728 x 90

عن خيانة المثقّفين

2578427379.jpg

 

 

 

 

*جاد الكريم الجباعي

 

 

أقتبس عنوان هذه المداخلة من إدوارد سعيد، مع أنني لا أحبّ كلمة الخيانة، خاصة حين تُستعمل جزافاً، (على الطالع والنازل) لوصف مَن يخالفنا في الرأي والموقف، وتُعبّر عنها صفة "العمالة" الأكثر شيوعاً، وقد قُسرت قسراً لكي تدلّ على الخيانة، مع أنها مشتقّة من العمل. التخوين تقليد علمانيّ رديء، يقابل التكفير لدى الجماعات الدينية المتطرّفة، بل هو تقليد يساريّ رديء، اقترن في جميع الأنظمة الشمولية والتسلُّطية بالنقد والنقد الذاتي، في سبيل منع النقد والحجر على الفكر الحرّ. (راجعوا النقد الذاتي الذي فرضه المغفور له خالد بكداش على رئيف خوري المثقّف الحرّ، وملايين الصيغ المشابهة في الاتّحاد السوفييتي السابق والدول التي دارت في فلكه. النقد "البنّاء"، في ترسيمة اليسار، أسوأ أنواع النقد).

 

عام 1999 كتب إدوارد سعيد مقالة بعنوان "خيانة المثقّف" ختمها بقوله: "إن كانت الحياة الإنسانيّة مقدّسة، يجب ألا يُضحّى بها باحتقار، وإن لم يكن الضحايا من البيض والأوربيين. يجب دائماً على المرء أن يبدأ مقاومته من وطنه ضدّ السلطة، كمواطن يمكنه التأثير؛ لكن يا للأسف، فقد سيطرت القومية المتّفقة، المتقنّعة بالوطنية ... التي تضع الولاء للأمة فوق كل اعتبار. في تلك النقطة ليس هناك سوى خيانة المثقّفين والإفلاس الأخلاقي الكامل" {سعيد 1999}.

 

لقد وضع إدوارد سعيد يده على رسالة المثقّف الأساسية، وهي الدفاع عن قدسيّة الحياة الإنسانية. صفة الإنسانية هنا هي المهمّة، لأن الحياة الإنسانية شكل نوعي أرقى، على سلّم التطوّر، من سائر أشكال الحياة الطبيعية المعروفة، وأكثرها تعقيداً، فهي من ثم أكثرها حرّية واستقلالاً، عن الطبيعة. فالدفاع عن الحياة الإنسانية يعني الدفاع عن الحرّية والاستقلال، حرّية الفرد واستقلالها أو استقلاله الذاتي، وتمكُّنها أو تمكُّنه الكياني، من أجل حرّية المجتمع واستقلاله وتمكُّنه الكياني، فما يقال عن التناقض بين الفرد والمجتمع أقرب إلى الوهم.

 

المجتمع هو الحياة النوعية لأفراده، وهذه لا تنفصل عن حيواتهم الشخصية. التناقض المزعوم يُراد منه مصادرة حرية الأفراد بدعوى تماسك المجتمع، وإذلال الأفراد في سبيل رفعة الوطن ومجد الأمة. في حين لا يتماسك المجتمع إلا بحرّية أفراده، ولا يزدهر الوطن إلا بازدهار الحياة الإنسانية في ربوعه، ولا تَمجُد الأمة إلا حين تُصان حرّية أفرادها وحقوقهم. وضع القومية، أو أي عصبية مشابهة، فوق كل اعتبار خيانة للإنسانية، وإفلاس أخلاقي. فلَكَم كنّا مفلسين أخلاقياً يوم وضعنا "الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة"، الأمة النقية من كل شائبة، فوق كل اعتبار، وبرّرنا باسمها وباسم وحدتها الوهمية، وما زلنا نبرّر جميع القباحات، وأولها العنصرية. وقد اتّضح اليوم، لكل ذي بصر وبصيرة، أننا لم نؤذ بعنصريتنا سوى أنفسنا، ولم نَخُن غيرها.

 

رسالة المثقّف، مفهومة على هذا النحو، هي رسالة كونية، أو إنسانية عامة، قوامها الدفاع عن حرّية الإنسان وكرامته واستقلاله في أي مكان من العالم. ولذلك بالضبط يبدأ المثقّف مقاومته للسلطة / السلطات، التي تنتهك الحرّيات والحقوق، من وطنه. وطنه ووطنيته لا يجوز أن تَحولا دون وقوفه إلى جانب الحرّية في أي مكان من العالم، ودفاعه عن حرّية من يختلف معه في الرأي، وفق مأثور فولتير: قد أختلف معك في الرأي، ولكنني أبذل كل ما في وسعي للدفاع عن حرّيتك، ولو كلّفني ذلك حياتي.

 

لقد ظهرت في المشهد الثقافي السوري صور ونماذج فاقعة ومعيبة لخيانة مثقّفين ومثقّفات للحياة الإنسانية، هي خيانة لإنسانيتهم وإنسانيتهنّ ذاتها، لا خيانة لأحد آخر على الإطلاق، لم تقتصر خيانة الحياة الإنسانية على اللامبالاة بقتل "الخصوم"، بل "الأعداء" من مواطناتهم ومواطنيهم، وتدمير بيوتهم ونهب ممتلكاتهم وتهجيرهم، بل تجاوزت ذلك في كثير من الحالات إلى التشفّي بهم، وتبرير الفظائع التي تعرّضوا لها، ثم تمادَت الخيانة إلى التحريض على القتل والاغتباط بـ "الانتصارات"، لا يختلف في هذا المعارضون عن الموالين، إذ الخيانة هي الخيانة، من أي جهة أتت.

 

وفي عام 2013 تُرجم إلى العربية كتاب باسكال يونيفاس "المثقّفون المزيّفون"، وعنوانه الفرعي: "النصر الإعلامي لخبراء الكذب"، ( الكتاب متاح على الشبكة)، كشف فيه معاني أخرى لخيانة المثقّفين. وقال فيه: "لم تعد فضيلة الشرف والكرامة تُقابَل بالاحترام، وهي التي كانت دوماً توضع في مقدّمة الفضائل، .. لم تعد النزاهة الفكرية معياراً .."، وضرب مثلاً على ذلك بالمثقّفين الذين برّروا الحرب على العراق عام 2003، بحجّة نشر الديمقراطية، وكانو يكذبون، ويعرفون أنهم يكذبون، وهذا هو معنى الجناية، عند هيغل، أن تكذب وأنت تعرف أنك تكذب، وهذا هو أحد معاني خيانة المثقّف، الذي لا يخون الحقيقة إلا بقدر ما يخون نفسه، ويتنصّل من تحمّل مسؤولية وجوده وإنسانيته، ويغرق في صورته المرآتية ونرجسيته، التي تغذّيها نجوميته في وسائل الإعلام، ولا سيما المرئية منها. (ويا روح ما بعدك روح).

 

خيانة المثقّف إذاً هي خيانة الحقيقة. ولكن ما الحقيقة التي يخونها المثقّف؟ الحقيقة هي الوقائع المعيشة والأحداث الجارية والظواهر المُدركة .. التي لا تبتعد، في واقعيتها، عن واقعية العالم الفيزيقي، بصرف النظر عن تأويلاتها المختلفة والمتخالفة، وبغضّ النظر عن إمكانية تحويرها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. إنكار الوقائع هو ذروة الكلبية في الخيانة، وهو ما يجعل الخطاب يتلوَّى، مثل أفعى بين الصخور، ويتلوَّن تلوُّن الحرباء.

 

الحقيقة متعدّدة ومتغيّرة؛ وتأويلاتها كذلك، لأن كل شخص، رجلاً أو امرأة، يرى الأحداث ويفسِّرها وفقاً لمنظورة ومسبقاته ومرجعيته، ووفقاً لموقعه، فلا يمكن التوصُّل إلى الحقيقة إلا بتجابه الآراء أو تواجهها في ساحة الحوار، ما يعني أن الحقيقة إنتاج اجتماعي مشروط بالتواصل والتناصت ومواجهة الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل، لذلك يعدّ منع الحوار والحؤول دون حرية الرأي والتعبير جريمة سياسية، وعدم تبادل الأفكار كارثة معرفية أخلاقية.

 

نشير بذلك إلى ظاهرة المحلّلين السياسيين والخبراء والمفكّرين والكتّاب والباحثين والعلماء وما شئتم من صفات تبجيلية، وهي الوجه الآخر للحرب. معظم هؤلاء المقاتلين بالكلمة، ولا بأس أن تكون بذيئة ووقحة، في بعض المواقف، يتأوّلون الأحداث والوقائع، التي لا يستطيعون إنكارها، ويزيّفونها، بحجج لا يصدّقونها هم أنفسهم، والإنكار عند هؤلاء هو أساس الرأي والتحليل، وهو سيد الأدلة، بخلاف القاعدة القانونية المتّفق عليها: الاعتراف سيد الأدلة.

 

 

عندما تكذب النخب على هذا النحو علينا ألا نستغرب إعراض المواطنين عنها وازدراءها. فقد حفلت مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما "الفيس بوك"، بكثير من التشهير بالثقافة والمثقّفين. ما يدلّ على تعمّق القطيعة مع الثقافة والمثقّفين. نجوم الإعلام لا يأبهون بذلك، ما دامت الفضائيات والإذاعات تحتفي بهم. لأن وسائل الإعلام، كما وصفها ريجيه دو بري، "تتّجه نحو الشخصي لا نحو الجماعي، نحو الأحاسيس لا نحو العقل، نحو الفردي لا نحو الكوني. هذه الخصائص الثلاث الملازمة لأركان الإعلام الجديد، والتي هي في الواقع واحدة، سوف تحدّد طبيعة الخطاب المسيطر، وبروفايل حامله".

 

المزيّفون يمهّدون الطريق للديماغوجيين وهذا خطر على الأخلاق. "يروي جان بوتوريل في كتابه الممتع " أعزائي المحتالين" أن فرانسوا ميتران، الذي كان قد انتخب قبل وقت قصير رئيساً للجمهورية، وتلقى من مارغريت تاتشر دعوة لزيارة المملكة المتحدة، طلب أن يلتقي بعدد من مثقّفي البلد. أجابه موظفو 10 داونينغ ستريت بأنهم ربما يجدون له كتَّاباً أو مؤرخين أو فلاسفة أو باحثين، ولكن ليس مثقّفين". (عن باسكال بونيفاس، المثقّفون المزيّفون ص 13)

 

يفهم من هذه الرواية أن المثقّفين من الكتّاب والمؤرّخين والفلاسفة والباحثين لا يمكن أن يكونوا في خدمة السلطة أو جزءاً من حاشية السلطان وفقهائه، ولا يمكن أن يسايروا أهواء الحاكم ويخونوا الحقيقة. المثقّفون ليسوا رجال معرفة أو علوم وآداب وفنون وحسب. لا شكّ في أنهم يستطيعون تطوير مستوى المعرفة، وتقليص حدود المجهول وتنمية الوعي الجمالي والقيم الإنسانية، لكنّ مساهمتهم في قضايا المجتمع، والجدل الذي يدور حولها، وفقاً لمبادئ الحق والأخلاق ومعاييرهما، التي يقبل بها كل ذي عقل وضمير، هي التي تصنع الفرق، وهي التي ترقى بهم إلى مرتبة المثقّفين المرموقة.

 

يقول بونيفاس: "يتمتّع فولتير بمكانة خاصة، لأنه، إضافة إلى مؤلفاته، وقف إلى جانب قضايا باسم الفكرة التي كوّنها عن العدالة، وخاصة قضية كالاس، ذات الطابع الرمزي، حين اتّهم ذلك البروتستنتي زوراً بقتل ابنه. والتزام فيكتور هوغو السياسي ، سواء تعلّق الأمر بدفاعه عن الجمهورية أو نضاله ضد حكم الإعدام، أو تصدّيه للقضية الاجتماعية، لا يجعل منه كاتباً عظيماً وحسب، بل أحد عمالقة البانتيون الفرنسي". وكذلك موقف إميل زولا من قضية دريفوس، الضابط اليهودي الذي اتّهم بالخيانة، وأعدم لأنه يهودي، لا لثبوت خيانته. وقد هزّت قضية دريفوس في ذلك الحين الرأي العام الفرنسي والضمير الفرنسي. خيانة العدالة وجه آخر من خيانات المثقّفين.

 

 



24 آذار 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة