728 x 90

شبح الاغتصاب في مُعتقلات النظام السوريّ

3037145854.jpg

 

 

هذا المقال بالتعاون بين حلقة "سلام عينتاب" من "شبكة أنا هي" و مجلة صور

 

 

*ياسمينة بنشي

 

 

بات الاعتقال جانباً أساسيّاً من التراجيديا السوريّة، بعد أن قرّر النظام فتح أبواب الجحيم على السوريّين، ويعيد تشكيل أحلامهم ليصبح أقصى حدود أمنياتهم هو الموت. إذ لا مكان يحتضن آلامهم سوى جدرانٍ صلبةٍ وباردةٍ تحاصر حياتهم وأرواحهم .

 

"السجن عالمٌ قاسٍ يوجد خارج إطار الزمن الاعتياديّ وبعيداً عن منطقه وقوانينه. الزمن في السجن زمنٌ قسريٌّ موجّهٌ تتحكّم في إيقاعه كائناتٌ تصادر الحلم وتعطّل الفعل والحركة، وتلغي كلّ الرغبات، وتعيث فساداً في الأرواح والأجساد"*

 

وسيلتنا الوحيدة لمعرفة هذا العالم هي شهادات وذكريات المعتقَلين والمعتقَلات ، من خلال استعادة ما التقطته آذانهم وأعينهم، على شكل قصصٍ وشهاداتٍ تلخّص قسوة المشهد وتسجّل تفاصيل المكان.

 

شهادة إحدى المُعتقَلات

 

هاجس الاغتصاب لم يفارق تفكيري أثناء اعتقالي، لم أستطع أن أتخيل أو أستوعب تلك اللحظة التي سيدخل بها عناصر الأمن لكي يقتادوني إلى مكان آخر من أجل النيل مني، لم أكن أتجرّأُ على لفظ كلمة اغتصاب حتى في داخلي.

 

انتظرت يوماً ويومين، أسبوعاً وشهراً، ولم أتعرّض لما كان يقضّ مضجعي لا أثناء التحقيق ولا داخل المهجع، ليس لأن عناصر الأمن السوريّ قدّيسين، على العكس تماماً، إنهم أبعد ما يكونون عن الإنسانية بسوء معاملتهم وساديّتهم في تعذيب المعتقلين والمعتقلات، ولكن التضخيم الإعلامي لحوادث الاغتصاب -القليلة -داخل المعتقلات جعلت هذا الأمر يسيطر على تفكير جميع المعتقلات في سجون النظام السوري، لكننا لا نستطيع إنكار حدوثها في بعض الحالات الفردية أو على بعض الحواجز التابعة للنظام السوري خاصّة في العام 2012 أثناء نزوح العائلات.

 

إن هذا التعميم الخاطئ لأسيرات الأفرع وسجون النظام جعل الوضع النفسي للمعتقلات بحالة خوف وقلق دائمين، ما أجبرهنّ على الاعتراف بأيّ تهمة توجّه إليهنّ خشية الاغتصاب، ولم تكن حالة التعميم هذه هي عامل سلبيّ على المعتقلات فقط؛ بل على المجتمع ككلّ، حيث كثرت حالات الطلاق داخل السجون من قبل أزواج كانوا يعتقدون أن زوجاتهنّ اغتصبن، وأنا كنت شاهدةً على أكثر من حالة طلاق على شبك سجن عدرا المركزيّ بدمشق، إضافة إلى المعاملة السلبية من قبل بعض الأهالي تجاه بناتهنّ اللواتي خرجْنَ من المعتقل، وأحيانا تزويجهنّ قسراً من أجل "الستر" على وضعهنّ كمعتقلات، فمجتمعنا الشرقيّ بعاداته وتقاليده أو مناطقيّته؛ لا يسمح بأن يُمارَس الخطأ على بناتهنّ حتى لو كان بالإكراه.

 

وليس هاجس الاغتصاب هو الألم الوحيد الذي تعيشه المعتقلات، فكلّما طال زمن الاعتقال زاد الوجع أكثر فأكثر، فبعد أن تُعرض المعتقلة على قاضي محكمة الإرهاب، ويتمّ توقيفها تبدأ حياة أخرى داخل السجن لمعتقلات منسيّات أصبحنَ إمّا رهناً لمبادلة بعيدة الأمد تُخرجهنّ من الظلمة، أو مَنسيّات في غياهب السجون بانتظار معجزة إلهيّة تعيد لهنّ الحرّية من جديد.

 

وهنا يبدأ خوف أكبر من خوف الاغتصاب، يكون الأمل بسيطاً كبساطة الحياة التي يعشْنَها بين جدران المهاجع الباردة، حيث يكون الأمل لديهنّ حلماً جميلاً، يتهافتْنَ على تفسيره عند إحدى المعتقلات الملمّة نوعاً ما بتفسير الأحلام، أو عندما يُقلب حذاء إحداهن فوق بعضه، وتُسمع العبارة المتداولة بينهنّ "رح تطلعي قريباً... شفتي كيف مشّايتك إجت فوق بعضا".

 

وآخر الآمال يكون عند السماع من زيارات السجن عن إحدى المبادلات القريبة، ليبدأ التساؤل فيما بينهنّ (من سيكون اسمها ضمن هذه المبادلة؟ وكم معتقلة ستخرج ضمن هذه الصفقة؟).

 

دون أن ننسى غصّة قلوبهنّ أثناء توديع معتقلةٍ تمّ الإفراج عنها، كنّ قد عشنَ معها الحياة في ظروفٍ فرضها الظلم وواقع الحرب عليهنّ، تذقْنَها بألمها وحلوها ومرّها.

 

وتبقى المعتقلات جميلاتٍ ثائرات، مهما طال القيد أو زاد الألم.

 

#المعتقلات_هنَّ_الجميلات

 

.

.

 

*الاقتباس: من رواية “سيرة الرماد " لخديجة مروازي.

 

 

 

 

 



10 كانون أول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة