728 x 90

سوريا .. أوّل جمهوريّة للنساء

3278236989.jpg

 

 

 

أرملة وعانس و.. عازفة عن الزواج

 

*سناء إبراهيم

 

 

 

تولّت "ربا "حفر قبر زوجها بأظافرها، كان شعرها الذي غطّى وجهها يهتّزّ مع ضربات أظافرها، الناس من حولها جامدون يتفرّجون، وإلى جانبها في التابوت يرقد زوجها، ربا لا تبكي زوجها، هي فقط تلتقط حفنات من التراب وتلقيها عليه، وهي تتكلّم دون أن تعير اهتماماً لمن حولها: "هذا تراب أرضك التي لم تعد أرضك يا حبيبي، أرضك هذه لن تكون صالحة من بعدك إلا للدفن". بكت ربا وبكت، لطمت، تعبت من إلقاء التراب على قبر زوجها، غابت الشمس، استسلمت أخيراً وقالت له وداعاً. 

 

دفنت "ربا" زوجها وانتهى الأمر، أمّا "هالة" فهي تبحث عن زوج لها دون جدوى. في حديث عابر لها وهي تتنقّل أمام المرآة، أطلقت "هالة" جملتها العفوية قائلة : "خايفة موت عذراء"، وأتبعتها بسحابة من الضحك طالت كل من حولها من صديقاتها ، معتقدة أنها تروي نكتة، دون أن تدرك أنها وصّفت بجملتها المكثّفة ، هواجس بنات جيلٍ كاملٍ من الفتيات اللواتي انخفضت حظوظهنّ في الزواج بعد اندلاع الحرب السوريّة التي أظهرت أسباباً إضافية لارتفاع نسبة العنوسة والمٌقدّرة نسبتها بـ 70 % وفقاً للدراسات الحديثة .

 

على العكس من ربا وهالة ، أخذت "هلا" قراراً بعدم الزواج ، فهي كما تقول لا تريد أن تنجب طفلاً إلى بلدٍ بدأ يشيخ بعد ستّ سنوات من عمر الأزمة ، بلد كانت السعادة فيه بمتناول اليد ودون مقابل ، كان بمقدورنا ان نكون سعداء فيه ببساطة . تضيف "هلا" : اليوم لا شيء بدون مقابل ، حتى الضحكة لها مقابل. أما "سهى" فهي لا تريد أن تتزوّج لأنها لا تريد أن تكون أرملة المستقبل وأمّاً لطفل يتيم لا يعرف وجه أبيه .

 

أم مجد لها حكايتها المختلفة. قتل ولدها مجد في درعا فجاءت تستطلع أخباره في جبلة ، تؤمن أم مجد ، من إحدى قرى الساحل بريف جبلة ، أن ابنها الذي التحق بصفوف الجيش السوري وقُتل أثناء المعارك قبل سنتين ، خُلق من جديد لدى عائلة جديدة وباسم جديد هو علي . وعندما نقول خُلِق ، أي أنه تقمّص حسب اعتقاد الطائفة العلويّة. الإيمان بالتقمّص يدفع أفراد الطائفة إلى التقليل من هول الموت وكنوع من العزاء أو المكابرة تسمع أحدهم يقول لك : " لا مشكلة لدينا مع الموت طالما أننا نموت هنا ونخلق هناك" . أم مجد لا تكابر ولا تعاند، هي فقط تنتظر ابنها ليكبر كي تسمع منه قصّة موته ، من قتله وكيف. إلى ذلك الوقت هي تكتفي بالنظر إلى عينيه ، تداعب شامة خدّه وأصابع يديه ، وقبل أن تغادر أهله الجدد ، لا تنسى أم مجد أن تغرف من الطفل نظراته وضحكاته كي تكون زاداً لـذاكرتها التي قالت إنها توقّفت مرّتين: الأولى عندما سمعت نبأ استشهاد ولدها، والثانية عندما سمعت بولادته مجدّداً.

 

هي جمهورية النساء التي يمكن للعابر أن يتلمّس نشوءَها في شوارع دمشق وأريافها وأرصفتها كما في باصات النقل التي تجتاز الحواجز العسكرية دون تفتيش لأنها تُقلِّ الفتيات فقط، يمكن تلمّسها في غياب طوابير الرجال عن الأفران ومراكز الإعانات وشركات الحوالة، كما في صفوف الفتيات الواقفات على أبواب الجامعات للدخول وفي ساحات الكلّيات والحدائق العامّة وفي مكاتب العمل ووزارات الدولة ، يمكن أن تتلمّسه على حقيقته أكثر عندما ترى سيّدة متقدّمة في السنّ أو صبيّة  في مقتبل العمر تجرّ عربة لبيع الخضار في السوق أسوة بباقي الرجال، أخريات دفعتهنّ الظروف القاسية إلى قبول أعمال ما كان لهنّ قبولها نتيجة الحاجة، كالبغاء وتجارة الشوارع إلى جانب العمل في المنازل ، الأمر الذي أضاف للنساء السوريّات عنفاً مضاعفاً مضافاً إلى عنف الحرب .

 

تغيّرت تركيبة المجتمع السوريّ ما بعد الأزمة ومعها تغيّرت المفاهيم السائدة واستُبدلت بأخرى فرضتها ظروف البلد الاقتصادية والسياسية . قبل الأزمة ، كان يُفترض بالمرأة أن تجد دائماً من يقف إلى جانبها ويعيلها . اليوم ، لم يعد الرجال قوّامون على النساء . يسود اليوم مفهوم "الأم المعيلة" أو "المرأة المعيلة" بعد أن فقدت المرأة زوجها أو شقيقها أو ولدها، وباتت النساء في سورية موزّعات بين أرملة وعانس وعازفة عن الزواج ومعيلة لعائلة فقدت معيلها بفعل الحرب التي دفعت أبناءَها للهجرة هرباً من الخدمة العسكرية، فيما فضّل آخرون الانضمام للقتال في صفوف المعارضة المسلّحة. من تبقّى ، غيّبتهم الحوادث الأمنيّة العشوائية التي انتشرت في المحافظات السوريّة خلال سنوات الأزمة (خطف - ضحايا قذائف - تفجيرات) .

 

تمثّل الجامعات والمعاهد السوريّة مثالاً حيّاً لمعرفة نسبة انخفاض الشباب مقارنة مع الفتيات . "ليث"، طالب سنة ثانية طب بشريّ يقول : إن نسبة الشباب إلى الفتيات في دفعته تمثّل ( 1 إلى 10 ) ، أي شاب لكل عشرة فتيات . في قسم الصيدلة ، يقول محمد : نسبة الشباب إلى الفتيات هي 1 إلى 60، أي شاب لكل 60 فتاة . في المعهد الوطني للإدارة العامّة الذي يخرّج سنوياً كوادر إداريّة مؤهّلة، بلغ مجموع الدفعة التدريسية الجديدة الرابعة عشرة هذا العام (42 طالباً) ، 5 شبان و38 فتاة، أطلقت الدفعة على نفسها اسم (مجموعة الـ 38 +5) . بالتوازي مع الجامعات والمعاهد ، تعاني مؤسّسات ووزارات الدولة من نقص كبير في الكوادر العاملة بسبب التسرّب من الوظيفة ومعظمهم من الشباب المؤهّلين الذين تركوا العمل بدافع الهجرة أو التهجير والنزوح، حيث يتمّ التعويض عنهم بالموظفين القادمين من المناطق الشرقية في دير الزور والرقة والحسكة وإدلب.

 

نساء الأنقاض في سوريا ..

 

يتوفّر في العديد من المدن الكبرى في ألمانيا نصب تذكاري يرمز إلى شخصية أُطلق عليها اسم "امرأة الأنقاض " ، ويقال إن أعداداً كبيرة من هؤلاء النساء أقدمنَ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على إزالة الأنقاض في المدن المدمّرة ، وكنّ رمزاً لتصميم الألمان على البناء والبقاء على قيد الحياة . فهل ستكون النساء السوريّات قادرات على إزالة الأنقاض في المدن السوريّة المدمّرة ما بعد انتهاء الحرب ؟ إزالة الأنقاض ليس بمعنى ما تهدّم من حجر ، إنما بمعنى التنشئة ؟

 

سؤال توجّهنا به إلى أصحاب الشأن والاختصاص :

 

الاختصاصيّة في الصحّة النفسيّة الدكتورة ميس عجيب قالت: إن تمكين المرأة لا يمكن أن يتمّ بدون التعريج على القوانين والأنظمة المتعلّقة بالمرأة في سورية والتي تتيح لها الحصول على حقوقها ووقف جميع أشكال العنف ضدّها خاصّة العنف الاقتصادي . تضيف اختصاصية الصحّة النفسيّة :"همّشت الحرب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع السوريّ وهي النساء والأطفال وكبار السنّ، وكي يكون المجتمع قادراً على النهوض من جديد، لابدّ من إيجاد صيغة تمكّن المرأة وتجعلها قادرة على الاستقلال المادّيّ كي تستطيع اتّخاذ قرارها ، تبعيّة قرار المرأة للرجل تأتي من التبعيّة المادّية، الاستقلال المادّيّ يجعلها قادرة على اتّخاذ القرار بمعزل عن الآخر .

 

وعن التغيّر في التركيبة المجتمعيّة السوريّة ، تؤكّد الدكتورة ميس أنه وبعد ستّ سنوات من الحرب ، بات هناك إدراك لآثار هذا التغيّر ووعي بالحاجة الضرورية إلى التعاون مع المؤسّسات والمجتمع الأهليّ السوريّ من أجل تمكين النساء ودعمهنّ عبر المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، لأن البديل والخيار الوحيد المتبقّي عن تمكين المرأة ، هو مزيد من التفشّي لظاهرة زواج الأطفال من (النساء القاصرات) بحجّة حمايتهنّ ، ومزيد من عمالة الأطفال وغيرها من صنوف الاستغلال التي انتشرت ما بعد الأزمة .

 

دكتور الاقتصاد في جامعة دمشق زياد عربش قال: إن المرأة السوريّة ستكون رافعة لإعادة بناء ليس ما تهدّم من أنقاض كما كان الحال عليه في ألمانيا ، إنما إعادة بناء النسيج الاجتماعيّ للمجتمع السوريّ . يضيف عربش قائلاً : قبل الأزمة ، كان لكل فرد دوره ، لكن المرأة  كانت صمّام الأمان للمجتمع، هي التي تدبّر شؤون منزلها وتديره، المرأة السوريّة ما بعد الأزمة هي أم الشهيد وأخته وزوجته، ضحّت وعانت وصمدت، هي الأكثر حكمة والرهان الأكبر سيكون عليها ما بعد الأزمة في إعادة التنشئة والتربية وإعادة اللحمة لنواة الأسرة السوريّة التي نالت نصيبها من التفكّك . (فالرجل جنّى والمرأة بنّى).

 

لم تعد سوريا هي الجمهوريّة العربيّة السوريّة ولا حتى الجمهوريّة السوريّة التي تتنازعها الأطراف المتصارعة في الدستور السوريّ الجديد . هي جمهوريّة النساء ، لا معارك فيها بين قيس وليلى ، لا ثياب ملوّنة ، لا زغاريد ، صور شهداء معلّقة على مفارق الطرق وعتبات البيوت ، شريط أسود وباب مغلق يخبرك أنهم كانوا هنا ورحلوا ، وما تبقّى ، أولاد يحاولون تذكّر وجوه آبائهم ورسمها .

.

.

اقرأ المزيد للكاتبة .. 

 

 



13 آذار 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة