728 x 90

عن الدستور السوريّ الجديد

2167612972.jpg

 

 

*د. نائل جرجس

 

 

يشتمل الدستور على مجموعة القواعد الأساسية المحددة لشكل الدولة ولنظام الحكم فيها (رئاسي – برلماني – شبه رئاسي) وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم وغير ذلك من الأطر الأساسية المنظمة لعمل الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وينصّ الدستور على حقوق المواطنين وحرياتهم، فضلاً عن بعض أشكال الرقابة اللازمة لوضع أحكام الدستور حيّز التنفيذ والسهر على تطبيقها. ويعدّ الدستور بمثابة القانون الأسمى في الدولة والذي يجب أن تنصاع إليه كافة التشريعات الداخلية و تتواءم مع أحكامه، كما يشكّل مدخلاً أساسياً ولازماً للشروع في عملية الإصلاح الديمقراطي الكامل في الدول غير الديمقراطية.

 

تزداد أهمّية الدستور في البلدان التي تعايش ثورات شعبية أو حروباً أهلية أو تغيّرات سياسية جذرية كحال الوضع في سوريا حيث سيكون دستورها الجديد بمثابة عقد اجتماعي بين أطياف الشعب بما يسهم في تأمين قطيعة تامة مع الحقبة الدامية الماضية والتأسيس لدولة جديدة. ولهذا لابدّ من تجنّب صياغة الدستور من أطراف خارجية وذات أجندات سياسية، بل ويجب أن يتمّ وضعه من طرف مواطني الدولة المعنيّة بواسطة ممثّليهم الشرعيين والمنتخبين أو المعيّنين ديمقراطياً. وبهذا سيكون للمواطنين دورٌ مباشرٌ أو غير مباشر في صياغة أحكام الدستور؛ لما لذلك من أثر في تعزيز شعورهم بالمسؤولية في احترام الدستور، فضلاً عن تأثيره النفسي والشعور ببداية مرحلة جديدة في تاريخ البلد .

 

هذا وقد لعبت الدساتير السورية الماضية دوراً أساسياً في تكريس الاستبداد والهيمنة السياسية لشريحة سياسية معيّنة دون غيرها، وهذا ما ترك آثاره التشريعية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على كافة مناحي الحياة في سوريا. وبهذا فإنّ استمرار عيوب الدساتير السورية السابقة، كالصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية وسبغه بأيدلوجية الحاكم، سيحوّل المعركة من السعي إلى تطبيق وإعمال نصوص الدستور إلى النضال من أجل تغييره وتعديل نصوصه. فيجب أن  تتّسق نصوص الدستور المأمول اعتماده مع متطلّبات دولة القانون؛ فيشكّل الدستور أحد أهم أركان الانتقال الديمقراطي والتأسيس لمستقبل سوريا. وإنّ لم يحلّ هذا الدستور كافة الإشكاليات، فإنّ أحكامه ستشكّل حجر الأساس لذلك.

 

هذا وستكون معركة إقرار دستور ديمقراطي سوري جديد بالغة الصعوبة. فستسعى قوى الاستبداد التقليدية، لاسيما العسكرية والأمنية، وأيضاً القوى المسلحة التي تأسّست وتصاعدَ دورها مؤخّراً في سوريا، إلى التأثير  في هوية الدولة السورية ونظام الحكم فيها. فقد لعبت هذه القوى دوراً أساسياً في تغيير نظام الحكم أو الحفاظ عليه والتأثير فيه، وبهذا ستسعى إلى تعزيز استقلاليتها أو امتيازاتها وحصانتها. في المقابل، ستطالب القوى المدنية الديمقراطية في تحجيم وتحييد دور القوى العسكرية والقوى الخارجية الداعمة لها من أجل ضمان عدم سيطرتها على مقاليد الحكم والتأسيس لدولة عسكرية أو أيدلوجية. كما أنّ مسألتي  العروبة والدين ستكونان من أبرز القضايا الجدلية التي ستُثار في إطار التغيير الدستوري المقبل. فكلتاهما ذات تأثير واضح في مستقبل سوريا وعلى مختلف مكونات الشعب السوري، وخاصة في ظل تعدّد الأقليات غير العربية من ناحية، والأقليات غير المسلمة من ناحية أخرى. كما أنّ الكثير من السوريين ينتمي إلى كلتا الأقلّيّتين في نفس الوقت، وهذا ما سيعرّضهم إلى تمييز مزدوج في حال إقرار تشريعات أيدلوجية مستَلهَمة من الدين ومن العروبة.

 

وهنا نذكر أيضاً مطالب الكثير من المعارضين السوريين بالعودة إلى دستور الخمسينات أو ما يٌطلق عليه "دستور الاستقلال". فيعدّ هذا الدستور من أهم الدساتير السورية نظراً لتبنّيه قانونيّاً من قبل الجمعية التأسيسية في 26 تشرين الثاني/نوفمبر من العام1949 ، وبسبب تركيز أحكامه على مبادئ الديمقراطية ودولة القانون، فضلاً عن ضمان حقوق المواطنين وسلطة الشعب وتقليصه لصلاحيات رئيس الجمهورية، وحصر مهمة الجيش بالدفاع عن حدود الوطن وسلامته وبالتالي عدم تفويضه بمهام عقائدية على خلاف الدساتير اللاحقة. وعلى الرغم من أهمّية هذا الدستور ونصوصه، فإننا نختلف مع المطالبين بالعودة إلى تطبيقه. فلم تأتِ أحكام هذا الدستور مفصّلةً بما فيه الكفاية، بل تركت للقوانين الكثير من الأمور التنفيذية، مما يجعل أحكام الدستور منصاعة للقوانين وليس العكس. كما يخلو هذا الدستور من الضمانات اللازمة لعمل الأجهزة الأمنية وممارسة الرقابة اللازمة عليها وتحديد شروط تطبيق حالة الطوارئ، ولا يلتزم صراحة بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي بالأساس تمّ مصادقة سوريا عليها بعد تاريخ إقراره. وتبنّى بعض أحكام هذا الدستور على أيدلوجيتي العروبة والإسلاموية المُشار إليهما أعلاه.

 

وأخيراً لابدّ من دستور جديد ليشكل قطيعة مع الحقبة الماضية المليئة بالجرائم الخطيرة بحقّ الشعب السوري والتي يجب أن يأخذها بعين الاعتبار الدستور الجديد متضمّناً صراحة ضمانات الوقاية من هذه الانتهاكات ورفع الحصانة عن مرتكبيها وملاحقتهم بكافة الوسائل. فمن الأمور الأساسية التي يجب مراعاتها والتنصيص عليها دستورياً مسألة الرقابة على تنفيذ أحكام الدستور التي ستبقى دون قيمة مالم يتمّ اعتماد آليات رقابية مشكّلة من لجان برلمانية وحقوقية نزيهة وقادرة على ردع تعسّف السلطة التنفيذية وتغوّلها في الاستبداد.

 

لابدّ أخيراً من التأكيد على أهمية طرح النقاش الدستوري خلال فترة التحوّلات السياسية من أجل بناء الوعي الشعبي، من ناحية، والدفع باتجاه الحوار السياسي الذي قد يمهّد للاستقرار وإقامة الشرعية لنظام الحكم الجديد، من ناحية ثانية. وتزداد هذه الأهمية في الحالة السورية في ظل تخوّف السوريين من النظام السياسي الذي يمكن أن تفرزه التغييرات الحالية في سوريا، وخاصة في ظلّ اشتداد قوة التيار الإسلامي المعارض للنظام ، من ناحية، واحتمال إعادة إفراز النظام السوري الحالي المسؤول عن جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، من ناحية أخرى. ويعود تغلغل هذا التخوّف شعبياً لعقود نتيجة إثارته وتعزيزه من طرف النظام الحاكم بين مختلف مكوّنات الشعب السوري من أجل تحقيق استدامته في السلطة على مبدأ (فرّق تسد)، فضلاً عن انحراف الثورة الشعبية ضدّ الاستبداد عن مسارها السلمي وبدء صراعات دموية لا تزال تشهدها سوريا حالياً والتي بالتأكيد ستفرز وجهاً جديداً لسوريا لا يمكن بعد تحديد ملامحه.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب..

 

 

 

 



08 أيار 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة