728 x 90

عن وحدة سوريا أرضاً وشعباً

1637346346.jpg

 

 

تراجعت مقولة "الحفاظ على مؤسّسات الدولة"، التي لم تكن تعني في الخطاب الدبلوماسي لحلفاء سلطة الأمر الواقع في دمشق، وأصدقائها، وفي الخطاب السياسي لمحازبيها و"أنصارها"، وفي خطاب الدول الراغبة في التنصّل من المسألة السوريّة أو "النأي" عنها، سوى الحفاظ على النظام نفسه، والسلطة نفسها، من دون أي تغيير أو تعديل أو إصلاح جدّي، مع أن المؤسّسات المعنيّة، ولا سيما مؤسّسة الجيش والمخابرات، لم تكن مؤسّسات دولة؛ لأن النظام السياسي، قبل عام 2011، والذي يُراد الحفاظ عليه اليوم، بتمامه، لم يكن نظام دولة. وقد قِيل الكثير، وكُتب الكثير في وصف هذا النظام، وتحليل بنيته ووظائفه، ولسنا في معرض تكرار ما قِيل وكُتب منذ ربيع دمشق الأول (2001)، على الأقلّ.

 

لقد حُوفظ على "مؤسّسات الدولة"، وانتهى الأمر، بفضل الإيرانيين والروس والميليشيات الطائفية، ولا سيّما الشيعية منها، وفي مقدّمها حزب الله، ولم يبقَ على القوى المعنيّة، فوق، سوى "الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً"؛ وهذه مهمّة "قوميّة عربيّة" من الدرجة الأولى، لا تستطيع النهوض بها، وتحمّل أعبائها، سوى "الدول العربية" وقادتها الميامين، الذين هم أمّة بتمامها وكمالها، ولا سيّما "بائعو المازوت" منهم، حسب تعبير طريف للكاتب السوري، عبد الرزاق عيد. لذلك لا بدّ من إعادة سوريا أو استعادتها إلى جامعة الدول العربية، التي هي أمّة وحدها، بتمامها وكمالها أيضاً، كي لا تتناهبها إيران وتركيا وإسرائيل. ويبدو أن الروس والإيرانيين مستعجلون على ذلك، لدواعي "إعادة الإعمار"، ربما، أكثر من سلطة الأمر الواقع نفسها، وهذه الأخيرة لا تقبل بأقلّ من عودة "العرب" إليها صاغرين، فهي أي السلطة، "مدرسة العروبة" الأولى والأخيرة، كما وصفها فيلسوف عربي، علاوة على كونها "قلب العروبة النابض".

 

المفارقة اللافتة أن الحكومات العربية تريد استعادة "سوريا الأسد" إلى الحاضنة العربية (الجامعة العربية)، لإنقاذها من براثن الإيرانيين، على وجه الخصوص؛ والإيرانيون، على وجه الخصوص، ليسوا أقلّ من الحكومات العربية حماسة لعودة سوريا الأسد إلى الحظيرة العربية. وقد عبّرت عن ذلك السجالات التي سبقت انعقاد القمة الاقتصادية في بيروت، ورافقتها، وأعقبتها، ولا يزال بعض "الأشقاء" من اللبنانيين يعتبرون عودة سوريا إلى لبنان علناً وجهراً، وإلى الجامعة العربية، شرطاً من الشروط الأساسية للسماح بتشكيل الحكومة اللبنانية والإفراج الجزئي والمشروط عن الحياة السياسية، في ما كان بلد الحرّيات.

 

مقتضيات "المقاومة"، ومقتضيات "وحدة المقاومة والجيش والشعب"، هي ما يجعل الإفراج عن الحياة السياسية جزئياً ومشروطاً، مع أن الأفضل هو تأجيل الحياة السياسية إلى ما بعد تحرير فلسطين ودحر الاستكبار العالمي. نذكر شعار "وحدة المقاومة والجيش والشعب" لأنه قد يتكرّر عمّا قريب، في سوريا، المعقل الأخير للمقاومة والممانعة.

 

عودة سوريا إلى الجامعة العربية أو استعادتها إليها قضية تافهة، في ذاتها، لا تستحقّ النقاش، بل هي دون مستوى النقاش، لأن الجامعة العربية نفسها والقمم العربية ... صارت دون مستوى النقاش، على افتراض أنها كانت على خلاف ذلك، فالأمران (العودة أو عدمها) سيّان، عندنا، وربما عند أكثرية السوريّين والسوريّات. نحن نناقش، هنا، واحدة من الذرائع التي يتذرّع بها كتّاب وصحفيّون عرب لعودة سوريا إلى الجامعة قبل، أو قُبيل، انعقاد القمة القادمة في تونس؛ نعني مقولة "الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً"، ولا تعنينا في شيء ولا تعني لنا شيئاً تصريحات من يُوصفون بالسياسيين العرب ومواقفهم، كوزير خارجية لبنان في حكومة ولاية الفقيه، نعني حكومة حزب الله. لذلك بدأنا بتفنيد مقولة الحفاظ على مؤسّسات الدولة والكشف عمّا كانت تحجبه وتخفيه من مكر وتحايل.

 

فإذا صحّ وصفنا لمؤسّسات "دولة البعث" بأنها لم تكن مؤسّسات دولة، بالمعنى الحديث للكلمة، أي لم تكن مؤسّسات عامة (= وطنية)، تقوم بوظائف اجتماعية لجميع السوريّات والسوريّين، بالتساوي، دونما تمييز ودونما استثناء، فإن سوريا لم تكن موحّدة قبل عام 2011، لا أرضاً ولا شعباً، وليست مرشحة لأن تتوحّد (أرضاً وشعباً)، في المدى المنظور.

 

لقد رأينا أن الثورة السوريّة، بكل ما لها وما عليها، (وما لها، في نظرنا، كثير جداً)، كانت ذات طبيعة مزدوجة: كاشفة ومنشئة، كاشفة لحقيقيّة ما كان، ومنشئة لحقيقيّة ما يمكن أن يكون. ومن ثمّ، فإن تنثُّر سوريا أرضاً وشعباً، بعد عام 2011 لم يكن ممكناً لولا أنها كانت متنثّرة، قبل ذلك بوقت طويل. لا يمكن أن يحصل تنثّر اجتماعي، كالذي خبرناه، ولا يزال يتعمّق، بين عشيّة وضحاها، مهما كانت العوامل قوية، سواء كانت هذه العوامل داخلية أم خارجية؛ فإن سيرورة التنثُّر، وهذا أكثر من التجزُّؤ، وأكثر من "التقسيم" و"الاقتسام"، بدأت عام 1963، بـ "ثورة الثامن من آذار"، وأخذت تتّضح معالمها، منذ عام 1966، وتبلورت عام 1970، مع قيام "الحركة التصحيحية المجيدة"، وتدشين نموذج الحكم التسلّطي الوراثي.

 

قد يقول قائل إن سوريا لم تكن متنثّرة أرضاً، على افتراض أنها كانت متنثّرة شعباً، قبل عام 2011. نردّ على هذا بأن وحدة المجتمع والدولة، (وهي وحدة تناقضية، تناقضها كتناقض الحياة الخاصة والحياة العامة للفرد نفسه أو نفسها، أو كتناقض الحرّية والقانون ... أو كتناقض الحرّية والضرورة ...)، وحدة المجتمع والدولة هي معيار وحدة الأرض، لا العكس، سواء كانت الدولة مركزية أم فدرالية؛ وهي أساس صيرورة الأرض وطناً، وصيرورة الأفراد، أبناء الأسر المختلفة والجماعات الإثنية والدينية والمذهبية المختلفة وبناتها مواطنات ومواطنين متساويات ومتساوين في الحرّيات الخاصّة والعامّة والحقوق المدنية والسياسية.

 

لا تستطيع الحكومات العربية أو غير العربية أن توحّد سوريا أرضاً وشعباً، ولا تستطيع أن تحافظ على وحدتها لو كانت هذه متحقّقة بالفعل، ولا تستطيع أن تزعزعها أيضاً. لا يستطيع هذا وذاك إلا السوريّات والسوريّون، وقد فعلوا وفعلن شيئاً من هذا وشيئاً من ذاك. إن سوريا غير السوريّة، كسوريا الأسد، ليست ذات فائدة لا للسوريّات والسوريّين ولا للعرب ولا للجماعة الإنسانية، ومثلها لبنان غير اللبناني والعراق غير العراقي ومصر غير المصرية وهكذا.

 

يجمع الكتّاب والصحفيّون على فذلكة تقول إن سوريا بعد 2011 لن تكون كما كانت قبل ذلك التاريخ، هذا صحيح بالطبع، ومن تحصيل الحاصل، ولكن ما لا يُقال إنها قد تكون أحسن أو أسوأ ممّا كانت عليه. وهذا، أي الأسوأ، هو المرجَّح، في تقديرنا، حتى اليوم، ذلك لأن التحسّن الممكن صار مشروطاً بجملة من الشروط اللازمة، من أهمّها:

 

1 – رحيل السلطة القائمة، بقوة غيرها وما تبقّى من قوّتها، ومحاكمة المرتكبين للجرائم من أفرادها، وهذا شرط لازم تتوقّف عليه سائر الشروط الأخرى، إذ لا يعقل بأي معيار من المعايير وأي عرف من الأعراف أن توكل حيوات الناس وحرّياتهم وحقوقهم وممتلكاتهم وشؤون حياتهم الخاصة والعامة لعصابة من المجرمين واللصوص. ويتوقّف على هذا الشرط، بصورة خاصة رحيل القوّات والميليشيات الأجنبية، التي لا يمكن النظر إليها إلا بصفتها قوّات احتلال ومجموعات من المرتزقة، تحول كلها دون بناء جيش وطني، يختلف عن جيش الأسد ومخابراته.

 

2 – قيام نظام برلماني بدلاً من النظام الرئاسي، وانبثاق السلطة من الشعب بانتخابات دورية صحيحة. لأن النظام الرئاسي، في مجتمع لم يعِشْ تجربة الدولة الحديثة يعيد إنتاج الاستبداد وإنتاج السلطة الشخصية.

 

3 – قيام نظام فدرالي بدلاً من النظام المركزي، وهذا شرط جوهري لتشكّل الاجتماع السوري وفق مبادئ المواطنة المتساوية وقِيمها، وشرط أساسي لوحدة سوريا أرضاً وشعباً، وحدة لا تحتاج إلى أي ضمانة غير سوريّة.

 

4 – الاعتراف بحقّ الأكراد السوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، بما في ذلك حقّ الانفصال.

 

5 – سيادة القانون واستقلال القضاء.

 

6 – تمكين منظمات المجتمع المدنيّ من القيام بوظائفها المحلية والوطنية، بما فيها مراقبة أداء السلطات ونقدها والعمل على محاسبتها.

 

وإلا (إلى جانب شروط أخرى كثيرة) فإن الكارثة السوريّة مستمرّة إلى أجل غير مسمّى، ولو توقّف القتال.

 



23 كانون ثاني 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة