728 x 90

شوارع هلاليّة القامشلي ما عادت تترنّح على خُطى هوزان

1826402786.jpg

 

 

*فريد إدوار

 


لم تَعُد طرقات حي الهلاليّة الترابيّة في مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، تترنّح مع خطوات «هوزان» ذي العشرة أعوام عندما كانت تطؤها قدماه منذ شروق الشّمس حتى غروبها، مُتسكّعاً من شارعٍ لآخر خلف طفولتهِ التي انتهت دون استئذان، سنواتٌ عشر قضاها في كنفِ والديه اللذَين اعتبرا فقدانه خسارةً من الاستحالة تعويضها وهو الابن الوحيد مع 3 بناتٍ صغيرات  كانوا ثمرة زواجهما.


كلمات «هوزان» التي تفوّه بها قُبيل موته بدقائق، ما تزال تصمّ أذني الوالد المفجوع «محمد عمر» /32/ عاماً، وهو جالسٌ بجانبه في المقعد الأمامي لسيارتهِ الصفراء التي تحمل لوحةَ مرورٍ عموميّة، متوجّهاً لمكان عمله في محلٍ لبيع إكسسوارات أجهزة الموبايل قرب جامع قاسمو، الجامع الذي كان في فترةٍ قريبة نقطة انطلاقٍ أولى لخروج التّظاهرات التي كانت تنادي بالحرية وإطاحة نظام الحكم في سوريا.

 

«سنُنهي تنظيف المحل بسرعة يا أبي، ونمضي بعدها إلى السوق لشراء جهاز (آيباد) لي».. كانت تلك آخر ما سمعه الوالد من ابنه البكر، قبل أن يستيقظ من غيبوبةٍ دامت يومين متتالين، وجسده مُمددٌ في أحد الأسِرّة بمستشفى الشهيد «خبات» بمدينة القامشلي.

 

يومان متتاليان أمضاهما «محمد عمر» بعيداً عن أحلام طفله بامتلاك جهاز (آيباد)، /48/ ساعة كانت تفصل بين معرفة مصير الابن الذي أضحى جسداً بلا روح بعد التفجير الإرهابي الذي ضرب منطقةً سكنية صباح الـ 27 من شهر أغسطس آب 2016 في الحي الغربي بمدينة القامشلي، وبين التفكير  بالوصول لمحله.

 

حكاية «محمد عمر» وطفله «هوزان»، ليست ولن تكون الوحيدة في بلادٍ أتعبتها الحرب منذ أكثر من خمس سنوات، هي قصةٌ من بين آلاف قصص الموت الذي صار ضيفاً على كل عائلةٍ سوريّة، وقضى فيها مئات الأطفال السوريين سواء بسلاح النظام السوري أو على يد تنظيماتٍ مُتطرّفة، وكل حكاية منها بانتظار مَنْ يُقلّب صفحات الألم والأمل.

 

اعتاد «محمد» اصطحاب ابنه إلى مكان عمله مذ بلغ الثامنة من العمر، فكل زاويةٍ من ذلك المحل الذي سُمّي  «هوزان للاتصالات» تحمل بصمةً وموطئ قدم لصغيره الذي بالغ في ذلك الصباح الأسود في طلب مرافقة والده رغم رفض الوالدة.

 

مات «هوزان» إذاً..  ومات معه أطفالٌ ونساءٌ وشبابٌ آخرين، وماتت معهم أحلامهم المُجهضة، لتُعلن المدينة الحداد على أرواح مَن راحوا، وتركوا خلفهم مئاتٍ آخرين مُفجعين برحيلهم غير الموعود.

 

مات الصغير.. ولم يستطع الأب حتى الآن الاعتذار من روح طفله بعد أن صفعه ذات يوم على وجهه، بسبب شقاوته العفوية.

 

بات «محمد عمر» يتمنى كل حين، عودة «هوزان» إلى الحياة مُجدّداً ولو لبضع دقائق، حتى يعتذر منه، ويتخلّص من العبء الذي يُثقل كاهله.

 

لم يكن يدري أن رفضه السفر إلى بلاد اللجوء كغيرهِ من آلاف العوائل الكردية في المنطقة؛ سيُحرمه من طفله، لم يكن يعلم أنه سيأتي لمكان عمله ذات يوم دون «هوزان».

 

 دراجته الصغيرة التي أهداه إياها والده يوم ميلاده العاشر، لا تزال مركونةً بجوار كومةٍ من الذكريات والألعاب المُبعثرة في أرجاء الغرفة التي تشتاق هي الأخرى لرائحة جسده النحيل.

 

الأربعاء الأسود الذي بات هو الآخر مُدرجاً ضمن لائحة أحزان ونكبات مدينة القامشلي، قضى على عشرات العوائل وألحق أضراراً مادية بعددٍ من الأبنية السكنية المجاورة لمكان التفجير الانتحاري الذي تبنّاه تنظيم الدولة الإسلامية- داعش، والذي تمّ بأربعة عشر طناً من المواد المتفجّرة المُحمّلة في شاحنةٍ بطول /16/ متراً.

 

يحاول «محمد عمر» الآن، نسيان كل شيء حدث صباح الـ 27 من أغسطس آب وحتى قبل ذلك بـ 10 سنوات، بما فيه كل الذكريات التي تَجعل فؤاده يخفق بحثاً عمّا فقده في ذلك اليوم. موت طفله، أنساه كل الجروح التي أصابت جسده وشوّهته، مع ذلك يعلم يقيناً أن ما حدث ربما كان سيُفضي إلى فاجعةٍ أكبر، لولا القدر الذي اختار الابن قبل الأب.

.

.
 

اقرأ المزيد للكتاتب ..

 



13 كانون أول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة