728 x 90

طريق الحرير والشرق الأوسط في ظلّ التناقضات العالميّة

1958265955.jpg

 

 

تكاد أن تعلن القضايا الشرق الأوسطية عصيانها على المحلّلين الإستراتيجيّين، وتضعهم في خانة العزف على أوتار التناقضات التحليلية التي لا تفضي سوى إلى المزيد من التخبّط والضياع في زحمة تناقض المصالح، التي تسعى أطرافها المتصارعة إلى رسم خرائط متناغمة مع عمق انتماءاتها، وتعمل بموجبها على الأرض دون أن تدري هي أيضاً، وعلى وجه الدقّة، خفايا مسارات أعمالها وصراعاتها وتناقضاتها، التي تتغذّى من خلفيات انتمائية متنوّعة. ولا تستطيع تلك الأطراف أن تَحِيد عن المسارات المرسومة من قِبل القوى العالمية، وترى نفسها في عملية تحوّلٍ تلقائي إلى أسيرة في المضمار الذي تحدّده القوى المسيطرة على المعمورة. ولقد أدّت هذه الحالة السائدة شرق أوسطياً إلى تعميق إمكانيات القوى العالمية في التحكّم بمختلف المفاصل الحياتية فيها، وإزالة جزء من ضبابية الرؤية حول نوايا تلك القوى تجاه المنطقة التي ظلّت عبر التاريخ عصباً حياتياً هامّاً لمختلف قارات العالم.

 

إذ كان صراع الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي في الأمس القريب قد ترك انعكاساته على المنطقة بصورةٍ كبيرة، وأدّى إلى ولادة نظم جيوسياسية أساس عملها هو التناقض ما بين منطق الفكر ومنطق العمل، فإن الصراع الذي تمارسه القوى العالمية، في راهننا، على هذه الجغرافيا الواسعة لا يختلف في جوهره عن تلك الصراعات القديمة إلا في بعض مظاهرها الخارجية وتبادل الأدوار ما بين الأطراف الفاعلة فيها. ممّا أبقى المنطقة في حالة الضعف والتشتّت أمام سيطرة القوى العالمية، وتركها ساحةً لصراع الفيلة في كروم أهلها.

 

مشروع مبادرة العملاق الصينيّ (One Belt One Road)

 

لقد بات واضحاً بصورةٍ نسبية أن الفوضى التي تشهدها المنطقة نابعة من رغبة القوى العالمية لإجراء تصفية حسابات النظم السياسية القائمة في القرن العشرين من جهة، وبناء منظومة علاقات سياسية واقتصادية جديدة أساسها قيام الغرب الرأسمالي بتحقيق ضمان بقائها مسيطراً على مقدّرات شعوبها. ولعل المبادرة الصينية المسماة بمبادرة (حزام واحد، طريق واحد)، الذي طرحه الرئيسي الصيني "شي جينغبينغ" في عام 2013م، تعدّ من أهمّ المواضيع الاقتصادية العالمية التي تُثار حولها الرؤى في الشرق الأوسط وتؤثّر مباشرة في إمكانية تطبيق مشروع ضمان السيطرة الغربية لبناء نظم جيوسياسية بديلة للنظم القديمة ومتناسقة مع مفاهيمها الاقتصادية، التي تعرّضت للكثير من عمليات التحديث بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وذلك لأن هذه المنطقة على صلة مباشرة وقوية بالمشروع من جهة، ولأن النظم السياسية القائمة فيها باتت تشكّل تهديداً لاستمرارية المشروع الغربي من جهةٍ أخرى، نظراً لتقارب مصالح تلك النظم مع أهداف وغايات المشروع الصينيّ.

 

 

وتمثّل هذه المبادرة جوهر الرؤية الصينية لتوسيع دائرة نفوذها نحو دول آسيا أوروبا وأفريقيا  عبر إعادة إحياء طريق الحرير القديم من خلال مسارات متعدّدة تمرّ عبر 65 دولة، تبدأ من الصين لتصل أوروبا عبر دول الشرق الأوسط، خاصةً بعد الانطلاقة الصينية، التي لم تعد خافية على أحد، نحو العالمية بصورةٍ فاجأت الدول الغربية، حيث أنها استحوذت على حصةٍ كبيرة من الأسواق العالمية عبر تطبيق سياسة إقامة وتطوير علاقات الصداقة والتعاون مع مختلف البلدان على امتداد جغرافيا القارات الخمس. لذلك نرى بأنها تسعى في سياساتها الخارجية إلى منح الأولية للبعد الاقتصادي الذي يمكنه من تأمين أسواق التصريف لمنتجاتها، وتأمين مصادر المواد الأولية، ولا سيّما الطاقة التي تحتاجها بدرجات كبيرة ومتزايدة، والتي تؤمّن لها مقوّمات توسيع نفوذها عبر تجميع وسائل التكامل الإقليمي والإستراتيجي متعدّد الأقطاب، والأخذ بزمام المبادرة لطرح مشاريعها الاقتصادية الكبيرة.

 

إن هذه الرؤية الصينية، في حال كُتب لها النجاح، ستمكّن الاقتصاد الصيني من الانتشار نحو مجموعة من الدول تتجاوز نسبة مساهمتها في تكوين الناتج المحلي الإجمالي العالمي 65%، وسيتحقّق تبادلاً تجارياً يزيد عن 21 تريليون دولار من البضائع، وينشئ سوقاً تجارية يزيد عدد سكانه عن 4.4 مليار نسمة، وهو ما يتجاوز 56% من إجمالي سكان العالم.

 

إيران أكبر داعمي مشروع المبادرة الصينية

 

تلعب خارطة الشرق الأوسط دوراً محورياً في نجاح المبادرة الصينية لإعادة إحياء طريق الحرير وتحقيق الاستحواذ على نسبة عالية من حجم التجارة الخارجية لمجموعة كبيرة من دول العالم، ويشكّل الموقع الجغرافي لكل من إيران وتركيا نقطة ارتكاز أساسية في هذه المبادرة، لذلك لم تكن الصين بحاجة إلى بذل أية جهود لإقناع إيران بها، بل إن إيران ترى فيها حلمها الذي بات قريباً من الواقع بحكم القوة الصينية، حيث أنها ستحقّق مجموعة من الأهداف في حال انخراطها في مشروع هذه المبادرة، فهي ستكون قادرة على تخفيف الآثار السلبية للعقوبات المفروضة عليها أمريكياً عبر بناء منظومة علاقات متشابكة مع الدول الآسيوية وفي مقدّمتها جمهورية الصين الشعبية التي تستحوذ على 27% من إجمالي صادرات إيران.

 

لقد تمّ ترجمة الموقف الإيراني من مشروع المبادرة من خلال سعي حكوماتها إلى إقناع الصينيين بتوقيع اتفاقية تعاون تجاري مشترك لتحويل إيران إلى مركز ترانزيت للبضائع الصينية ريثما يتمّ تفعيل طريق الحرير ونجاحها في ذلك، وتمكّنت إيران من توقيع مجموعة من اتفاقيات التعاون الاقتصادي تزيد قيمتها على 40 مليار دولار مع الصين. وبذلك تكون هذه المبادرة بمثابة الحلم الذي بات قريباً من التحقّق والذي ستبذل إيران كل جهودها لتحقيقها.

 

 

لن تكون أمريكا محايدة

 

في الطرف الآخر من المعادلة اعتدنا على المواقف الحازمة للولايات المتحدة الأمريكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي ما كانت لتتوقّف لولا الضربات الأمريكية القاسية لمدينتي هيروشيما وناغازاكي. وقد تكرّرت التجارب الأمريكية القاسية في التعامل مع المواقف المناقضة لمصالحها لإضعاف دور خصومها في مختلف القضايا. لذلك علينا أن نتوقّع أن الولايات المتحدة لن تدّخر جهداً في إيقاف هذا المشروع القادم من شرق أسيا لإنهاء دور مؤسّسات بريتون وودز واستبدالها بمشاريع اقتصادية ومالية ناتجة عن تحالفات آسيوية تشكّل الصين مرتكزها الأساسي. وتشير الوقائع والمعلومات المتوفّرة إلى الأهمية الكبيرة لمنطقة الشرق الأوسط في الصراع الأمريكي –الصيني، الذي سيفضي إلى إعادة رسم الخارطة السياسية والاقتصادية في المنطقة بما يتناغم مع إستراتيجية أحد الطرفين، فإمّا الاستمرار في ظلّ المنظومة السياسية السائدة، وهو ما يتطابق مع الرؤية الصينية وبعض الاقتصادات الكبيرة في المنطقة أو الانتقال بأي وسيلة إلى منظومة سياسية جديدة، وهو ما يتناغم مع المطلب الغربي فيها. وقد بدأت الدول الغربية بإجراءات التعديل منذ بداية العقد الثاني من الألفية الأخيرة عبر إحداث الحراك الدامي في المنطقة في الإطار الذي رسمته الإستراتيجية الغربية للمنطقة لبناء حالة سياسية واقتصادية جديدة تتناغم مع تطلّعاتها المستقبلية بخصوص مصالحها في المنطقة.

 

يبدو أن الحنجلة في بداية الرقص على أنغام الإستراتيجية الغربية المناهضة للسياسات الصينية ستبدأ من إيران التي تعمل لإطماع الصينيين بثرواتها لتأمين تحالفها في سلوكياتها السياسية والعسكرية المناقضة للمشروع الغربي. ولم يكن القرار الأمريكي الأخير بخصوص تخفيض الصادرات الإيرانية من الطاقة والتي تشكّل 80% من إجمالي صادراتها إلى مستوى الصفر إلا محاولة أمريكية لإفشال المشروع الصينيّ، وهذا ما يدفعنا إلى ترجيح قيام الولايات المتحدة بتغيير مجموعة النظم السياسية في الشرق الأوسط لسحب البساط من تحت أقدام الصينيين، خاصة إن حجم التبادل التجاري لكل من إيران وتركيا مع الصين تشكّل أضعاف حجم تجارتها مع الولايات المتحدة، التي ترى في ذلك خسارة لميزاتها التنافسية في المنطقة، الأمر الذي يؤكّد ضرورة تدخّلها –من وجهة النظر الأمريكية- في إعادة تموضع الخارطة السياسية والاقتصادية في المنطقة.

 

فهل سنشهد سيطرة أمريكية كاملة على المنطقة؟ أم أن الحلم الصيني سيتحوّل واقعاً بدعم بعض القوى الإقليمية؟

 

 



13 تشرين ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة