728 x 90

عن العدالة الانتقاليّة

3272529603.jpg

 

 

المساواة والحرّية هما ركنان أساسيان من أركان العدالة، لا تكون عدالة إلا بهما معاً، إضافة إلى تكافؤ المرأة والرجل، وهو الأساس المكين، والشرط اللازم للعدالة، وإلى تكافؤ الفرص وتساوي الشروط. والعدالة لا تعني التوزيع المتكافئ للثروات الوطنية والخيرات الاجتماعية والموارد الثقافية فقط، بل تعني التوزيع العادل للسلطة أيضاً، لكي يتغير محتوى توزيع عوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، وتتأسّس الوحدة الوطنية على الانتماء الطوعي والمصالح المشتركة والغايات المشتركة. مرة أخرى لا عدالة من دون تكافؤ المرأة والرجل وتساويهما في الحرّيات والحقوق المدنية والسياسية، وإلا تظل إجراءات العدالة، كالتعليم المجاني للجميع، هشة وقابلة للانتكاس. ولا عدالة أيضاً من دون تكافؤ الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية، وتساويها في الحريات والحقوق المدنية والسياسية، ومن دون إلغاء التمييز وتجريمه.

 

العدالة تركيب فريد من المساواة والحرّية أشبه ما يكون بتركيب الماء من الأوكسجين والهيدروجين، إذا انفصل أحدهما عن الآخر يصبح الأول حارقاً والثاني سامّاً. وهي قاعدة عملية وقيمة أخلاقية، لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. فلا مساواة بلا عدالة سوى المساواة الصفرية، ولا حرّية بلا عدالة سوى للأقوياء والمتسلّطين، ممّن يمارسون حرّية مطلقة، لا تزيد على كونها "حرّية طبيعية"، في مقابل الحرّية المدنية. (الاستبداد وحده يساوي بين الرعايا مساواة مطلقة، على أنهم لا شيء). هنا بالضبط تتموضع قضية المرأة وشروط تحقّقها الكياني وتمكّنها من التمتّع بحرّيتها وحقوقها، لا في البنى الخطابية، الشرعية منها أو القانونية. ما يقتضي ربط المواطنة بالعدالة والعدالة الإجرائية (رفع ما يمكن رفعه من مظاهر اللاعدالة) وأخلاقياتها، التي يمكن أن تتّجه نحو "الديمقراطية الاجتماعية".

 

لا شكّ في أن العدالة الإجرائية خطوة إيجابية مهمّة على طريق العدالة الاجتماعية، ومن الضروري رفع ما يمكن رفعه من أشكال اللاعدالة، كلما كان ذلك ممكناً، لكن العدالة الانتقالية هي الأهمّ، في الحالة السورية الراهنة، ففي محاسبة من ارتكبوا جرائم الاعتداء والقتل والتدمير والتهجير والاختطاف والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتمثيل بالجثث ... عدالة للمجتمع كله، لا للضحايا وذويهم فقط، على أهمّية ذلك. العدالة الانتقالية، هنا، هي الشرط اللازم، وغير الكافي للنسيان الإيجابي، وتخطّي آثار الكارثة الإنسانية، التي أُنزلت، لا نزلت، بالبلاد، والشرط الضروري لشفاء الجسم الاجتماعي من عاهات التعصّب والعنف والثأر والانتقام، والمدخل الذي لا بدّ منه إلى الاندماج الاجتماعي والمواطنة المتساوية.

 

 

المجتمع الصغير، القرية أو البلدة أو الحي، والمجتمع الكلّي، الذي لا تُقلق الجريمة ضميره، فلا يهدأ ولا يستريح حتى تُكشف ملابساتها ويُعاقَب مرتكبها أو مرتكبوها، مجتمع بلا ضمير، جفّ روحه الإنساني، وانحطّت أخلاقه، فما بالكم بالجرائم التي فاقت في فظاعتها ووحشيّتها كل ما ارتكب من جرائم في العصر الحديث، ومعظم مرتكبيها من ذوي الياقات البيضاء وربطات العنق الفاخرة والرتب العسكرية الرفيعة! أي سوريا ستكون بلا عدالة انتقالية سوى سوريا بلا ضمير، ومن ثم، بلا عقل ولا حياة إنسانية! بلا عدالة انتقالية، أي سوريا ستكون غير سوريا الأسد، أو مزرعة الحيوان، التي وصفها جورج أورويل! في الحالة السورية الاستثنائية استثناء صارخاً، حيث تفشّت "تفاهة الشرّ"، بتعبير حنة أرندت، يمكن تفهُّم السكوت على الجرائم خوفاً من "العواقب الوخيمة"، ولكن لا يمكن تفهُّم إنكارها أو تبريرها، فما بالكم باعتبارها واجباً أخلاقياً و"دفاعاً عن الوطن"!

 

إزاء هذه الحال، يجب التوقّف مليّاً عند انقسام المجتمع السوري قسمين متنافيين تنافياً عدمياً، "موالاة" و"معارضة"، وتمفصله مع الانقسامات العمودية المعروفة، والتفكير في كيفية ردم الهوة، التي اتّسعت، وتعمّقت، في خلال السنوات الماضية. ولا بد أن ينطلق التفكير في هذه المعضلة من إعادة تعريف الوطن والمواطنة والوطنية، والمجتمع والشعب والدولة، لكي يكون للعدالة الانتقالية اللازمة لزوماً قانونياً وأخلاقياً، واجتماعياً وإنسانياً، مردودُها الوطني العام ومردودُها الأخلاقي العام والإنساني العام، فلا تقتصر على جبر الضرر، وجبر الخواطر وبوس اللحى وتتفيه الضحايا. أي لا بدّ من تلازم التأسيس المعرفي والأخلاقي، والإجراءات العملية للعدالة، ما يقتضي استنفار الثقافة، التي تستحقّ اسمها، والإعلام الحرّ للنهوض بهذه المهمّة، التي يتوقّف عليها المستقبل القريب، على الأقل. وتجب الإشارة إلى أنه لا تستقيم أية رؤية وأية منهجية من دون العناية باللغة، ومن دون تحديد واضح ومقبول من المشاركات والمشاركين في النقاش العام للمفاهيم والمصطلحات والرموز، فإن اللغة التي نتلاعب بها تتلاعب بنا.

 

نريد من هذا أن نشير إلى الرؤية الترابطية – التضامنية والتضمينية، التي لا تهمل "المعطيات الأولية الحسّاسة"، التي تتولّد منها نتائج غير محدودة، وغير متوقّعة، في معظم الأحيان، سواء في العلاقات الاجتماعية والإنسانية،  (وعلاقات الإنتاج) أو في علاقات الإنسان بالبيئة، وهي رؤية تعترف بالتفاوت، وتؤسّس لحذف ما يمكن حذفه منه، ولكنها تنأى عن المفاضلة بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية، على ما بينهم وبينها من اختلاف، وتفترض أن التحسّن الذاتي الناتج من تذاوت[1]. الأفراد المختلفات والمختلفين، لا بدّ أن يثمر تحسّناً في الحياة الاجتماعية، والحياة النوعية والمؤسّسات، وشبكات الحماية الاجتماعية والقانونية، وهذه كلها تنمِّي التذاوت، من طريق القيم الإنسانية المضافة و"التغذية الإيجابية الراجعة" ممّا هو مختزن في الذاكرة الفردية والجمعية وممّا "تحت الشعور"، أو من التجارب الإنسانية المختزنة في التاريخ.

 

ثمّة، على الصعيد العالمي، اتّجاهان بارزان اليوم: الاتّجاه التعدّدي، والاتّجاه التضامني. الأول ينظر إلى المجتمع الدولي على أنه مؤلف من دول قومية؛ وهو الاتجاه السائد. والثاني يطوِّر القائلون به مفهوم "مجتمع عالمي"، يتألف من أفراد، ويقوم على مبادئ المساواة والحرّية والعدالة، ويتمتّع جميع أفراده، من الذكور والإناث، بحقوق الإنسان، ولا يجب أن يختبئ من يقمع هذه الحقوق وراء حدود الدولة، (ولا يجوز أن يفلت من العقاب). فمن واجب التضامنيين والأفرد حماية حقوق الإنسان ونشرها، حتى ما وراء حدود الدولة. كما يؤمنون بالتنفيذ الجماعي للقانون الدولي (ومن ضمنه المبادىء القانونية)، والإدارة الجماعية للنظام الدولي والقضايا الدولية (أي الحَوْكَمة العالمية). وفي رأيهم، إن مبدأ السيادة (سيادة الدول) يبطُل عندما لا يتمسّك الحكام بمبادىء حقوق الإنسان. ولكن، لا يزال انتشار الفكر التضامني أقلّ من انتشار الفكر التعدّدي السائد. من القائلين بالفكر التضامني جون فنسنت JohnVincent ونيكولاس ويليرNicholas Wheeler   وتوني كنودسنTony Brems Knudsen  وغيرهم. لقد عمل أنصار المدرسة التضامنية على مبدأ التدخّل الإنساني، وعلى أن التدخّل في بعض الحالات لا يمكن اعتباره غير شرعي. وفي حال الانتهاك الشديد لحقوق الإنسان يجب القيام بالتدخّل الجماعي، ويفضّل أن يكون بتفويض من مجلس الأمن الدولي[2]. يقتضي هذا الاتّجاه تطوير العدالة الدولية، واستقلال مؤسّساتها، كمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وغيرهما، عن مجلس الأمن الدولي، واعتبار قراراتها ملزمة لجميع الدول، وابتكار آليات عملية لتنفيذها. مبدأ استقلال القضاء من أهمّ مبادئ العدالة الإجرائية، لذلك يجب أن يُعمل به دولياً، لا على صعيد كل دولة على حدة فقط.

 

الرؤية التضامنية القائمة على الثقة والتعاون وتبادل المعارف والخبرات، لا تقتصر على تضامن الأفراد والجماعات، في المجتمع المعني والدولة المعنية، بل تتعدّاها إلى التضامن بين أفراد المجتمع الدولي تضامناً يضع العَوْلمة الجارية على المسار الذي يؤدّي إلى العدالة والمواطنة العالمية، ويجعل من قضايا الحرّية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان قضايا إنسانية عامة.

 

ندّعي أن المواطنة المتساوية المؤسّسة على التواصل والتذاوت، والعلاقات الأفقية القائمة على الندِّية والتكافؤ بين الأفراد والجماعات، وبين الرجال والنساء، على وجه الخصوص، قد تكون خطوة حاسمة على طريق العدالة الاجتماعية، وأَنْسَنة الحضارة المعاصرة، وكسر حالة اغتراب الإنسان عن ذاته وعالمه.

 


[1]- التذاوتية: نزعة في فلسفة القرن العشرين وعلومه الاجتماعية تُعَوِّل على التواصل بين الناس، وعلى فهمهم المشترك أكثر مما تعول على الشعور الفردي ومفاهيم المعرفة الموضوعية.

[2] - حسن مقلد، القيم والمبادئ في نظريات العلاقات الدولية،، بحث غير منشور بعد، لدى الكاتب نسخة منه. (بتصرّف)



06 نيسان 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة