728 x 90

عن الهويّة السوريّة والعروبة اللاصقة

2460500621.jpg

 

 

يدّعي أحدنا أنه "لم يحصل جدل سوريّ جدِّي حول الهويّة العروبية (هكذا) لسورية بين يومي 17 نيسان 1946- 18 آذار 2011" [1]. إذا فهمنا الجدل على أنه منطق الواقع ومنطق التاريخ لا مجرّد الجدال والسجال بين "مثقّفين" متحزّبين، وأن التاريخ الواقعي هو محصلة علاقات القوة، لا نستطيع تجاهل الصراع الأيديولوجي على هويّة سورية بين الأخوان المسلمين والشيوعيين والبعثيين والقوميين السوريين، الذي ملأ الفضاء الثقافي والسياسي، في الشارع، وتحت قبّة البرلمان، يوم كان عندنا برلمان. وقد احتدم هذا الجدل في انتخابات العام 1949، وحول الدستور، الذي لم يُقرّ إلا عام 1950، بعد تسعة أشهر من الحوار، وعضّ الأصابع، وكانت هويّة الدولة، أي هويّة سورية، هي موضوع الجدال، الذي انتهى إلى تسوية، تقرّر بموجبها أن سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة. الإسلام دين رئيس الدولة، لا دين الدولة، وأن الفقه الإسلامي، لا الشريعة الإسلامية، مصدر رئيسي للتشريع، واستثني الدروز والإسماعيليون والموسويون بقوانين خاصة بالأحوال الشخصية. ومن ثم، إن أطروحة الكاتب منقوضة ومنفيّة واقعياً وتاريخياً. (تكفي قراءة دستور عام 1950 لاستشفاف "الجدل" حول هويّة سورية، في ظلّ تقاليد دستورية).

 

وإلى ذلك، افترض الكاتب أن التساؤلات عن الهويّة "العروبية" لسورية، حسب قوله، لا الهويّة العربية، لم تُطرح بقوة  إلا "من قِبَل أكراد (7 في المئة من مجموع السكان) زادت قوّتهم عن حجمهم الديموغرافي بكثير بفضل الدعم الأميركي لهم في قتال (داعش)، الذي استغلّوه من أجل فرض أنفسهم كرقم صعب في معادلات الأزمة السورية". وقد فات الكاتب أن الأكراد طرحوا تساؤلاتهم حول الهويّة العربية للدولة، منذ عام 1957، إثر صعود المدّ القومي الناصري بعد حرب السويس 1956، وتنامي الميل إلى الوحدة مع مصر، عام 1957، وقيامها عام 1958، فأسّس مثقفوهم الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي)، بدون دعم أمريكي.

 

 

أمّا أن هناك مسيحيين معادين للعروبة و"علمانيين يعيشون رهاب الخوف الهالع (فوبيا) من الإسلاميين في معادلات ذهنية - فكرية عندهم ترى سيد قطب مكافئاً للعروبة، على رغم كونه أممي التفكير، وأعدمه الرمز الأكبر للعروبة، أي جمال عبدالناصر عام 1966". فهذا جائز، ولكنه ليس من الأمور الأساسية في مقالة الكاتب، ما دام الحديث يقتصر على بعض المسيحيين وبعض العلمانيين، لا عن كتل كبيرة أو تيارات عريضة، مع أن سيد قطب ليس "أممي التفكير"، إلا وفق الفهم الشيوعي السوري للأممية.

 

الأمر الأساسي الأول والأهم هو قول الكاتب: "الآن، هناك شعور سوري هو الأغلب والأقوى بأن العروبة هي اللاصق الوحيد لتوحيد السوريين في بوتقة وطنية واحدة، وأنها هي العابر الوحيد للأديان والطوائف والهويّات وحتى الاتجاهات السياسية في مرحلة الانفجار السوري الكبير". وأن «السورنة» من دونها ستكون "على طراز أدلجة تيودور هرتزل للصهيونية عبر تهويمات تاريخية بلا أساس تاريخي، طريقاً ملكياً إلى دولة المكوّنات على طراز لبنان ما بعد ميثاق 1943 وعراق ما بعد 9 نيسان 2003 ..".

 

لم يقل لنا الكاتب ما هي أدلجة تيودور هرتزل، مؤسّس الحركة الصهيونية، ولا نظنّه يجهل ماهيّة تلك الأدلجة. قوام أدلوجة هرتزل هو قومنة الدين اليهودي، وتديين القوميات التي ينتمي إليها اليهود في بلدان العالم، واتخاذ موقف ديني (يهودي) منها. هذه الأدلوجة العنصرية هي التي تُترجَم اليوم في إسرائيل، تحت مقولة يهودية الدولة أو "قانون القومية". قومنة الدين (الإسلام) وتديين القومية (العربية) هي ذاتها أدلوجة حزب البعث العربي الاشتراكي العنصرية، أدلوجة "دولة البعث" و"سوريا الأسد". إذا كان الأمر كذلك، فإن من المسكوت عنه في مقالة صاحبنا أمران: الأول هو رمي كل من يقول بالسورنة، أي بالهوية السورية، ولاسيّما من الأكراد، بالصهيونية، وهذه أشنع من تهمة العمالة للإمبريالية، لازمة الخطاب الشيوعي والقومي العربي، والشيوعي المتقومن، إذ كل من يخالفهم في الرأي هو عميل للإمبريالة وعدو للأمة. والثاني هو تبنّي موقف عصابة بشار الأسد، التي تحاول استعادة الغطاء القومي، بعد أن تكشفت عن طائفية قاتلة ومدمّرة، وهذا ما عبّر عنه بشار الأسد نفسه يوم أعاد ترميم القيادة القطرية لحزبه الفاشي.

 

يقول الكاتب صراحة: "عند السلطة السورية مازال هناك تمسّك قوي بالعروبة وهناك في الخطاب الرسمي وحدة هويّة بين «العروبة» و «الإسلام» وفق نظرية ميشيل عفلق الذي يرى الثاني روحاً لجسد الأولى، وهذا لم يمنع السلطة السورية من أن تكون الأشرس في حربها ضد الإسلاميين كما أثبتت تجربتي 1979- 1982 و2011- 2018، وهو الذي يفسّر تحالفها الثقافي – التشريعي مع «الإسلام المشيخيّ الرسميّ».

 

فما يؤكّد تبني الكاتب لخطاب السلطة هو اعتبار تجربة 2011 – 2018 مثل تجربة 1979 – 1982، كلتاهما، في نظره، حربان شرستان على "الإسلاميين" (التكفيريين والإرهابيين)، ربما تحرَّج أن يقول إن حرب 2011 – 2018 حرب على الإرهاب، تقود فيها سلطته العروبية الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية وإيران وحزب الله والميليشيا العراقية، وقد تكلّلت حربها بالنصر على الفئة الباغية.

 

يُضاف إلى ذلك تبنّي موقف السلطة من المسألة الكردية في سورية، تحت شعار: " تساوي جميع السوريين في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن دينهم وطائفتهم وجنسهم وقوميتهم وانتمائهم السياسي". فوجود الأكراد وغيرهم من الجماعات غير العربية في سورية، لا يجب أن يحول دون عروبة الدولة (مثل يهودية الدولة)، إذ "كما في روسيا، حيث الروس يشكّلون الهويّة القومية للاتحاد الروسي وهم لا يتجاوزون 80 في المئة من السكان، فإن من حقّ العرب السوريين أن يكونوا كذلك في سورية بحكم أنهم 90 في المئة من مجموع السكان".

 

 

إذا كانت المسألة مسالة نسب عددية، فإن المسلمين السنة "يشكلون" 90% من السكان، و"الإسلام" عابر كذلك للعشائر والإثنيات والهويّات، أو ما هو أممي، كأممية سيد قطب، حسبما وصفه الكاتب، فإن من حقّهم أن تكون الدولة إسلامية (مثل الدولة اليهودية). ربما أراد الكاتب، من وراء هذا كله، أن يقول: هناك إجماع على عروبة سورية، لا يعطّله سوى الأكراد المدعومين من الإمبريالية الأمريكية، وبعض المسيحيين والعلمانيين، وهؤلاء جميعاً "أعشاب ضارة"، في الحقلين الاجتماعي والسياسي، يجب اقتلاعها. ونعتقد أن السلطة العروبية ستعمد إلى ذلك، فتعاقب الأكراد، كما عاقبت الإسماعيليين والمسيحيين والدروز.

 

لقد فتحنا النقاش حول سوريةِ الدولة، أي حول (السورنة)، بلا عروبة وبلا إسلام أو مسيحية أو غير ذلك، منذ تسعينات القرن الماضي، وخاصة في أثناء ربيع دمشق (2000 – 2001)، لاعتقادنا بأن تسييس العروبة مثل تسييس الدين سواء بسواء. وبنينا مقارباتنا على مبدأ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، ومنها "حقّ تقرير المصير"، بلا لبس، ولا إبهام، ولا غموض[2]، لأن المواطنة انتماء طوعي إلى أرض وشعب وسلطة عليا سيّدة، سيادتها هي سيادة الشعب، وسيادة القانون، ومن ثم، سيادة كل فرد من أفراد الشعب من الرجال والنساء، الداخلين والداخلات في العقد الاجتماعي، على ما بينهم وبينهنّ من اختلافات، ورأينا أن الحرية تتعين في الاختلاف.

 

العروبة لاصق، أجل، لذلك نرفض أن تكون العروبة اللاصقة هويّةَ الدولة، لأن هذا اللاصق ينفكّ عند أول اختبار، لا كما انفكّت وحدة سورية ومصر (1958 – 1962)، وبعدها كذبة الوحدة الثلاثية، بين حافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي، فقط، بل كما انفكّت "وحدة" الـ 90% من السوريين، عام 2011، بعد تمزّقات هنا وهناك في النسيج الاجتماعي، سببها الرئيس هو سياسات السلطة التمييزية والعنصرية (الهرتزلية).

 

العروبة لاصق؛ لكن المواطنة ناسج. المواطنة المتساوية، بكل ما تنطوي عليه من دلالات لغوية ومفهومية، هي نسيج المجتمع المدني، ونسيج الدولة، التي تستمدّ وطنيتها وشرعيتها وسيادتها من هذا النسيج: الاجتماعي – الاقتصادي والثقافي والسياسي والأخلاقي، بهذا التسلسل، وإلا لا تكون دولة وطنية، وفضاء عاماً قوامه الحرية والمسؤولية وسيادة القانون واستقلال القضاء وسيادة الشعب وفصل السلطات .. إلخ، مركزية كانت الدولة أم فدرالية، والأخيرة أقرب إلى الديمقراطية. العروبة فضاء ثقافي وأخلاقي مشترك بين جميع العرب، وجميع الناطقين بالعربية من غير العرب، وليست تحديداً سياسياً لأي فرد وأي مجتمع وأي دولة. العروبة ليست هويّة سياسية، وإلا فنحن في الرعوية (من الرعية) والسلطانية من جديد، وفي "سوريا الأسد" "إلى الأبد ويوم"[3].

 

 


[1]-- محمد سيّد رصاص، جريدة الحياة، على الرابط: 

http://www.alhayat.com/article/4595742/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9

[2] - راجع/ي، كتابنا، وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية، من منشورات رابطة العقلانيين العرب، دار الفرات، بيروت ودار بيرا، دمشق.

[3] - عنوان رواية للشاعر السوري، عادل محمود.



21 تشرين ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة