728 x 90

فاشيّة بنكهة سوريّة

2875604295.jpg

 

 

تتكفّل مئات الباصات بنقل آلاف المهجّرين من مناطقهم في سوريا، إلى مناطق أخرى وفق حسابات يمليها تحالف عسكري سياسي تشكّل في الأساس لإحباط تطلّع الشعب السوري إلى الخلاص من حكم الطغمة الأسدية. في الأمر إبادة رمزية، إنها ببساطة عملية تخلّص من كتلة بشرية "غير مناسبة"، عبر نفيها إلى منطقة تقع خارج نفوذ الطغمة.

 

يمرّ الحدث أمام أعين السوريّين وكأن هذه الباصات تنقل سكان عشوائيات إلى مساكن حديثة أُعدّت لهم. دون احتجاجات ودون تضامن يذكر، اللهم سوى رمي باصات المهجَّرين بالحجارة من قِبل بعض "مغسولي الدماغ". ولم يكن الحال أفضل من ذلك حِيال القصف العشوائي للمدنيّين وما نتج عنه من قتل أطفال ونساء، ودمار للمساكن والممتلكات. وبقدر ما يمكن لصفحات التواصل الاجتماعي أن تكشف التوضّعات السياسية للسوريّين، فإن جزءاً من الجمهور الموالي استند في قبوله قتل المدنيّين إلى أنها "ضرورة عسكرية"، فيما أظهر قسم لا بأس به نوعاً من الرضى أو "الشماتة".

 

إذا كان التهجير القسريّ الذي يجري اليوم، هو مأساة مكتملة بالنسبة لعائلات أُجبرت، لأسباب سياسية، على الخروج من بيوتها وأراضيها ومدنها، ليعيشوا مشرّدين في مناطق أخرى لا تتوفّر فيها إمكانيات استقبالهم وصون كرامتهم، فإن مرور مأساة هذه العائلات كشيء عابر، وتقبّل الوعي السوري لما جرى من قتل، ولما يجري من تهجير قسريّ، لا يعكس فقط اللامبالاة واليأس، بل يعني أيضاً توفّر الجاهزية لاحتضان بذرة فاشيّة بنكهة سوريّة.

 

أظهرت سنوات الصراع المنصرمة، أن لدينا مستويات عالية من التقبّل الذهني والنفسي للبطش وللإبادة بحقّ قطاعات شعبية مختلفة مذهبياً أو قومياً. النكهة السوريّة هي أن هذا التقبّل لا يأتي في سياق مشروع أو أفق سياسي، بل في إطار عدمي، يتكثّف في أن الخلاص يكون في الخلاص من الآخر، دون أي إضافة أو قول عقلاني متمّم. الآخر، المختلف مذهبياً أو قومياً، هو سبب البؤس، وكفى. في جوهر الآخر ما يتسبّب لنا بالتخلّف والبؤس، ولا حلّ إلا بالخلاص منه. هنا يبرز التميّز السوري الثاني، أن الوعي الاجتثاثي "الفاشي" من جهة، يقابله وعي اجتثاثي مضادّ من الجهة الأخرى.

 

لم يحترم الوعي الاجتثاثي المتبادَل الحدود الطائفية تماماً، بل فاض عنها في الجهتين، لكن النواة الصلبة فيه بقيت طائفية. اشتغلت هذه الآلية الاجتثاثية على الخطّ القومي أيضاً، ورغم سعة انتشارها في شمال سورية، إلا أنها بقيت أقلّ حضوراً من الآلية الطائفية. الآلية الاجتثاثية لا محلّ فيها للحلول السياسية. في هذه الآلية هناك غالب ومغلوب، والمغلوب يجب أن يخضع أو يُباد.

 

 

في التحوّل الفاشي ذي النكهة السوريّة، تدرّج الأمر من الإلغاء السياسي (حظر المعارضة بالسجون والملاحقة وكل أشكال التضييق)، إلى الإلغاء المادي (القتل المباشر أو عبر تحوّل السجون إلى أمكنة للقتل وليس فقط للحجز، أو عبر أشكال النفي الطوعي أو القسريّ)، وصولاً إلى الانتقال الحاسم، وهو التخلّص المادي، ليس فقط من المختلفين أو المعارضين بل ومن وسطهم الاجتماعي، وذلك بالتناسب مع شدّة ومستوى المعارضة. هذا الانتقال المتدرّج، احتاج إلى نجاح في تهيئة الوعي الموالي لطغمة الحكم، أوّلاً، ثم إلى نجاح في التهيئة النفسية، ثانياً، لكي يجد طريقه إلى التجسيد الواقعي الذي نراه اليوم في سورية.

 

تهيئة الوعي الاجتثاثي في سورية جاءت على جسر "تقدّمي"، يقول إن الخراب يأتي من الإسلاميين. على هذا الجسر عبر كثير من "التقدّميين" إلى ضفّة النظام، بعد أن كانوا في مواجهته، بوصفه القوة الوحيدة القادرة على وقف زحف الإسلاميين. كانت تشتدّ ضرورة وقف زحف الإسلاميين أكثر في هذا الوعي، كلما نحا الإسلاميون أكثر صوب الجهادية. كما ساهم جسر آخر "غير تقدّمي" في عبور بذرة الفاشية إلى الوعي الموالي لطغمة الأسد، هو الجسر الطائفي الذي يقول إنه لا مكان لغير أهل المذهب السني في بلد يحكمه الإسلاميون. على هذا الجسر عبرت جموع الأقلّيات، ولا سيّما العلويون، إلى ضفّة النظام، التي شهدت، لذلك، تجاوراً مدهشاً بين "تقدّميين" وطائفيين.

 

أمّا التهيئة النفسية فقد نضجت على نار جهادية إسلامية. العدوانية الجهادية ووحشيّتها الاستعراضية المشفوعة بخطاب طائفي صريح محمول على إيمان عميق بالحقّ، أعطت مادة غنية لمن يريد إنجاز عملية التهيئة النفسية هذه: إن الوسط الذي يتقبّل هؤلاء المجرمين المتوحّشين و"يحتضنهم" هو وسط ملوّث، ولا بأس في الخلاص منه.

 

المنطق بسيط، كما هو الحال دائماً في الانحيازات العمياء القاتلة: المطالبة بالحرّية، هي واجهة فقط، هي حقّ يُراد به باطل (الباطل هنا هو الحكم الإسلامي). يتابع المنطق نفسه: مأساتنا هي في الإسلام الذي لن يكفّ عن تفريخ الجهاديين الإسلاميين. بعد هذا، يصبح الطفل المسلم، بقليل من العمل الإعلامي الموجّه، مجرّد مشروع إرهابي مستقبلي، وليس مفاجئاً بعد ذلك أن يصبح قتل هذا الطفل مقبولاً أو فعلاً مسكوتاً عنه، ولا يثير الاحتجاج أو المراجعة أو النقد. هذا كي لا نتكلّم عن شريحة تجد في "الشعب المعارض" سبباً للبلاء، وتجد في مأساة هذا الشعب بمدنيّيه وأطفاله وخيراته ..إلخ، عقاباً مستحَقّاً.

 

سيكون الموالي الذي لم تصل به التهيئة النفسية إلى حدود السكوت عن القتل العشوائي للمدنيين، معذّباً بين قناعته العقلية بضرورة "اجتثاث" الإسلاميين (اقتلاعهم مع وسطهم)، وبين رفضه النفسي لقتل المدنيين والتنكيل بهم بوصفهم "بيئة حاضنة". أمّا الموالي الأسدي السعيد فهو من لديه قناعة عقلية "اجتثاثية" يواكبها قبول، أو ربّما رضى، نفسي بقتل المدنيين وتشريدهم.

 

حين تسعى السلطة السياسية في بلد إلى احتكار المستوى السياسي وجعله ميداناً محظوراً، لن يكون مستغرباً أن يضرب الوعي في دروب فاشية تنتج كل أشكال المسوخ الفكرية التي تبرّر قتل أو تشريد أو اقتلاع مئات آلاف المدنيين من بيوتهم بوسمهم "بيئة حاضنة" (فعل الطغمة الأسدية)، أو التي تبرّر قتل مدنيين أو خطفهم وتعذيبهم بناء على انتماءات مذهبية أو سياسية بوسمهم "طائفة النظام" (فعل الفصائل الإسلامية).

 

 



22 أيار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة