728 x 90

غلوبير روشا و"السينما الفقيرة"

2122416743.jpg

 

 

*يوسف شيخو

 

لم تستطع السينما البرازيلية، حتى منتصف القرن العشرين، تجاوز حدود البلاد، وسط المشاكل والهموم التي كانت تعيشها البرازيل آنذاك، إلى أن ظهر تيار السينما الجديدة، أو "سينما نوفو"، الذي بلغ أعلى درجات الشهرة عالمياً في أواسط ستينات القرن الفائت. والواقع أن إيطاليا كانت المكان الذي شهد إطلاق السينما البرازيلية الجديدة في أوروبا ثمّ في العالم. ويعدّ البرازيليّ غلوبير روشا (1939-1981) أحد أبرز مؤسّسي "سينما نوفو" في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث، إذ أسهم هذا المخرج والناقد السينمائيّ في الدعاية للسينما الجديدة، وهو أوّل من أرسى مبادئ هذه الحركة، إلى جانب عددٍ من رفاقه من السينمائيين اليساريين مثل كارلوس دييغيس ونيلسون دوس سانتوس.

 

حاول هؤلاء الشباب إيجاد "لغةٍ سينماتوغرافيةٍ تتوافق مع الواقع وتعكس المشكلات الاجتماعية في البرازيل. كانوا يطمحون إلى سينما زهيدةٍ، تحت شعار (كاميرا في اليد وفكرة في الرأس)". وكانت هذه الحركة الأكثر تعبيراً عن تطلعات سينمائيّي الدول النامية اليسارية النزعة. فنشأة "سينما نوفو" كانت نتيجة اهتمام هؤلاء بالتعبير عن مشاكل التخلف في وطنهم نتيجة هيمنة الكولونيالية الجديدة، واهتمامهم بتنمية ثقافةٍ وطنيةٍ بالتزامن مع انتشار حركات المقاومة الشعبية الفلاحية المسلحة في العديد من أقطار أمريكا اللاتينية. وقد طالبوا سينمائيّي العالم الثالث من الجيل الشابّ بتأسيس سينما ذات هويةٍ وطنيةٍ تستطيع أن تلغي الطابع الكولونياليّ عن "لغة الفيلم"، وتسعى إلى التعبير عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. والمفيد ذكره هنا أنه بحلول 1962 أصبح للسينما البرازيلية مكانٌ في جميع المهرجانات العالمية، بل إنه "من بين الأربعين فيلماً المنتجة ذلك العام كان حوالي النصف يمثل حقبةً جديدةً من السينما القومية، وسبعةٌ منها تحمل أفكار (سينما نوفو)".

 

رفض المخرجون البرازيليون، في حينها، نموذج الأفلام المنتجة داخل الأستوديو والتي تعتمد على التقنيات المتطوّرة ومرتفعة الكلفة (كما كان متبعاً في هوليوود)، ورفعوا شعار "السينما الفقيرة" التي لا تعتمد على الإنتاج الضخم. وحرصت تلك السينما على إظهار مشاكل البرازيل من فقرٍ وبؤسٍ وتخلفٍ بدلاً من إخفائها. فأفلام روشا تبحث عن طريقةٍ "لإحياء وتحرير الوعي السياسيّ لدى الشعب المقهور". وفي عام 1965 أصدر روشا بيانه الشهير (جماليات الجوع)، ودعا فيه إلى صنع أفلامٍ "بشعةٍ، حزينةٍ ومحبطة"، أفلامٍ "تضحّي باللمعان التقنيّ وتلتزم بكشف بؤس وفقر الشعب البرازيليّ". إن الجوع الذي يتحوّل إلى بؤسٍ -وفق روشا- هو "جوعٌ لكافة الحقوق الإنسانية التي سلبها المستعمر. إنه جوعٌ بالمعنى العامّ لكلمة جوع". وهنا يقول: "نحن نفهم الجوع الذي لم يفهمه الأوروبيون وغالبية البرازيليين. فهو بالنسبة للأوروبيين سريالية غريبة. أما بالنسبة للبرازيليين فهو عارٌ وطنيّ. فهو لا يأكل ولكنه يخجل من أن يصرّح بذلك، ومع هذا فهو لا يعرف من أين يأتي هذا الجوع".

 

ويفسّر هذا البيان "كيف يتحوّل البؤس الى عنف، وكيف يمكن لهذا العنف أن يتحوّل الى سلاحٍ قاتلٍ حين يتعانق مع الكراهية". يتحدّث روشا في هذا النصّ عن الفارق في تلقي "السينما النضالية" والنظرة إليها، بين الأميركيّ اللاتينيّ "المعنيّ بالأمر"، والأوروبيّ "المتفرّج المتمدّن"، فيقول: "في الوقت الذي تبكي أميركا اللاتينية ضروب بؤسها وفقرها العام، يأتي المراقب الغريب والمتعاطف لينمّي في ذهنيته وخطابه طعم ذلك البؤس لا أكثر، ولكن ليس كعارضٍ مأسويٍّ، بل فقط بصفته معطىً شكلياً ضمن إطار حقل اهتماماته. ومن هنا نلاحظ أن لا الإنسان اللاتينيّ يوصل بؤسه الى الإنسان المتمدّن، ولا هذا الأخير يفهم حقاً بؤس اللاتينيّ".

 

وبالحديث عن مدى خطورة المهمة التي كان يؤديها غلوبير روشا ورفاقه في ظلّ حكم ذاك النظام القمعيّ، يمكن الاطلاع على وثائق كُشف عنها العام الفائت، تظهر أن روشا كان، بين عامي 1964 و1985، على قائمة المعارضين الذين كان النظام ينوي التخلّص منهم. وجاء في وثيقةٍ نشرتها "هيئة التحقيق حول جرائم حقبة الاستبداد في البرازيل" أن تقريراً لسلاح الجوّ البرازيليّ وصف روشا بأنه قياديٌّ يساريّ، وناشطٌ في حملاتٍ سياسيةٍ في أوروبا ضدّ البرازيل. ووردت في الصفحة الأولى من التقرير أسماءٌ وإلى جانبها كلمة "ميت"، في إشارةٍ إلى الأشخاص الواجب التخلّص منهم، وفق هيئة التحقيق.

 

***

 

غلوبير روشا .. شهادات ولحظات تاريخية

المحتوى غير مترجم

 

 

 

 

 

 

 



28 كانون أول 2015

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة