728 x 90

عودة أوروبية إلى الملفّ السوري

2110814796.jpg

                                       

 

كثيراً ما سُجّل ارتباك في السياسات الأوروبية حيال الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط، على نحو ما جرى عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق مثلاً، حيث تباينت مواقف الدول الأوروبية بين متحفّظ يبحث عن مخرج سياسي ما كفرنسا، وبين بريطانيا العظمى التي شاركت في الغزو بشكل فاعل. وكذلك ما شهدته السنوات القليلة الماضية من تعدّد وجهات النظر حيال الملفات الساخنة التي أفرزتها ثورات "الربيع العربي"، بما يعكس اختلاف الأولويات وأساليب العمل فيما بين الشركاء الأوروبيين أنفسهم، مثل الموقف من الحالة السورية وكيفية التعاطي معها ومع نتائجها المباشرة، ومنها مسألة اللاجئين حيث كان واضحاً غياب أي إستراتيجية أوروبية منسّقة ومتكاملة في هذا الشأن.

 

في المراحل الأولى من الثورة السورية ضدّ نظام بشار الأسد، برزت مواقف أوروبية تؤيّد الحراك الشعبي وتدعم المعارضة السورية صراحةً، حيث جرى تصعيد لهجة الخطاب من قبل كبار القادة والمسؤولين الأوروبيين تجاه الأسد ونظامه، وشاركت العديد من الدول الأوروبية في مؤتمرات "أصدقاء الشعب السوري"، كما عملت كلّ من بريطانيا وفرنسا، وهما من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، لاستصدار قرارات من المجلس تدين النظام، لكن "الفيتو" الروسي حال مراراً دون تمريرها.

 

إلا أنّ ذلك لم يستمرّ طويلاً، وراحت المواقف تتذبذب وتتفاوت من التصعيد إلى التردّد والحذر فالانكفاء، بالتزامن مع تعقّد معطيات الصراع وهيمنة الجانب المسلّح عليه وانخراط قوى إقليمية ودولية فيه، مباشرةً أو عبر وكلاء ووسطاء محليين، علاوةً على ظهور تنظيمات إرهابية اندرجت ضمن المشهد السوري. فكانت النتيجة تراجعاً في دور الأوروبيين حدّ من قدرتهم على التأثير في مجرى الأحداث بشكل ملحوظ، حتى كاد اهتمامهم بالملفّ السوري أن يقتصر على عنوانين أساسيين هما "أزمة اللاجئين" و"الإرهاب"، بعدما انتقل هذان الموضوعان، بما هما من تفاعلات ونتائج الصراع في سوريا، إلى داخل البلدان الأوروبية نفسها، إذ وصلها نحو مليون لاجئ سوري من جهة، ومن جهة أخرى طالتها هجمات إرهابية تبنّاها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الذي كان يسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي السورية، متّخذاً من مدينة الرقة شرق البلاد عاصمةً له.

 

 

انحسار دور الأوروبيين في سورية سياسياً وعسكرياً، لم يلغ حضورهم المؤثّر في الجوانب الاقتصادية والمالية، أكان ذلك في صورة العقوبات الأوروبية التي تطال منذ سنوات مئات الشخصيات من مسؤولي النظام ورجال الأعمال المقرّبين منه فضلاً عن عشرات الهيئات والشركات التجارية والمالية والاقتصادية، أو في الشقّ الإنساني والإغاثي حيث تمّ إنفاق مليارات اليوروهات كمعونات إنسانية للاجئين السوريين في دول الجوار وكذلك للنازحين داخلياً (وطبعاً لا تدخل هذه المبالغ في حساب النفقات التي خُصّصت للاجئين السوريين في الدول الأوروبية)، عدا عن تقديم المساعدات المالية والدعم لبعض هيئات المعارضة ولعدد من الهيئات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني السورية.

 

لكنّ معطياتٍ بدأت تظهر خلال الأسابيع القليلة الماضية توحي بوجود رغبة أوروبيّة في العودة إلى الملفّ السوري بشكل أكثر جدّية على المستويين السياسي والعسكري، بدءاً من مشاركة فرنسا وبريطانيا في الضربة العسكرية التي بادرت إليها واشنطن، فجر السبت 14 نيسان (أبريل)  ضدّ مواقع وأهداف تابعة للنظام السوري، على خلفية الهجوم الكيماوي الذي نفّذه الأخير ضدّ مدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية قبل ذلك بأيام. ومعلومٌ أنّ المشاركة البريطانية الفرنسية، وتأييد الشركاء الأوروبيين لها، أتى في سياق التصعيد الدبلوماسي الحادّ بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، راعية الأسد، إثر قيام الأخيرة بتسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا، باستخدام نوع من غاز الأعصاب (وهو سلاح كيماوي)، الأمر الذي اعتبرته لندن هجوما ًكيماوياً على أراضيها، فكان ذلك من الدوافع الرئيسية وراء الموقف الأوروبي من الضربة. غير أنّ فيها وفي ما تلاها ما يمكن أن يشي بوجود موقف أوروبي مستجدّ حيال سوريا.

 

العملية من الناحية العسكرية كانت محدودة للغاية، ولم تتناسب مع كثير من التكهّنات التي سبقتها. فهي لم تكن بهدف إسقاط النظام ولا التدخّل في الحرب السورية أو تغيير الوضع الميداني، وإنما فقط من باب إظهار عزم المجتمع الدولي على منع أي استخدام للأسلحة الكيماوية، على نحو ما أكّدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. رغم ذلك، فهناك تطوّر نوعي في الموقف الأوروبي كشفت عنه المشاركة. فهذه العملية العسكرية لم تكن الأولى لبريطانيا أو فرنسا في سورية على اعتبار أنّهما جزء من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لقتال تنظيم الدولة "داعش"، وثمّة على الأراضي السورية قواعد عسكرية وتواجد لقوات فرنسية وبريطانية. لكنّها المرة الأولى التي تشارك فيها الدولتان في استهداف مواقع للنظام السوري. والأهمّ أنّ هناك إجماعاً أوروبياً عبّر عنه وزراء خارجية الاتحاد في اجتماعهم المنعقد يوم الإثنين 16 نيسان (أبريل) في لوكسمبورغ، أي بعد يومين من الضربة، حول ضرورة إحياء العملية السياسية لإنهاء الصراع الدائر في سوريا وأن "زخم المرحلة الحالية يجب استخدامه لإحياء العملية الهادفة إلى إيجاد حلّ سياسي للنزاع السوري".

 

لعلّ من نتائج هذا "الزخم" تأكيد الاتحاد الأوروبي مجدداً في مؤتمر بروكسل الثاني حول دعم مستقبل سوريا والمنطقة (في 24 و25 نيسان (ابريل) دعمه الحلّ السياسي. بحسب ما نشرته "بعثة الاتحاد الأوروبي لدى سورية" على موقعها الرسمي، فإنّ المؤتمر الذي يعقد برئاسة كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وبمشاركة أكثر من خمسة وثمانين وفداً من المجتمع الدولي بما في ذلك الفاعلون الإقليميون، يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف: أوّلها إعادة تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي والدعم الدولي لحلّ سياسيّ للصراع في سورية، وذلك بتمتين الدعم العالمي للجهود الرّامية إلى التوصّل إلى حلّ سياسي في إطار المحادثات السورية- السورية برعاية الأمم المتحدة في جنيف. ثانيها تعزيز الدعم وتحسين الشروط لإتاحة استجابة دولية مبدئية للاحتياجات الإنسانية الناجمة عن الصراع. والهدف الثالث هو الحفاظ على دور دولي فاعل في تسليم المساعدات إلى الشعب السوري داخل سورية وفي بلدان الجوار. وبحسب المعلومات المتداولة، استبق الاتحاد الأوروبي المؤتمر بإجراء حوارات ومشاورات مع أكثر من مئة منظمة غير حكومية من المنظمات العاملة في سوريا ولبنان والأردن وتركيا، لمعرفة آرائهم بشأن مواضيع المؤتمر والتحدّيات الأساسية المحتملة ومسائل تخصّ العلاقة بين اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة. غير أنّ ما يجب ألّا يكون غائباً عن المؤتمرين أنّ تحقيق الأهداف المشار إليها يقتضي انخراطاً أوروبيا ًأكثر وضوحاً وفاعلية على مختلف المستويات، الدبلوماسية والسياسية وحتى العسكرية.

 

يدرك الأوروبيون جيداً ما للجغرافيا من تأثير في الاقتصاد والسياسة، وعلاقة أوروبا مع الشرق الأوسط ليست استثناءً في هذا. فالقرب النسبي جعل من تلك المنطقة عمقاً حيوياً هامّاً فيما يتعلّق بالمصالح الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة بخاصّة، وكذلك على الصعيد الأمنيّ في ظل تزايد المخاطر والتهديدات الإرهابية في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، فضلاً عن التعامل مع مسألة تدفّق المهاجرين عبر البحر المتوسط. كل ذلك من شأنه أن يجعل من الحفاظ على السلم والاستقرار في الشرق الأوسط، وسورية في موقع القلب منه، هدفاً إستراتيجياً للاتحاد الأوروبي. لكن يبقى السؤال: هل سيسمح "اللاعبون" الآخرون للأوروبيين بتحقيق هذا الهدف؟

 



04 حزيران 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة