728 x 90

عن حارة اليهود الدمشقيّة

3445198089.jpg

 

*فارس المرّ

 

 

"لكن لمن أقلّبُ جمر الذكريات، طالما دمشقي لم تعد في دمشق، وحارتي اندثرت إلى الأبد؟!

حارتي العتيقة، حيث يجد أحدنا نفسه حكَماً وسط نزاعٍ لا يعرف عنه شيئاً أو عن المعنيين به".

 

 

بهذه الحرقة والفجيعة ينعى الإعلاميّ والمسرحيّ والروائيّ اليهوديّ الفرنسيّ السوريّ الأصل موسى عبادي (1910-1997) مدينته دمشق، تلك المدينة المستهلكة والمسروقة من قبل الصغار وزوّار الليل، ويعلن وفاة حارته إلى الأبد. عبادي ابن حارةٍ دمشقيّةٍ أصيلةٍ ضاربةٍ في القدم، تلك الحارة أو لنقل الحيّ اليهوديّ المهجور الذي يجاور الحيّين المسيحيّ والإسلاميّ داخل سور دمشق القديم. الداخل إلى هذه الحارة يستطيع فهم الحرقة التي تحدّث بها عبادي عنها، فبين البيوت المهجورة والمغلقة و"الممنوعة من الاقتراب أو التصوير"، والبيوت التي استملكها الفلسطينيون المهجّرون من بلادهم، والبيوت التي أعطيت لبعض عائلات حزب الله اللبنانيّ كمكافأةٍ لهم على تهجيرهم أبناء سوريا عقب اندلاع الثورة عام 2011؛ تجد شبحاً يناشدك الخلاص؛ شبح اليهود المهاجرين والغائبين عن بيوتهم ومحلّاتهم وبقايا صورهم التي ما زالت تملأ الجدران العتيقة وراء الأبواب المغلقة والشبابيك المكسورة. فعقب مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 رفع الحظر عن سفر اليهود السوريين وبدأت الهجرة الكبيرة وتناقص عددهم، حتى بقيت منهم اليوم قلةٌ لا تتجاوز العشرين شخصاً معظمهم فوق الستين من عمره.

 

 

أفرغت هذه الحارة، كما لو أنها ما كانت مأهولةً بساكنيها في يومٍ ما، كما تُفرغ دمشق اليوم. فلم يبق من أبناء البلد سوى الفقراء والمعتّرين ومن لا حول له ولا قوّة، أما البقية فبين من لا يهتمّ لدماء أبناء بلده وبين إيرانيٍّ أو لبنانيٍّ أو عراقيٍّ وغيرهم جلبهم النظام كي يحموا عرشه وسلطته، فالمشهد يختصر في هذه الحارة كما لو أنها كانت دمشق الجريحة.

 

 

نعود إلى هذه الحارة اللغز التي لطالما سحرتنا نحن الذين لم نشهد عصر سوريا الذهبي، حين كان الجميع سوريين بامتياز، لا فرق بينهم في الحقوق والواجبات. وإن حاولنا إيجاز التاريخ الحديث في ما يخصّ اليهود السوريين في الحياة العامة والسياسية نرى في وثائق الحكومة التي قامت عقب الثورة العربية الكبرى أنّ حاخام دمشق الأكبر (يعقوب دانون) كان أحد رؤساء الطوائف الثلاث الذين بايعوا الشريف فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا، وتم تمثيلهم آنذاك في البرلمان الذي كان يسمّى (المؤتمر السوريّ العام الأول)، في عام 1919، عبر الوجيه اليهوديّ الثريّ (يوسف لينيادو)، ابن أحد البيوتات العريقة في هذه الحارة، الذي لا يزال قائماً حتى هذه اللحظة رغم ما أصابه من تشوّهاتٍ وسرقاتٍ وعبثٍ من الأشقياء وتقلبات الزمن.

 

 

عقب انهيار هذه التجربة البرلمانية السوريّة الأولى، ودخول قوات فرنسا دمشق، تمّ تعطيل البرلمان وحلّه. بقي معطلاً لفترةٍ طويلة (ثمانية أعوامٍ بشكلٍ فعليّ) حتى جاءت الانتخابات البرلمانية التي دعا إليها الشيخ تاج الدين الحسني عام 1928، فتمّ تمثيل اليهود بالنائب يوسف لينيادو مرّةً أخرى، وكان هذه المرّة نائباً عن الكتلة الوطنية التي كان يرئسها الرئيس هاشم الأتاسيّ وبعضوية الكثير من الأسماء السياسية اللامعة كفارس الخوري وإبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وشكري القوتلي وجميل مردم بيك وفخري البارودي وغيرهم الكثير ممن أثّروا في الحياة السياسية والاجتماعية السورية في تلك المرحلة بشكلٍ كبيرٍ وأثّرت فيهم.

 

بقيت الحياة اليومية الاجتماعية والصناعية والسياسية لليهود السوريين في مناطق سكنهم الكبرى (دمشق؛ حلب؛ القامشلي) مستقرّةً نسبياً، كغيرهم من شرائح المجتمع السوريّ المتنوّع، فنشطوا بأعمالهم التجارية والصناعية إذ كانوا من أهم تجار البلد ومصنعيها في تلك الفترة وما قبلها، كورشات الخياطة التي كانت تعجّ بها حارة اليهود والتي لا زالت بقاياها حاضرةً حتى الآن، إذ كانت غالبية بناتهم يتقنَّ هذا الفن نظراً لأن اليهوديات هنّ من يقمن بدفع المهر للعريس. وغيرها الكثير من الصناعات، كالكبريت والنحاس الذي اشتهروا به، فكان شيخ كار النحاسين محصوراً بآل نصيري، الذين كانوا يملكون بازار أميّة الكائن قرب حارة اليهود في الشارع المستقيم – طالع الفضّة، والمغلق منذ خروج السيد موريس نصيري آخر أبنائهم في هذا الكار. أمّا البنوك الخاصة فقد نشط في تأسيسها أثرياؤهم، كآل صفرة وزلخا وخضّوري والجاجاتي، الذين امتلكوا العديد من مصانع الأقمشة أيضاً، نظراً للثراء الباذخ وأعمال الفائدة التي كان غالبية اليهود يعتمدون عليها ولا زالوا، أمّا عن صناعة الذهب والماس فحدث ولا حرج.

 

جاءت النكبة عام 1948، وهجّرت خلالها عصابات الهاجاناه الفلسطينيين من أراضيهم. ونتيجة المجازر التي وقعت على أيدي هذه العصابات بدأ الغضب ينصبّ على الأحياء اليهودية في العواصم العربية، ففي دمشق أُحرق كنيسٌ وقُتل بعض أبناء الطائفة من قبل الغاضبين والحانقين لما جرى بفلسطين وأبنائها. بالتأكيد كان هناك من يساند الحركة الصهيونية في هذه الحارة الدمشقية، شأنهم شأن غيرهم من المجتمعات اليهوديّة المشرقية، وتبقى الغالبية التي أخذت بالهجرة تباعاً بُعيد هذا التاريخ حتى تناقصت أعداد اليهود في دمشق إلى ما وصلت إليه اليوم، متخذةً من أحد أحياء بروكلين، في الولايات المتحدة الأمريكية، سكناً وحيّاً جديداً يذكرهم بتلك الحارة القديمة حيث كان أجدادهم. وهناك ما زالوا يتحدثون بلهجتهم الشاميّة المحببة، ويعدوّن الوجبات المشرقية التي جمعتهم ذات يومٍ مع أبناء بلدهم، ويتغنون بذكرياتٍ وصورٍ بعيدةٍ لبيوتهم.

 

 

هذه الحارة الأثرية المليئة بالتاريخ، كبقية الحارات الدمشقية القديمة، مهدّدةٌ بضياع تاريخها، بين ترسانة الحرب وبين اللصوص ذوي البدلات المموّهة ممن لا يهتمّون لبشرٍ أو حجر، تقف كعجوزٍ تنتظر من يسند يدها لا يلويها، لتروي له حكايا صباها. وفضلاً عمّا شهدته من فترةٍ هامةٍ في التاريخ السوريّ المجتمعيّ والسياسيّ، فهي ذات جماليةٍ في البناء الضارب عمقاً في التاريخ، ولكنها تنهار اليوم كما تنهار دمشق، بيوتاً وذكرياتٍ باتت تسحقها يد الخراب بلا رحمة.

 

 

 

 

 



15 تشرين أول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة