتعرّضون لكثير من المخاطر التي هدّدت حياتهم، لكن رغبتهم الجامحة في الحياة جعلتهم أكثر إصراراً على مواجهة المخاطر، ولو كان ذلك باستخدام كذبة في كل محطّة لإنقاذ أنفسهم من الموت، فبعد أن أنهكهم المشي ينامون بين الحشائش، وفي الصباح يرفع أحدهم رأسه ليستكشف ما حوله، فجأة يراه أحد المسلحين القريبين منهم، فيطلب منه شقيقه الكبير أن يظلّ مختبئاً، ويقوم هو بدلاً عنه، ويتّجه نحو المسلح، يقول له "لقد فقدتُ أهلي"، يقبض المسلح عليه، لكنه يكذب عليه ليحمي حياة أخوته، ويواجه خطر الموت.  

 

يتابع هؤلاء الأطفال رحلتهم لا خيارات أمامهم، كما يقول أحدهم " إمّا أن تعيش أو تموت"، حيث لايجدون ماء حولهم، وخوفاً من أن يموتوا من العطش، يقرّر ثيو أن يشرب بوله، يقول لهم “أفعل ذلك لأنني أريد أن أعيش.. لا أريد أن أموت). يواجهون الفهود دون خوف، أكلوا لحم الغزلان، تحمّلوا السير لشهور عدّة، حتى وهم يشاهدون بعضهم يموت أمام أعينهم، قرّروا أن يعيشوا. يعيشون عدّة سنوات في معسكر كاكوما للاجئين في كينيا، حتى يحصلوا على فرصة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد 13 سنة من المعاناة.

 

وعند وصول الأبطال إلى أمريكا يلتقون (كاري) مُوظفة في مكتب لتشغيل العاطلين، والتي ستتولّى البحث عن فرص عمل للسودانيين الثلاثة، وبعدها تستضيف زميلتهم التي أرسلت في البداية إلى مدينة أميركية أخرى.

 

وبذلك تفتح لها فرصة  للتعرّف حقّاً على قساوة حياة اللاجئ قبل أن يحلّ على البلدان المضيفة، لتجتاز بذلك مشاكلها الشخصية الغارقة بها.

 

 تفتّش (كاري) عبر شبكة الإنتـــرنيت عن معلومات عن عنف السودان، فتعثر على صُوَر حقيقية بالأسود والأبيض، تظهر لاجئين من كـــل الأعـمار، ومن هنا تبدأ كاري بالتغيّر حينما ترى هؤلاء اللاجئين وصراعاتهم، تتعلّم الصبر والتغلّب على لا مبالاتها وأنانيّتها، تقع عبر اختلاطها بهم رهينة المفاجئة والصدمة أيضاً أمام كل ما يحمله هؤلاء الفتيان الضائعون.

 

 

 كما تقوم إدارة شؤون اللاجئين، بالفصل  بين أفراد الأسرة، ففي الوقت الذي ذهب به الأخوة الثلاثة إلى كنساس سيتي، تمّ لاحقاً إرسال شقيقتهم إلى بوسطن، وهي حكاية أخرى عن معاناة اللاجئين.

 

يعيش الأطفال الأبطال الذين كبروا صراعاً كبيراً في مفهوم الحضارات والثقافات، فَهُم آتون من بلاد تستعر بها الحروب ونار التمرّد والموت إلى بلد متحضّر مليء بوسائل الرفاهية والأسواق، حيث يقوم باستعراض مشهد يتطرّق لوجود طعام للكلاب في أحد المتاجر "هل حقّاً تشتري الناس طعاماً للكلاب ؟"، فيعيش كلٌّ منهم التناقضات والصدمة النفسية على طريقته، مستذكِراً البؤس والمعاناة التي مرّوا بها في رحلتهم.

 

من الناحية الفنّية ينقسم الفيلم إلى قسمين من حيث الإمكانيات وكذلك الإسقاطات: ففي القسم الأول الذي تمّ تصويره في إفريقيا، لم يستطع المخرج والفريق الفنّي إضافة رؤية فنّية مبتكرة لتواكب حجم الأسى والحياة المضنية للأطفال في مخيّمات اللجوء، وفي رحلتهم إلى دولة أخرى، لضخامة الأحداث حيث جاءت المشاهد مباشرة دون تمهيدات فنّية كافية لها، يتمّ الانتقال فجأة إلى القسم الثاني، وهي حياة الأبطال في الولايات الأمريكية، حيث يتغيّر إيقاع الفيلم مُدخِلاً روح الكوميديا في بعض المشاهد؛ لتخفف حجم المأساة والقسوة الواقعة على الأحداث والشخصيات، في إشارة إلى فلسفة المخرج في تركيزه على قضية تجاهل العالَم الأمريكي وعزلته عن القضايا الإنسانية التي تحدث في العالم والمعاناة منها.

 

يُعدّ فيلم الكذبة الجيّدة من أوائل الأفلام الأمريكية المستقلّة المعاصرة التي قدّمت واهتمّت بقصة اللاجئين ومهاجري الشرق الأوسط برؤية سينمائية استطاعت نقل الحالة الازدواجية والصراعات والتناقضات الثقافية والإنسانية فيما يخصّ آلام التهجير والمهجّرين، والتي تهتمّ بقضايا أبطال الحياة والواقع  المهمّشين، وتسرد أساليب المعاملة التي يتعرّض لها اللاجئ في بلد اللجوء.

 

تمكّن المخرج  عبر سيرورة فيلمه أن يبقى محافظاً على الطابع الإنسانيّ في طرحه للمشاعر والمواقف بلمسة تفاؤلية تجتاز كل الصعوبات، مركّزاً على الأمل الذي كان الحافز الوحيد للاجئين في اجتياز الحدود، ودافعاً للمخرج بحدّ ذاته للاستمرار بتفعيل ضوء عدسته على قضية تنصرهم، ناقلاً بمشاهده الحالة الوجدانية للشخصيات بكل صدق، واضعاً الجمهور أمام حلول منطقية داخلية، يستطيع تقديمها خدمة لقضية اللاجئين بتعاطفه مرّة وبعينه المشاهدة مرّة أخرى.

 

              



28 حزيران 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة