728 x 90

عن التخلّف ومكرّسيه

1835495596.jpg

 

يُعتبَر التخلّف ظاهرة متكاملة، ذات جوانب متعدّدة تتفاعل فيما بينها بشكل جدليّ في كافة الأصعدة (التقنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية)، لتنعكس على واقع الفرد وذهنيّته في نمطٍ من الوجود، وأسلوبٍ في الحياة ينبت في كل حركة أو تصرّف، في كل معيار أو قيمة.

له خرافاته وأساطيره ومعاييره التي تحدّد للإنسان موقعه، نظرته إلى نفسه، وإلى الهدف من حياته، إنه موقف من العالم وظواهره، ومؤثّراته كما يحدّثنا الدكتور مصطفى حجازي في كتابه التخلّف وسيكولوجيا الإنسان المقهور.

والتخلّف؛ هو الداعم الرئيسي للاستعمار الذي روّج له على أنه قصور في العقلية متوارَث لا انعكاس للواقع الرجعي والقهري على الذهنية والتفكير، يرتبط زواله بزوال ذاك الواقع. فليس هناك إنسان متخلّف وإنما إنسان مقهور يعيقه قهره وواقعه عن التطوّر واللحاق بركب الحضارة.

وبذلك كان التخلّف دوماً حجّة قوية للاستعمار من أجل بسط هيمنته على المنطقة ومبرّراً للأنظمة الديكتاتورية المتحالفة مع الخارج بشكل مباشر أو غير مباشر من أجل الاستعلاء على شعوبها وإبراز صورتها المتقدّمة أمام العالم مقارنة بشعوبها التي تحتاج إلى وصيّ عليها يأخذ بيدها حسب ادّعائها، وهو المعيل في رمي الفتن والخلافات والشائعات، والمكرّس لبقاء الشعب على ما هو عليه من مستهلك متأخّر عن عجلة التقدّم الصناعية، ينظر إلى الغرب نظرة عجز وانبهار تزيد في هزيمة ذاته في داخله وإحساسه بدونيّته وعدم قدرته على مجاراة حداثة الغرب وإنسانيّته، فيسعد إن رموا له بفتات خبزهم ويتأسَّف إن جُرحت قطّة أحدهم، ويا ليت عشراتنا يجرحون دونها، وكأن وجوده على هذه الأرض عالة عليهم وعليه أن يعتذر لأجلها طالما يحيا.

 

وضعية الإنسان المقهور في العالم المتخلّف: 

 

يعيش إنسان العالم المتخلّف في عالم يولِّد آلاماً معنوية تهدم التوازن النفسي، عالم فقدان الكرامة الإنسانية بمختلف صورها، حيث يتحوّل الإنسان إلى شيء، إلى أداة ووسيلة، إلى قيمة مبخسة. فهو منذ ولادته عبء على ذويه وأداة لخدمة أغراض ورغبات أهله والآخرين. لا يولد لذاته ولا يعيش لذاته، في عالم يرزح تحت نير التخلّف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي يحكمه نمط العلاقات الأولية ونمط الإنتاج البدائي وأدواته وتقنيّاته وانعكاساتها على الذهنية. عالم تحتكر فيه القلّة ذات الحظوة السلطة والزعامة وتفرض هيمنتها على الغالبية الباقية بهرمية السلطة التي تفرض عليه الطاعة سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الديني، فيحيا الفرد في قهر اعتباطي يواجهه من الطبيعة التي لا قدرة له ولا أدوات معه أو علم لديه للتحكّم بها أو السيطرة عليها، وقهر السلطة المفروضة عليه كأمر واقع وقدر إلهي مُنزل، يزيد اجتماعهما من إحساسه بالعجز والتقييد وأن لا دور له في رسم شخصه ومصيره.

 

 

ثم يتعرّض لغزو المرض وسيطرة الجهل وقسوة الطبيعة دون حماية. وفقدان فرص العمل والتعليم وصعوبة تأمين المأوى ولقمة العيش ليمضي حياته باحثاً عن سبل الاستمرار في الحياة، وطفل يسند كبرته في ظل انعدام أي نظام تأمين صحّي أو اجتماعي، سقف طموحه أن يجيب لدى سؤالك له عن أحواله: "الحمد لله عايش".

فيلجأ إلى الدين يناشده لتسكين آلامه وروحنة واقعه، متنفَساً يؤمِّله بالآخرة، ولا ينفذ من مستغلّي الدين الذين يكملون في استثمار جهله، فيقايضون قهره بوعد الخلاص بتبعيّتهم، لتزيد مأساته ترسيخاً وعزلةً ويكرّس نظرة الغرب وأنظمته إليه.

لتأتي العادات تقاييدَ أكثر منها تقاليدَ يمشي عليها مُقسراً، فتقسره على خيارات لا خيار له فيها ورتابة لا حقّ له بتغييرها أو نقدها وإلا كان مصيره النبذ والعزل.

فيفرض التقليد جموده عليه، يقيِّد حرّية حركته وسلوكه وحرّية الموقف من الحياة ويخلق لديه ذهنية متصلّبة محدودة الأفق يتحكّم فيها القهر من الداخل لتغدو كل حركة فكرية إثماً يستحقّ العقاب وكل موقف نقدي من نمط الحياة السائد الذي يصبّ في مصلحة العناصر المتسلّطة على العشيرة يغدو تعدّياً على المحرمات والأقداس التي لا يجوز أن تمسّ، ممّا يؤدّي إلى تعزيز شخصية ذات تفكير أحادي الجانب مشلولة الفكر النقدي نظراً لفرض الطاعة دون حقّ النقاش والفهم.

 

الدينامية اللاواعية للإنسان المقهور في العالم المتخلّف:

 

بذلك تتلخّص صورة الذات بشكلٍ ممضٍّ ومثير للذعر بانعدام القيمة، بهدر الإنسانية، بإحساسٍ بالاختناق، نظراً لاستحالة التعبير عن الذات وتوكيدها من خلال صرخة احتجاج أو نداء. فتثير هذه الصورة جرحاً نرجسياً يحرّك في داخله أشد أنواع القهر الوجودي وسط فقدان الشعور بالأمان والضمانة بما تتضمّنه من اعتباطٍ وقهرٍ يمسُّ بالقيمة الحميمة للإنسان، قيمته في نظر نفسه وفي نظر الآخرين ممّا يفجّر أكثر الدوافع اللاواعية بدائيةً، التي ترتبط بقلق الفناء وقلق الخصاء.

فيصبح حتى الحرمان المادي والغبن الاجتماعي يُعاشان تحت شعار انعدام القيمة، فيعيش وجوده كوضعيّة مأزقية تتبادل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التعزيز، مُصادراً في أفكاره ومعتقداته وحتى حياته الجنسية التي يتغلغل المتسلّط إلى أعماقها ليضبطه من الداخل. فالتعبير الجنسي الإرادي هو عنوان الاستقلال، ذلك أن الإرضاء الجنسي والعاطفي وحده مع تحقيق الذات اجتماعياً يفتح الطريق أمام مشاعر الودّ والتعاطف والعلاقات المرحبة بين الناس. وهكذا يضاف إلى الغبن المادي والقهر العلائقي إحباط جنسي يؤزّم ويعمّق الجرح النرجسي ويصعِّد من حدّة قلق الخصاء، لينعكس هذا القهر بصورة واضحة في موضوع الهجر والفراق الشائع في الأغاني الشعبية في قسوة الحبيب وتجاهله الإنسان المحبّ الذي يجترّ آلامه ويعاني من خوائه الداخلي. إن هذه السوداوية الشائعة لا تعبِّر عن الحرمان الجنسي الفعلي، بل هي وسيلة للتعبير عن الحرمان الوجودي، فقسوة الحبيب وتجاهله ليسا سوى الرمز لقسوة الحياة ووطأتها، حيث تتحالف الطبيعة مع استبداد المتسلّط واقعياً. هذا التحالف الذي يثير مقابلاً له في اللاوعي: تحالف الأم النابذة مع الأب القاسي ضدّ الطفل العاجز.

وبذلك فإنه يجد في عالم السحر وتأويل الأحلام ورسومات القهوة طريقاً بديلاً للإحساس بالسيطرة على ظاهر الحياة، وينقل قهره وعجزه في تحقيق حياته إلى الأمل في تحقيق ذرية يرى امتداده فيها فيستبدل الإنجاز بالإنجاب، يفرغ بعض قهره في أولاده وزوجته، تلك التي تعيش أتعس حالاتها في عالم التخلّف.

 

وضعية المرأة في العالم المتخلّف:

تُعتبر المرأة في عالم التخلّف المرآة الكاشفة الأكثر صدقاً لقهر الرجل، الأمر الذي يدفعه إلى قمعها بشتّى السبل، منكراً عقدة خصائه، فيغالي في إظهار رجولةٍ وكرامةٍ مهدورة أمامها تُقسرها على السكوت. بذلك فإن الأنوثة تغدو الكشف الأشد خطراً على نرجسية رجاله فتُقمع بشدة وتُعيَّب مشاعرها وتُجنس شهواتها وتُشيطن أفكارها وتُنبذ من مجالسه ويُؤسر صوتها بما فيه الصوت الأنثوي بداخل الرجل، فترى المبالغة بإظهار الخشونة والصلابة وادّعاء الابتعاد عن الحبّ والعواطف، ويُعاب الرجل بقدر ابتعاده عن تلك الصلابة، فتُلاحق الأنوثة بكل تجلّياتها وأشكال وجودها في الرجل والمرأة والفنّ والفكر.

لكنّ المرأة لا ترضخ بتلك السهولة، فتبحث عن مكانة لها بطرق بديلة تحقّق من خلالها السيطرة الخفيّة على قرارات الرجل، وتأخذ من جسدها المحرَّم وسيلة تتلاعب بغموضه وسحره، وتمتلك من استفزاز الرجل وعواطفه ما يحقّق لها شعور السيطرة عليه، وتأخذ من تدبيرها للمنزل منطلقاً لبسط سيطرتها على العائلة، فهي الأم التي تطعم وتدبّر شؤونه وتؤمّن خدماته، وهي الزوجة العطوفة والتي تدري بما يجول بخاطر الآخرين، وتمسك بخيوط قد لا يفهمها الرجل، لتبدأ حكاية التلقين لزوجها واستعادة دورها في أخذ القرار خلسةً.

وتعيش المرأة أقصى حالات التناقض الوجودي بداخلها بين اختزالها في كيان جسدها، والقمع المفروض عليه وعلى إمكاناته التعبيرية، ولشدة التحريم المفروض على جسدها يغدو إصغائها لصوت جسدها معيباً وجالباً للعار لكل عائلتها. ممّا يزيد من وضعها أزمةً، فهي رمز الشرف والأمومة والعطاء اللامحدود إن كبتت نفسها طيلة حياتها، ورمز الشرّ والخبث والشيطان وضياع كل الشرف إن زلّت بهفوةٍ بجسدها.

وما يزيد الأمر سوءاً أن المرأة تفرض على أطفالها هيمنتها العاطفية كوسيلة تعويضية عمّا لحق بها من غبن، باسم الأمومة المتفانية. وتعمل على توريث وضعها لأبنائها بتلقينهم ذات الأفكار والنظرة إلى الحياة بما تحمل من خرافات وأساطير وشعوذة ومحرَّمات وممنوعات ومعايير تنظّم حياتهم وتؤطّرها على أنها مسلَّمات لا جدال فيها، فتغلق على نمو التساؤل لديهم وهو المحرِّك الأول لنمو التفكير عند الطفل.

 

مكرِّسات التخلّف:

 

دور التعليم التلقيني في تكريس التخلّف:

 

تأتي المدرسة بعد الأم في تربيتها، وتزيد الانغلاق انغلاقاً بمدرّسيها القادمين من نفس البيئة والحاملين لنفس المفاهيم والأفكار، وبإسكاتهم لأي تساؤل للطالب قد يخلّ بمعارفهم ويضعها موضع الشكّ، فيزيد ذلك من ترسيخ الذهنية المنغلقة لدى الطالب خاصة بترافقه مع المناهج التلقينيَّة التي لا تنمّي الجدل والتفكير النقدي للطالب بقدر ما تلقّنه ما يُراد له معرفته. وصولاً إلى المرحلة التي يتماهى فيها لأبعد الدرجات المقبولة مع محيطه ومفاهيمه بعد أن توقّف عن التساؤل واستبدله بالأجوبة الموروثة ودخل في إطار التعامل مع الظواهر المحسوسة الملموسة في الطبيعة والعلاقات، بعيداً عن القوانين العلمية، ليطغى التقليد كعرف يقيِّد انطلاقة الإنسان نحو المستقبل مقولباً إياه في صيغ جامدة وثابتة تلغي مبادراته، لتستمرّ بذلك دورة التخلّف مع القليل من فرص الخروج منها.

 

دور رجال الدين والزعماء الاجتماعيّين في تكريس التخلّف:

 

لا يقف ترسيخ التخلّف عند الأنظمة وسياساتها والخارج المرتبطة به، بل يتحالفون مع رجال الدين والزعماء المتنفّذين في المجتمع، ليكملوا حصار الفرد وتقييده بقوانين الدولة، وأعراف المجتمع، وشرائع الدين، أمام تجريده من أي سلاح علمي وفكري وتثقيفي، إلا من بعض الاستعراض الذي يحافظ للأنظمة على صورتها المتقدّمة دون فاعلية حقيقيَّة (في سوريا مثلاً الكثير من المراكز الثقافية الضخمة، دون عمل حقيقيّ جادّ) وبذلك يحافظ النظام على بقاء الشعب على حاله وبقائه هو متسيِّداً على الشعب، يكرِّس بداخله صورة الإنسان المتخلّف المحتاج إلى مُعيل يأخذ بيده إلى صرح الحضارة والتقدّم، ولا يسلم النظام وحلفاؤه من تصديق ذلك الأمر الذي جعلهم يستغربون ثورة الشعب بوجههم، وكأنه شعب ناكر للجميل وغادر لمن يعي مصلحته ويسهر على حمايته من نهشه بعضه البعض، بعد أن كرَّس واقع المجتمع في طوائف متناحرة مع وقف التنفيذ، نتيجةً لسطوته الأمنية لا فكره العلماني.

 

دور سلبيّة المثقّفين في تكريس التخلّف:

 

وما يزيد الأمر سوءاً أن نتاج الشعب من مثقّفين ومفكّرين لا يسلمون دوماً من كونهم نتاج هذه البيئة وجدليّتها، وهم إذ ينجحون في تطوير إمكانيّاتهم العلمية لا ينجحون دوماً في الخروج من قوانين هذه البيئة ومحكَّاتها، وكثيراً ما يكشفون عن كون ثقافتهم وعلمهم لا تزيد عن قناع يسقط عند أول اختبار لحقيقتها، وتراهم يتعالون على الفرد ومجتمعه ويهاجمونه ويبخسون من ذاته وقيمته أمام تقدّمهم عليه، بدل تفهّم واقعه والأخذ بيده. ليكملوا بذلك دور السلطة وكلّهم ثقة أن دورهم تحرّريّ تقدميّ. ولا غرابة في تحالف جلّهم مع السلطة ليبعدوا عن أنفسهم تهمة الاصطفاف مع التخلّف الذي يقارعونه دون دراية أسبابه، فيستسهلون أخذ مسافة منه ومهاجمته بدل الخوض في مسبّباته وحيثياته. كاستسهال طبيبٍ بترَ عضوٍ بدل معالجته.

 

دور النشطاء الجُدد والإعلام في تكريس التخلّف:

 

ولا يقلّ دور النشطاء الجدد عن دور المثقفين في أخذ تلك المسافة، هم من سارعوا في الانضمام إلى منظمات تقنعهم بتميُّزهم وتقدّمهم لمجرّد الانتماء إليها والعمل وفق ما تريد، فتراهم يكابدون التطبيق الحرفي لما تدَّعي من حلول جاهزة لهذه "الشعوب المتخلّفة". هم من امتلكوا مفاتيح تحرّرنا وآلياته وخرجوا من التخلّف، ليأتوا بما يمليه الغرب من برامج مسبقة دون النظر إلى ما يتطلّبه السكّان المحلّيّون الذين لا يدركون مصلحتهم -حسب ادّعائهم- فلا تزيد مشروعاتهم وتنظيماتهم عن استعراضاتٍ إعلامية كسابقاتها من استعراضات الأنظمة ومشاريعها، تغلب عليها الحاجة إلى العزلة بمجموعاتٍ عن المجتمع بدل مدّ الجسور إليه.

والطريف في الموضوع أن نظرتهم إلى تلك المنظمات وإيمانهم بيقين نهجها وعدم معارضته لا تقلّ انبهاراً عن نظرة الإنسان المقهور للغرب، ليأتي تعاليهم بها على أقرانهم والدفاع عنها فلا يكشف إلا محاولتهم البقاء في حضنها طلباً ليقين الذات بتقدّمها خاصة مع ما تتيحه تلك المنظمات من فعاليات مُبْهِرة ونشاطات تكشف لهم العالم الحديث ونمط عيشه والذي باتوا يقتنعون بانتمائهم إليه وقطعهم مع ماضي انتماءاتهم التاريخية والاجتماعية.

وفوق ذلك يستمرّ الإعلام الغربي في ترويج صورة الإنسان المتخلّف لهذه البلاد وتكريسها في الأفلام والدعاية ونشرات الأخبار، يساندهم بذلك إعلام الأنظمة التي تريد لتلك الصورة البقاء دوماً لتظهر مجدّداً بمظهر المدافع عن الحضارة والحداثة مقابل شعبها (المتخلّف)، بما تضيفه تلك المعادلة من استمرار التدمير المنظّم لذات الإنسان والحطّ من قيمته.

 

دور إنسان العالم المتخلّف في تكريس تخلّفه:

 

إن الأمر الأكثر مأساةً هو دفاع إنسان العالم المتخلّف عن تخلّفه أكثر من كل المذكورين، فهو وليد هذه البيئة الراسخة في أعماقه، ومعايشته لها لم تكن لتُطاق لولا تأقلمه مع متطلّباتها وعاداتها وأفكارها، وما حفرته بداخله طوال سنيّ حياته. إذ يعيش في نمط وجود لا يُطاق، ينخر في توازنه النفسي حتى أعماقه، ليصنع منه إنساناً مغترباً عن ذاته، منكفئاً على نفسه، يبخسها ويبخس الآخرين أشباهه بعد أن فقد الالتزام تجاه الذات التي لا تحظى بالاعتبار، وتصل الإدانة للذات حدّ النكاية، من خلال الإعلاء من شأن المتسلّط وقوّته وذكائه وتثمين كل ما يمتّ إليه بصلة، فيستسلم لواقعه وكأنه قدره، ويرضخ لتلك الضغوط المفروضة عليه، ويحاول التماهي مع وضعه القائم كونه لا يقوى على العيش معزولاً عن محيطه، ويسعى إلى السيطرة السحرية على مصيره من خلال الشعوذة واستدعاء الأولياء والتحبّب لهم لالتماس حمايتهم وإحساسه بالأمان، أو استدعاء الأبطال من قصص تاريخه، فتراه يمجِّد عظمتهم وبطولاتهم بشكل يقارب التقديس ويرفض أي نقد لهم، فهم الصورة التي يُسقط عليها حلمه في الخلاص ببطلٍ يقارع القهر والظلم والصعاب دون كلل أو ملل، ويبسط العدالة بجبروته دون أن يُعيق دربه أحد، فترى الفرد كثير التغنّي بتراثه وبتاريخ أبطاله، حين يعجز عن القيام بدوره في الواقع الذي لا يتجاوز دوره فيه الاتّكال والكسل كنوع من الدفاع الضمني والتمرّد الصامت بوجه المتسلّط الذي يصادر ذاته ويقسره على هذا النمط من الوجود القهري، فالكسل والاتّكالية هما المرافقان الدائمان للقهر وفقدان قيمة الذات.

ويسعى الفرد لاسترداد قدراً من احترامه لنفسه وتحقيق الذات من خلال ذوبانه بالمتسلّط والدفاع عنه وعن كرامته التي باتت من كرامة المتسلّط، فتراه يتقمّص دور الزعماء والوجهاء وسلوكهم وأسلوب حياتهم ليُخفي ذاته ويتستّر على خوائها. ويغالي في تعصّبه للمتسلّطين أو لجماعته، الأمر الذي يحوِّل قهره المتراكم بداخله إلى أقرانه المشابهين، أو إلى الجماعات الغريبة التي لا يتوقّف المتسلّط عن تغذية وتوجيه العداوة ضدها. فتلك العداوة كفيلة بتحويل القاهر والمقهور إلى جسدٍ واحد في مواجهة العدو الخارجي وتعميق ذوبان الفرد في بوتقة متسلّطيه وتفريغ قهره وعنفه في الآخرين. ذاك العنف الذي ينتشر في المجتمع المتخلّف الذي تتّخذ فيه العدوانية شكل علاقات اضطهادية تفرز مناخاً عاماً من العنف والتمرّد المتفجّر فردياً وبشكل عابر أو جماعياً يهزّ بنية المجتمع القائم، فعنفه يتّخذ طابع التشفّي الذي لا يعرف الارتواء لأن الجرح النرجسي النابع من القهر غير قابل للاندمال، فالقهر والتسلّط يتغلغل في أعماق النفسية كأسلوب وحيد لتصوّر العالم، ممّا يجعل منه تربة خصبة لنمو الإرهاب لاحقاً، فما الإرهاب سوى القهر وقد صار مؤدلَجاً.

 

أثر الواقع المتخلّف على بناء الشخصية وعلاقاتها:

 

هذه الوضعية المترسّخة تجعل من كل فرد يحذر الآخرين وعليه أن يبقى يقظاً منهم طوال الوقت، ممّا يخلّ بعلاقات التعاطف والتفاهم بين الأفراد ويخلق مقاومة عنيدة وخطيرة بوجه كل تنمية أو محاولة تغيير في اتّجاه الاعتبار الحقيقي لإنسانية الإنسان وحقّه في الحياة الكريمة وتحقيق الذات والتشارك، ويجب أخذها بعين الاعتبار لدى أي تخطيط تنموي.

بالتالي يصل إنسان العالم المتخلّف إلى مرحلة من بناء الشخصية لموضع يدافع عنه ويحمي مسبّباته دون دراية منه، كذلك تساهم السلطة السياسية والدينية والاجتماعية القائمة في ترسيخ وضعه ذاك، وتجنيده في الدفاع عنه تحت مسمّيات عدة من الشعارات الرنانة الوطنية منها والدينية والمرتبطة بمفاهيم تمسّ صميم شخصيته الاجتماعية مثل الكرامة والشهامة. فالوضع القائم يدافع عنه اثنان: المستغِلّ المستفيد، والضعيف الذي يحتاج إلى من يحتضنه ويحمي ضعفه لعدم قدرته على الاستقلال بعد أن جرّدوه من أية إمكانية لبلوغه. فتراه المدافع الأول عن تخلّف بيئته، يساهم في عنادها ضد التغيير، في عالم لا يريد له الخروج من وضعه إلا بما يتوافق مع الاستهلاك بعيداً عن أي تنمية حقيقية تأخذ بيده نحو التطوّر الذاتي الاقتصادي والاجتماعي والفكري بما يتوافق مع متطلّباته كإنسان وحقّه في حياة حرّة كريمة لائقة به كغيره من بني البشر.

وقد يصل إلى مرحلة النهوض والتمرّد العلني الذي سرعان ما تطغى عليه بطبيعة الحال الذاتية والانفعال والعنف، وحينها قد تساهم العادات والتقاليد بدورٍ إيجابي في استنهاض الهمم وإعلاء مفهوم الحقّ، والعودة إلى التاريخ بما يعزّز الثقة بالنفس من خلال تحجيم أزمات الحاضر ككبوة مارقة كما سابقاتها، ويلعب الدين دور المعزّز الأخلاقي لا المهرّب من الواقع، ويساهم المثقّفون بدورهم الإيجابي كمثقّفين منتمين إلى مشاكل بلادهم وقضاياها، لا هاربين منها يقاذفونها من بعيد عليائهم.

 

خاتمة:

هكذا ودون ذلك النهوض سيبقى الفرد غارقاً في واقعه يستعيد حكايا أبطال ماضيه بشكلٍ جامدٍ معزول للاستئناس والخدر، فيطلب زوار المقهى من الحكواتي "العمّ مؤنس" في مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر للراحل سعدالله ونوس:

"- ماذا قلت يا عمّ مؤنس هل ستحكي لنا غداً قصة الظاهر بيبرس وانتصاراته"

فيجيب الحكواتي:

"- ربما.. الأمر متعلّق بكم".

وهكذا.. فإن أي عملٍ لا يشارك فيه الجمهور ولا ينطلق منهم، مجرّد عرضٍ مسرحيٍّ معزول سيُسدَل الستار عليه بعد قليل، وهم في أماكنهم.



22 تشرين ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة