728 x 90

عن السَّرد المعاصر

2366540782.jpg

 

 

لطالما وجد بعض الكتاب، أن مهزلة الدم التي تحدث اليوم، هي فرصة لإنتاج عمل أدبي، ولطالما رأيت في عيون البعض أملاً (إعلامياً ) في تسويق العمل الذي ينضح بوصف الدم أو الخراب، باحثين بشراهة عن طريقة تخلّصهم من أعمالهم المختبئة في جِرار مقدّسة داخل صدورهم، لكن الإصرار على الولادة القيصرية، وحتى قبل اكتمال الجنين، دائماً ما يجعل المولود عاجزاً عن الحياة والجمال والتواصل، والانطباع الأكثر قسوة ذلك الذي يتشكّل عند البدء بقراءة السرديّات المعاصرة، هو أنك كقارئ ترى ملامح شخصيّات خرساء، مكبّلة عن البوح، والاكتفاء بالنطق عبر لسان الروائي..

 

كأنما ترفض هذه الشخصيّات داخل الأعمال السردية المشاركة في حكايات الآخرين، عزلتها، عزلة حكاياتها أيضاً، كأنما الشخصيّات في هذه الأعمال هي كائنات لا تنطق، إنما تتحرّك وفق إرادة الكاتب، كأنها صُوَر متحرّكة بلا روح، بلا صوت، بلا ملامح، هكذا يبدو الاستبداد ميكانيزم محرّك, صيغة علاقة قاهرة، ليس لوأد العمل الأدبي فقط، بل كوديعة تسكن في الثقافة المضادة للاستبداد .
 

السارد المعاصر يذهب نحو خيانة الشخصيّات المتمرّدة على هذا الواقع في عمله، والسعي للانتقام منها، معاقبتها على تمرّدها، وتمريغ ملامحها في التراب داخل العمل السرديّ، وعدم السماح لها بالبوح غير المشروط،  والاكتفاء بتصوير هذه الشخصيات داخل زنازين انفرادية متحرّكة.

 

وإذا كان لا بدّ من الراوي، فلا بدّ من الإصغاء أيضاً، إن صبرنا على الإصغاء، هو الصبر عينه الذي يمتلكه عالم آثار ينظر في الأحرف الغامضة على اللوح الفخاري،عليه أن يمهل الأحرف والكلمات للبوح بما تحمل من حكايا، عليه أن يصغي باحثاً حتى النهاية.

 

ثمّة من لا يصغي، متمترساً وراء حصون نقدية أو وجهات نظر بالغة التطرّف، (سمة القرن الحادي والعشرين)، وكأننا حين نتمترس خلف مصدّات معاصرة، ونحن ندافع عن التراخي في الأدب، نستجيب لإيقاع ما هو عالمي ومعمّم في الحياة، ذلك أن البشر، يرقصون بإيقاع واحد على مدار الكوكب، إنها موسيقى إلكترونية، هو الصوت الجديد لمحرّكات العصر التي تهرس الأحلام البشرية، وتعيد تعليبها بعد أن تحقنها بموادّ حافظة، ولكنها سامّة بالتأكيد.

 

لم يعد السّرد حالة من التدفّق الحكائي المُبهِر، أو كنهر تدفّق فجأة، وعليك أن تحفر أمام الماء مجرىً يليق بقوّتها، عبر الكتابة.

 

المجاز طفل اللغة المدلّل، معشوقها الذي ولد من رحمها، تتشمّم روائح عطرها الجواني على جلده بشغف مذهل، اللغة التي بلا مواليد، لغة تتهادى بجثّتها الحاضرة في متحف الكلمات المعاصر


هذا ما يفسر ظاهرة الغناء لدى الشعوب، الشعوب تغنّي مولود لغتها الجديد على الدوام ، وربما هذا ما يفسّر ذلك القلق المعاصر من اللغة، ومن السّرد، ومن ثقافات الشعوب في انطلاقتها نحو عموم الكوكب، لقد تمّت ترجمة هذا القلق عبر تعميم لغة سرديّة مسيطرة، لغة كأنها جثّة هائلة يحرّكها معتوهون، وعبرها فقط يتمّ التهام روح اللغة، وفرادة الحكايات، لتبدو الأعمال السّردية مرتجلة بقوة إرادة عمياء .

 

/هنا ، لا مكان لأنيابك أيتها الإرادة ، حيث ستعبرين فقط كطفلة تلعب في حديقة الكلمات/.  الكاتب: موفق مسعود


هكذا سيصرخ ربما دون كيخوته لو وجد الآن، سيقف حاملاً رمحه بنبل الفرسان ومهاجماً طواحين الكاميرات وأشباح الأصوات الزاعقة حول جسده الضعيف .

 

لا بدّ للمبدع عبر اللغة، أن يدافع عن حقوق الحكايات الهائلة التي تغلي في لغته، هكذا يخوض المبدعون مخاضاً ملحمياً للدفاع عن الكوكب وبشريّته، وحكاياته، إنهم الحرفيون الذين يحوّلون بصمت وصبر، تلك الأكوام من النفايات والكلمات والصور والمشاعر المتراكمة في ذواكرنا، إلى إكسير سحريّ يعيش ولا يتراكم، الفرق بين العيش والتراكم، هو تماماً الفرق بين روح اللغة في الثقافة، وروح الإعلام.


إن دخول الأدب إلى السوق المعاصرة عبر الإعلام والمؤسّسات والاتحادات والجوائز المتكاثرة، ما هو إلا صياغة لإحداثيات جديدة في إنتاج النصوص الروائية، وفي أشكال التلقّي، تلك الإحداثيات التي تدفع المواضيع الأكثر خدمة لروح الإعلام إلى واجهة المواضيع التي ينبغي على الروائيين معالجتها، كما وتسوّق كبرى الشركات الإعلانية والإعلامية، كمّية هائلة من الكلمات فاقدة الروح، جثث الكلمات، وتدفعها في وجوه الساردين ليغرقوا بها، وينتجوا أعمالاً لخدمة الإعلام، وهو أيضاً يردّ /الجميل/ لكتّابها، عبر تسويقهم ..

 

هكذا تذوي أرواح الأفراد والشعوب والأغاني، في زجاجات قديمة، ليتمّ إغلاقها بإحكام ووضعها في المستودع الخلفيّ للحضارة الراهنة .
 

 



18 نيسان 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة